فتنا : ابتلينا ، يقال يفتنه فتنة ، أي ابتلاه وأضله وأحرقه واختبره .
وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين . شاءت إرادة الله تعالى ، أن يختبر بعض الناس بالغنى والجاه وأن يمنح بعض الناس الهداية والعلم مع فقرهم .
ومن الناس من لم يدرك هذه الحكمة السامية في توزيع أرزاق العباد ، فالمال رزق والهداية رزق والتقوى رزق والله أعلم حيث يوزع أرزاقه ومواهبه .
ومعنى الآية : ومثل ذلك الفتن ، أي الابتلاء والاختبار ، جعلنا بعض البشر فتنة لبعض ليترتب على هذا الفتن أن يقول المفتونون الأقوياء في شأن الضعفاء : أهؤلاء الصعاليك خصهم الله بالإيمان من بيننا ! وقد رد عليهم بقوله : أليس الله بأعلم بالشاكرين . أي أليس هو أعلم بالشاكرين له بأقوالهم وأفعالهم وضمائرهم ، فيوفقهم ويهديهم سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم ( 87 ) .
وقد ذكر القرآن أن هذا المعنى في كثير من آياته ، مثل : وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه و إذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم . ( الأحقاف : 11 ) .
وفي قصص الأنبياء السابقين ، نجد الأغنياء يقولون لنوح عليه السلام : وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادئ الرأي وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين . ( هود : 72 ) .
وفي سورة الكهف يقول الله تعالى : واصبر نفسك مع الذين يدعون الله بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا و اتبع هواه وكان أمره فرطا * وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر . ( الكهف : 82 : 29 ) .
قوله : { وكذلك فتنا بعضهم ببعض } الفتنة ، الاختبار والابتلاء . وفتنة الله خلقه بعضهم ببعض تتحقق فيما جعله بينهم من التفاوت في الأرزاق والأخلاق والطبائع . فجعل بعضهم غنيا وبعضهم فقيرا . وجعل بعضهم قويا وبعضهم ضعيفا . وهذا يفضي إلى حاجة بعضهم لبعض اختبارا من الله لهم . قال ابن عباس في تأويل ذلك : يعني أنه جعل بعضهم أغنياء وبعضهم فقراء . فقال الأغنياء للفقراء : { أهؤلاء من الله عليهم من بيننا } وذلك على سبيل السخرية والاستهزاء بهم .
قوله : { ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا } اللام لام التعليل . والاستفهام للإنكار . والمقصود بهؤلاء : الضعفاء والفقراء . أي أن المشركين المستكبرين وهم الأغنياء والساسة يقولون في جحود وإنكار وسخرية : أهؤلاء الذين أكرمهم الله بالهداية وإصابة الحق وهم فقراء ضعفاء أذلة من بيننا ونحن أغنياء أقوياء . وقد قالوا هذه المقالة على سبيل الاستهزاء بالمؤمنين الضعفاء ومعاداة الإسلام .
قوله : { أليس الله بأعلم بالشاكرين } الاستفهام للتقرير بعلمه . وهذا جواب من الله ورد منه لمقالة المشركين المستنكرين الساخرين من المؤمنين لفقرهم وضعفهم . فبين سبحانه أنه عليم بالصالحين من العباد ، إذ يمن عليهم بالإيمان والهداية دون الرؤساء والعظماء الذين لا يستحقون فضلا ولا تكريما .
ذلك هو القسطاس المستقيم الذي لا يميل ولا يحابي ، والذي يزن به الإسلام مقادير الناس واعتباراتهم . وإنما الاعتبار الحقيقي الأكبر للعقيدة السليمة المستقيمة والتزام شرع الله قولا وعملا ، بغض النظر عن بقية الاعتبارات الأخرى وهي كثيرة ومختلفة . كاعتبار المال والحسب واللون والأصل . لا جرم أن هذه اعتبارات في مقابل العقيدة ، تمضي من غير وزن ولا حساب في تصور الإسلام . إنما التقدير والتكريم لأولي الإيمان الصالح ، والعمل الصالح ، من عباد الله الأتقياء الأبرار .
وهذه حقيقة لا يزيغ عنها إلا معاند مستكبر يؤثر الدنيا بغرورها وزخرفها الفارغ المنفوش على الآخرة بخيرها وفضلها ونعيمها الباقي .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.