تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{قُل لَّآ أَمۡلِكُ لِنَفۡسِي نَفۡعٗا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُۚ وَلَوۡ كُنتُ أَعۡلَمُ ٱلۡغَيۡبَ لَٱسۡتَكۡثَرۡتُ مِنَ ٱلۡخَيۡرِ وَمَا مَسَّنِيَ ٱلسُّوٓءُۚ إِنۡ أَنَا۠ إِلَّا نَذِيرٞ وَبَشِيرٞ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ} (188)

{ قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إن أناْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ( 188 ) }

المفردات :

نذير : منذر بوعيد الله للعصاة والكافرين .

وبشير : ومبشر بوعد الله لكل من يؤمن بالله .

التفسير :

{ 188 - قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ . . . } الآية .

تمهيد :

بينت الآية السابقة أن علم الساعة عند الله وحده ، وفي هذه الآية بيان لأساس من أسس العقيدة ، إذ بينت حقيقة الرسالة وفصلت بينها وبين الربوبية ، وهدّمت قواعد الشرك ، واجتثت جذور الوثنية فالرسول بشر يوحى إليه ، وظيفته التبليغ والتبشير للطائعين ، والإنذار للعصاة والمشركين ، ولا يعلم الغيب إلا بمقدار ما يريد الله إطلاعه عليه .

{ قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ } .

أي : قل أيها الرسول لمن سألك عن الساعة ظانا أن عندك علم بالغيب ، واطلاع على شئون المستقبل – قل لهم : إني بشر مثلكم ، وإني لا أملك لنفسي ولا لغيري ، جلب نفع ولا دفع ضر مستقلا بقدرتي على ذلك ، وإنما أملكهما بقدرة الله ، فإذا أقدرني على جلب النفع ، جلبته بفعل أسبابه ، وإذا أقدرني على منع الضر ، منعته بتسخير الأسباب كذلك .

وقد كان المسلمون ولا سيما حديثو العهد بالإسلام ؛ يظنون أن منصب الرسالة يقتضي علم الساعة ؛ وغيرها من علم الغيب ، وأن الرسول يقدر على ما لا يصل إليه كسب البشر من جلب النفع ومنع الضر عن نفسه ، وعمن يحب أو عمن يشاء . . .

فأمره الله أن يبين للناس ، أن منصب الرسالة لا يقتضي ذلك ، وأن وظيفة الرسول هي التعليم والإرشاد ، لا الخلق والإيجاد ، وأنه لا يعلم الغيب إلا ما علمه الله عن طريق الوحي . { قل إنما أنا بشر مثلكم يوحي إلي . . . }

{ ولو كنت أعلم لغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء } .

أي : لو كنت أعرف أمر المستقبل ؛ لكانت حالي على خلاف ما هي عليه من استكثار الخير ، واجتناب السوء والمضار ؛ حتى لا يمسني شيء منها ، ولم أكن غالبا مرة ، ومغلوبا أخرى .

قال الشوكاني :

أي : لاشتريت حين يكون فيما أشتريه الربح ، وبعت حين يكون الربح في البيع ؛ فيكثر مالي ولا أخسر في بيع ، ولتعرضت لما فيه الخير فجلبته لنفسي ، وتوقّيت ما في السوء ؛ حتى لا يمسني .

قال ابن كثير :

أمره الله تعالى أن يفوض الأمر إليه وأن يخبر عن نفسه أنه لا يعلم الغيب في المستقبل ، ولا اطلاع له على شيء من ذلك ، إلا ما أطلعه الله عليه ، كما قال : { عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا } . ( الجن : 26 ) .

{ إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون } . أي : لست إلا مبلغا عن الله لأحكامه ، أنذر بها قوما ، وأبشر بها آخرين ، ولست أعلم بغيب الله سبحانه . أي : وليس الإخبار بالغيب من مهمتي ، ولا العلم به من صفتي .

{ لقوم يؤمنون } : لأن المؤمنين هم الذين ينتفعون بالإنذار والتبشير ، فنصّ القرآن على محل النفع والفائدة على حدّ قوله تعالى : { هدى للمتقين } .

وقوله سبحانه : فذكّر بالقرآن من يخاف وعيد .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{قُل لَّآ أَمۡلِكُ لِنَفۡسِي نَفۡعٗا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُۚ وَلَوۡ كُنتُ أَعۡلَمُ ٱلۡغَيۡبَ لَٱسۡتَكۡثَرۡتُ مِنَ ٱلۡخَيۡرِ وَمَا مَسَّنِيَ ٱلسُّوٓءُۚ إِنۡ أَنَا۠ إِلَّا نَذِيرٞ وَبَشِيرٞ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ} (188)

قوله : { قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله } أي أبلغ هؤلاء الذين يسألونك عن الساعة متى تقوم : أنني لست قادرا على تحصيل النفع أو الخبر لنفسي ، ولا دفع الضر أو المكروه أن يحل بي إلا ما شاء الله لي أن أقدر عليه من ذلك وهو أن يمكنني ربي من ذلك ويعينني عليه . ومن كانت هذه حاله من ضعف الاستطاعة وهوان الاقتدار ؛ فأحرى أن لا يعلم متى تقوم الساعة ، ولأنها من مستور الغيب الذي لا يعلمه إلا الله .

قوله : { ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء } إنني لا علم لي بالغيب ، ولو كنت أعلمه ، فأعلم ما هو كائن وما ليس بكائن لكانت حالي على خلاف ما هي عليه من استكثار الخير والمنافع واجتناب المضار والمكاره كيلا يمسني منها شيء ، فلا أكون –مثلا- غالبا في الحرب مرة ، ومغلوبا مرة أخرى ، ورابحا في التجارات مرة ، وخاسرا مرة أخرى ، ومصيبا في التدبير مرة ، ومخطئا مرة أخرى . بل لكنت دائما غالبا ورابحا ومصيبا .

بمثل هذه الصراحة الكاملة وهذا الوضوح التام يأمر الله رسوله الكريم بمخاطبة قومه . خطاب لهم ظاهر ومستبين لا لبس فيه ولا إشكال . خطاب فيه من طهر الغاية والمقصود واستقامة المنهج والأسلوب ووضوح المعنى وكماله ما يزجي بأبلغ برهان على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم . لا جرم أن هذه واحدة من الدلائل البلجة على صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه مبعوث من عند الله أرسله للعالمين هاديا ومنيرا .

قوله : { إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون } أي ليس من شأني أن أعلم الغيب بل ، إني لست إلا رسولا من عند الله أرسلني إليكم لأنذر عقابه من عصاه منكم وخالف أمره ، وأبشر بثوابه وجزائه من آمن به وأطاعه واتقاه ، على أن المنتفعين ببشارة الرسول صلى الله عليه وسلم ونذارته هم المؤمنون الذين يستقينون بحقية ما جاءهم به من عند الله . ومن أجل ذلك خص المؤمنين هنا بالذكر{[1598]} .


[1598]:الكشاف جـ 2 ص 136 وتفسير الرازي جـ 15 ص 89 وتفسير الطبري جـ 9 ص 95- 97.