تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَقُلِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ فَتَعۡرِفُونَهَاۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ} (93)

المفردات :

سيريكم آياته : دلائل قدرته ، وأمارات سلطانه في الدنيا والآخرة .

التفسير :

93-{ وقل الحمد لله سيريكم آياته فتعرفونها وما ربك بغافل عما تعملون }

وقل يا محمد : الشكر لله فهو أهل للثناء والحمد ، له الشكر على ما أنعم ، وله الحمد في الأولى والآخرة ؛ فهو سبحانه الخالق الرازق المنعم المتفضل ، له الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يرضى ويحب ، وله الحمد بعد الرضا ، وله الحمد في الأولى والآخرة .

وكان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم :

( يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك ، رضينا بالله تعالى ربا ، وبالإسلام دينا ، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا )29 .

( اللهم ربنا ولك الحمد ، حمدا كثيرا طيبا طاهرا مباركا فيه كما ترضي ربنا وتحب ، ملء السماء ، وملء الأرض ، وملء ما بينهما ، وملء ما شئت من شيء بعد ، أحق ما قال العبد ، وكلنا لك عبد ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ) .

{ سيريكم آياته فتعرفونها . . }

سيطلعكم الله على دلائل قدرته ، وعظيم نعمائه في الكون والآفاق ، وفي آفاق النفس وأقطار العلم : فتعرفون وحدانيته وعظمته ، قال تعالى : { سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد } [ فصلت : 53 ]

أو سيريكم آياته يا أهل مكة في بلاغة القرآن وإعجازه وصدقه ، حيث هزمتم يوم بدر ، وانتصر المسلمون بعد ذلك حتى فتحوا مكة ، ودخل الناس في دين الله أفواجا .

{ وما ربك بغافل عما تعملون } .

فهو مطلع وشاهد ، وسيحاسب الناس ويجازيهم على أعمالهم ، وهكذا تختم السورة بهذا التعبير الملفوف ، اللطيف المخيف ، ثم يدعهم يعملون ما يعملون ، وفي أنفسهم أثر الإيقاع العميق : وما ربك بغافل عما تعملون .

روى أن عمر بن عبد العزيز ، قال : فلو كان الله مغفلا شيئا لأغفل ما تعفى الرياح من أثر قدمي ابن آدم . وكان الإمام أحمد بن حنبل كثيرا ما ينشد هذين البيتين :

إذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل *** خلوت ولكن قل عليّ رقيب

ولا تحسبن الله يغفل ساعة *** ولا أن ما يخفى عليه يغيب .

والحمد لله رب العالمين ، وصلاته وسلامه على النبي الأمي ، وعلى آله وصحبه أجمعين ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .

ختام السورة:

خلاصة ما تضمنته سورة النمل

1- وصف القرآن الكريم بأنه هدى ورحمة للمؤمنين .

2- قصص موسى عليه السلام .

3- قصص سليمان .

4- قصص ثمود ، وقصص قوم لوط .

5- الأدلة على توحيد الله تعالى ، وربوبيته لكل شيء .

6- إنكار المشركين للبعث والنشور .

7- علم الله بما في الصدور .

8- حكم القرآن على ما اختلف فيه بنو إسرائيل .

9- قطع الأطماع في إيمان المشركين ، وتشبيههم بالعمى والصم .

10- أشراط الساعة مثل : خروج الدابة من الأرض ، وحشر فوج من كل أمة .

11- الجزاء على العمل خيرا كان أو شرا .

12- ختام السورة ، في تجرد المؤمن في عبادة الله والبعد عن الأوثان .

13- حمد الله ، والثناء عليه ، وتلاوة القرآن الكريم .

14- سيرى المشركون آيات الله فيعرفونها حين لا يفيدهم ذلك شيئا .

* * *

تم تفسير سورة النمل ، والحمد لله رب العالمين .

* * *

تم الجزء التاسع عشر

ويليه الجزء العشرون إن شاء الله تعالى .

1 - قال القرطبي : قرأ عاصم وحمزة والكسائي [ بشهابٍ قبسٍ ] بتنوين شهاب ، وقرأ الباقون [ بشهابِ قبس ] على الإضافة ، أي : بشعلة نار ، من إضافة النوع إلى جنسه كخاتم فضة ، والشهاب كل ذي نور ، نحو الكواكب والعود الموقد ، والقبس اسم لما يقتبس من حجر وما أشبهه ، فالمعنى بشهاب من قبس ، ومن قرأ [ بشهاب قبس ] بالتنوين ، جعله بدلا منه أو صفة له ، وتأويله بمعنى المقبوس .

2 - إن الله لا ينام :

رواه مسلم في الإيمان ح 179 ، وابن ماجة في المقدمة ح 195 ، 196 ، واللفظ لابن ماجة .

3 - الجيب : فتحة الثوب الذي يدخل منها الرأس ، قال تعالى : { وليضربن بخمرهن على جيوبهن } [ النور : 31 ] أي : تسدل الخمار على فتحة الصدر حتى تستر صدرها .

4 - لا نورث ما تركناه صدقة :

رواه البخاري في فرض الخمس ح 3093 ، 3094 ، وفي المغازي 2034 ، 4063 ، 4241 ، وفي النفقات ح5358 ، وفي الفرائض ح 6725 ، 6728 ، 6730 وفي الاعتصام ح 7305 ، 1757 ، ومسلم في الجهاد 1759 ، 1761 ، والترمذي في السير 1610 ، والنسائي في قسم الفيء ح 4148 ، وأبو داود في الخراج ح 2963 ، 2968 ، وأحمد ح 10 ، 26 ، 56 ، 59 ، 173 .

5 - إن العلماء ورثة الأنبياء :

رواه البخاري في العلم معلقا ، والترمذي في العلم ح 2682 ، وأبو داود في العلم ح 3641 ، وابن ماجة في المقدمة ح 223 ، / وأحمد ح 21208 ، والدارمي في المقدمة ح342 ، وأوله : ( من سلك طريقا يبتغي فيه علما . . ) الحديث .

أنا سيد ولد آدم :

رواه مسلم في الفضائل ح 2278 ، والترمذي في التفسير ح 3148 ، وفي المناقب ح3615 ، وأبو داود في السنة ح 4673 ، وابن ماجة في الزهد ح 4308 ، وأحمد ح 16 ، 2542 ، 2687 .

6 - التفسير الوسيط : بإشراف مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر ، وانظر تفسير القرطبي فقد أسهب ، وقال فيه 18 مسألة .

7 - تفسير ابن كثير .

8 - كانت امرأتان معهما ابناهما :

رواه البخاري في أحاديث الأنبياء ح 3173 ، وفي الرقاق ح 6002 ، وفي الفرائض ح 6271 ، ومسلم في الأقضية ح 3245 ، والنسائي في آداب القضاة ح 5309 ، وأحمد ح 7931 ، 8124 ، من حديث أبي هريرة .

9 - الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة :

رواه البخاري في الجهاد ح 2638 ، 2640 ، وفي فرض الخمس ح 2887 ، وفي المناقب ح 3372 ، ومسلم في الزكاة ح 1648 ، وفي الإمارة ح 3479 ، 3480 ، وأبو داود في الجهاد ح 2532 ، والترمذي في فضائل الجهاد ح 1560 والنسائي في الخيل ح 3505 ، 3506 ، وابن ماجة في الجهاد ح 2778 ، وأحمد ح 4856 ، 4953 ، 5508 ، والدارمي في الجهاد ح 2319 ، 2320 ، من حديث عروة البارقي ، وأنس وأبي هريرة ، وابن عمر ، وجرير .

10 - لأطوفن الليلة على سبعين امرأة ، كل منهن تأتي بفارس :

رواه البخاري في أحاديث الأنبياء ح 3171 ، وفي الأيمان ح 6148 ، وفي كفارات الأيمان ح 6225 ، وفي التوحيد ح 6915 ، ومسلم في الأيمان ح 3124 ، 3126 ، والترمذي في النذور ح 1452 ، والنسائي في الأيمان ح 3771 ، 3796 ، من حديث أبي هريرة .

11 - انظر تفسير المراغي ، والتفسير المنير للدكتور وهبة الزحيلي ، دار الفكر المعاصر ، بيروت 19/ 322 ، وقارن بالتفسير الوسيط بإشراف مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر .

***

تم بحمد الله تعالى تخريج أحاديث

وهوامش الجزء [ التاسع عشر ] .

12 - الهالكين .

13 - اللهم لك الحمد :

" اللهم لك الحمد ، أنت رب السماوات والأرض ومن فيهن ، ولك الحمد ، أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن ، ولك الحمد ، أنت قيوم السماوات والأرض ، ومن فيهن ، أنت الحق ، وقولك الحق ، ووعدك حق ، والجنة حق ، والنار حق والنبيون حق ، ومحمد حق ، اللهم لك أسلمت ، وبك آمنت ، وعليك توكلت ، وإليك أنبت ، وبك خاصمت ، وإليك حاكمت " .

رواه البخاري في التهجد 1120 ، ومسلم في صلاة المسافرين وقصرها ح 1288 ، والترمذي في الدعوات ح 3340 ، والنسائي في قيام الليل ح 1601 ، وأبو داود في الصلاة ح 655 ، وابن ماجة في إقامة الصلاة ح 1345 ، وأحمد ح 2575 ، ومالك في النداء للصلاة ح 451 ، والدارمي في الصلاة ح 1448 .

14 - اللهم إني أسألك بأني أشهد :

رواه الترمذي في الدعوات ح 3397 ، وابن ماجة في الدعاء ح 3847 من حديث بريدة ، وقال الترمذي : حديث حسن غريب .

15 - يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث :

بهذا اللفظ ذكره الهيثمي في المجمع 10/ 183 ، وعزاه للطبراني في الصغير والأوسط ، من طريق سلمة بن حرب بن زيادة ، عن أبي مدرك ، عن أنس ، وسلمة بن حرب : مجهول كشيخه أبي مدرك ، وقد وثقه ابن حبان وذكر له هذا الحديث في ترجمته ، وفي الميزان : أبو مدرك قال الدارقطني : متروك ، فلا أدرى هو أبو مدرك هذا أو غيره ، وبقية رجاله ثقات ، وانظر : ابن حبان في الثقات 6/ 398 .

ورواه الترمذي في الدعوات ح 3358 ، من حديث أبي هريرة قال : " . . وإذا اجتهد في الدعاء قال : يا حي يا قيوم " اه . وقال : حديث غريب ، وذكره في نفس الباب برقم 3446 ، من حديث أنس بن مالك قال : كان إذا كربه أمر قال : " يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث " اه .

16 - يا ذا الجلال والإكرام :

رواه الترمذي بنحوه في الدعوات ح 3493 ، وقال : حديث حسن غريب .

17 - من زعم أن محمدا

رواه مسلم في الإيمان ح 259 ، والترمذي في التفسير ح 2994 ، وقال : حديث حسن صحيح .

18 - التفسير الوسيط : تأليف لجنة من علماء الأزهر ، ص 1705 .

19 - من أتى عرافا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة :

مسلم في السلام 4137 ، وأحمد ح 16041 ، 22138 ، عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم .

20- ستفتحون أرضا يذكر فيها القيراط :

رواه مسلم في فضائل الصحابة ح 4614 ، من حديث أبي ذر .

21 - أنت الأول فليس قبلك شيء :

مسلم في الذكر والدعاء 4888 ، وأبو داود في الأدب ح 4392 ، والترمذي في الدعوات ح 3322 ، 3403 ، وقال : حديث حسن صحيح ، وابن ماجة في الدعاء ح 3821 ، 3863 ، وأحمد ح 8603 ، 10503 ، كلهم عن أبي هريرة .

22 - ثلاث إذا خرجن :

رواه مسلم في الإيمان ح 227 ، والترمذي في التفسير ح 2998 ، وأحمد ح 9367 ، من حديث أبي هريرة .

23 - إن أول الآيات خروجا :

رواه مسلم في الفتن ح 5234 ، وأبو داود في الملاحم ح 3756 ، وأحمد ح 6586 ، من حديث عبد الله بن عمرو .

24 - لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات :

رواه مسلم في الفتن ح 5162 ، 5163 ، وأبو داود في الملاحم ح 3757 ، والترمذي في الفتن ح 2109 ، وابن ماجة في الفتن ح 4031 ، 4045 ، وأحمد ح 15555 ، 15557 ، من حديث حذيفة بن أسيد الغفاري .

25 - بادروا بالأعمال ستا :

رواه مسلم في الفتن 5240 ، 5241 ، وأحمد ح 7952 ، 8092 ، 8494 ، 8910 ، 10229 ، من حديث أبي هريرة ورواه ابن ماجة في الفتن ح 4046 ، من حديث أنس بن مالك ، وفي إسناده ابن لهيعة وهو ضعيف .

26 - المنتخب في تفسير القرآن الكريم ، لجنة القرآن والسنة ، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية ، بوزارة الأوقاف المصرية ص 574 ، وهذا النص به أخطاء مطبعية فصوبت الخطأ ، واختصرته .

27 - إن الله كتب الحسنات :

البخاري في الرقاق ح 6010 ، ومسلم في الإيمان ح 187 ، وأحمد ح 2684 ، 3228 ، من حديث ابن عباس .

28 - انظر صحيح مسلم ، كتاب الحج ، ج 2 ص 986 .

29 - يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك :

رواه ابن ماجة في الأدب ح 3791 ، من حديث عبد الله بن عمر ، وليس فيه زيادة : ( رضينا بالله ربا . . ) الحديث .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{وَقُلِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ فَتَعۡرِفُونَهَاۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ} (93)

قوله تعالى : { وقل الحمد لله } على نعمه ، { سيريكم آياته } يعني : يوم بدر ، من القتل والسبي وضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم ، نظيره قوله عز وجل : { سأريكم آياتي فلا تستعجلون } وقال مجاهد : سيريكم آياته في السماء والأرض وفي أنفسكم ، كما قال : { سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم } { فتعرفونها } يعني : الآيات والدلالات ، { وما ربك بغافل عما تعملون } وعيد لهم بالجزاء على أعمالهم .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَقُلِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ فَتَعۡرِفُونَهَاۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ} (93)

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم:"قُلْ" يا محمد لهؤلاء القائلين لك من مشركي قومك: "مَتى هَذَا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ": "الحَمْدُ لِلّهِ "على نعمته علينا بتوفيقه إيانا للحقّ الذي أنتم عنه عمون، سيريكم ربكم آيات عذابه وسخطه، فتعرفون بها حقيقة نصحي كان لكم، ويتبين صدق ما دعوتكم إليه من الرشاد... عن مجاهد، قوله: "سَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها" قال: في أنفسكم، وفي السماء والأرض والرزق...

وقوله: "وَما رَبّكَ بغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ" يقول تعالى ذكره: وما ربك يا محمد بغافل عما يعمل هؤلاء المشركون، ولكن لهم أجل هم بالغوه، فإذا بلغوه فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون. يقول تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم: فلا يحزنك تكذيبهم إياك، فإني من وراء إهلاكهم، وإني لهم بالمرصاد، فأيقن لنفسك بالنصر، ولعدوّك بالذلّ والخزي.

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

{وقل الحمد لله سيريكم آياته} هذا يحتمل وجهين:

أحدهما: سيريهم آيات وحدانيته وربوبيته وآيات رسالته. وقوله تعالى: {فتعرفونها} أي الآيات ما ذكر كقوله: {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم} [فصلت: 53]. والثاني: سيريهم ما وعد لهم من النصر والمعونة ليعرفوه عيانا على ما عرفوه خبرا.

وقوله تعالى: {وما ربك بغافل عما تعملون} قال بعضهم: هذا الحرف توبيخ للظالم وتعيير وزجر، وتعزية للمظلوم وتسلية له. وقال بعضهم: هذا الحرف ترغيب وترهيب.

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

ثم أمره أن يحمد الله على ما خوّله من نعمة النبوّة التي لا توازيها نعمة، وأن يهدّد أعداءه بما سيريهم الله من آياته التي تلجئهم إلى المعرفة، والإقرار بأنها آيات الله. وذلك حين لا تنفعهم المعرفة. يعني في الآخرة.

الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 671 هـ :

" سيريكم آياته "أي في أنفسكم وفي غيركم كما قال:"سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم "[فصلت: 53]. "فتعرفونها "أي دلائل قدرته ووحدانيته في أنفسكم وفي السماوات وفي الأرض، نظيره قوله تعالى:"وفي الأرض آيات للموقنين. وفي أنفسكم أفلا تبصرون "[الذاريات: 21].

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

{وقل} أي إنذاراً لهم وترغيباً وترجية وترهيباً: {الحمد} أي الإحاطة بأوصاف الكمال {لله} أي الذي له العظمة كلها سواء اهتدى الكل وضل الكل، أو انقسموا إلى مهتد وضال، لأنه لا يخرج شيء عن مراده.

ولما كانت نتيجة ذلك القدرة على كل شيء قال: {سيريكم} أي في الدنيا والآخرة بوعد محقق لا شك في وقوعه {آياته} أي الرادة لكم عما أنتم فيه يوم يحل لي هذه البلدة الذي حرمها بما أشار إليه جعلي من المنذرين وغير ذلك ما يظهر من وقائعه ويشتهر من أيامه التي صرح أو لوح بها القرآن، فيأتيكم تأويله فترونه عياناً، وهو معنى {فتعرفونها} أي بتذكركم ما أتوعدكم الآن به وأصفه لكم منها، لا تشكون في شيء من ذلك أنه على ما وصفته ولا ترتابون، فتظهر لكم عظمة القرآن، وإبانة آيات الكتاب الذي هو الفرقان، وترون ذلك حق اليقين {ولتعلمن نبأه بعد حين} [ص: 88]، {يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق} [الأعراف: 53]، {هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون} [يس: 52].

ولما كان قد نفس لهم بالسين في الآجال، وكان التقدير تسلية له صلى الله عليه وسلم: وما ربك بتاركهم على هذا الحال من العناد لأن ربك قادر على ما يريد، عطف عليه قوله: {وما ربك} أي المحسن إليك بجميع ما أقامك فيه من هذه الأمور العظيمة والأحوال الجليلة الجسيمة {بغافل عما تعملون} أي من مخالفة أوامره، ومفارقة زواجره، ويجوز أن تكون الجملة حالاً من فاعل {يرى} أي ربكم غير غافل، ومن قرأ بالخطاب كان المعنى: عما تعمل انت وأتباعك من الطاعة. وهو من المعصية، فيجازي كلاًّ منكم بما يستحق فيعلي أمرك، ويشد إزرك، ويوهن أيدهم، ويضعف كيدهم، بما له من الحكمة، والعلم ونفوذ الكلمة، فلا يظن ظان أن تركه للمعالجة بعقابهم لغفلة عن شيء من أعمالهم، إنما ذلك لأنه حد لهم حداهم بالغوه لا محالة لأنه لا يبدل القول لديه، فقد رجع آخرها كما ترى بإبانة الكتاب وتفخيم القرآن وتقسيم الناس فيه إلى مهتد وضال إلى أولها، وعانق ختامها ابتداءها بحكمة منزلها، وعلم مجملها ومفصلها، إلى غير ذلك مما يظهر عند تدبرها وتأملها -والله الموفق للصواب، وإليه المرجع والمآب.

إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم لأبي السعود 982 هـ :

{وَقُلِ الحمد لِلَّهِ} أي علَى ما أفاضَ عليَّ من نعمائِه التي أجلُّها نعمةُ النُّبوةِ المستتبعةِ لفنونِ النِّعمِ الدِّينيةِ والدُّنيويةِ ووفَّقنِي لتحمل أعبائِها وتبليغِ أحكامِها إلى كافَّة الوَرَى بالآياتِ البينةِ والبراهينِ النيرةِ. وقولُه تعالى: {سَيُرِيكُمْ آياته} من جُملةِ الكلامِ المأمورِ به أي سيُريكم البتةَ في الدُّنيا آياتِه الباهرةَ التي نطقَ بها القرآنُ كخروجِ الدابةِ وسائرِ الأشراطِ...

{وَمَا رَبُّكَ بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ} كلامٌ مسوقٌ من جهتِه تعالى بطريقِ التَّذييلِ مقررٌ لما قبلَه متضمنٌ للوعدِ والوعيدِ كما يُنبئ عنه إضافةُ الربِّ إلى ضميرِ النبيِّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ وتخصيصُ الخطابِ أولاً به عليه الصَّلاة والسَّلام وتعميمُه ثانياً للكَفَرةِ تغليباً، أيْ وما ربُّك بغافلٍ عمَّا تعملُ أنتَ من الحسناتِ وما تعملونَ أنتُم أيُّها الكفرةُ من السيئاتِ فيُجازي كُلاًّ منكم بعملِه لا محالةَ. وقرئ عمَّا يعملُون على الغَيبةِ فهُو وعيدٌ محضٌ والمعنى: وما ربُّك بغافلٍ عن أعمالِهم فسيعذبُهم البتةَ فلا يحسبُوا أنَّ تأخيرَ عذابِهم لغفلتِه تعالى عن أعمالِهم الموجبةِ له والله تعالى أعلمُ.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

(سيريكم آياته فتعرفونها).. وصدق الله. ففي كل يوم يري عباده بعض آياته في الأنفس والآفاق. ويكشف لهم عن بعض أسرار هذا الكون الحافل بالأسرار (وما ربك بغافل عما تعملون).. وهكذا يلقي إليهم في الختام هذا الإيقاع الأخير، في هذا التعبير الملفوف. اللطيف. المخيف.. ثم يدعهم يعملون ما يعملون، وفي أنفسهم أثر الإيقاع العميق: (وما ربك بغافل عما تعملون).

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

كان ما أُمر الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يقوله للمعاندين مشتملاً على أن الله هداه للدين الحق من التوحيد وشرائع الإسلام وأن الله هدى به الناس بما أنزل الله عليه من القرآن المتلو، وأنه جعله في عداد الرسل المنذرين، فكان ذلك من أعظم النعم عليه في الدنيا وأبشرها بأعظم درجة في الآخرة من أجل ذلك أمر بأن يحمد الله بالكلمة التي حمد الله بها نفسه وهي كلمة {الحمد لله} الجامعة لمعان من المحامد تقدم بيانها في أول سورة الفاتحة. وقد تقدم الكلام على قوله {قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى} في هذه السورة (59). ثم استأنف بالاحتراس مما يتوهمه المعاندون حين يسمعون آيات التبرؤ من معرفة الغيب، وقصر مقام الرسالة على الدعوة إلى الحق من أن يكون في ذلك نقض للوعيد بالعذاب فختم الكلام بتحقيق أن الوعيد قريب لا محالة وأن الله لا يخلف وعده فتظهر لهم دلائل صدق الله في وعده. ولذلك عبر عن الوعيد بالآيات إشارة إلى أنهم سيحل بهم ما فيه تصديق لما أخبرهم به الرسول صلى الله عليه وسلم حين يوقنون أن ما كان يقول لهم هو الحق، فمعنى {فتعرفونها} تعرفون دلالتها على ما بلغكم الرسول من النذارة لأن المعرفة لما علقت بها بعنوان أنها آيات الله كان متعلق المعرفة هو ما في عنوان الآيات من معنى الدلالة والعلامة. والسين تؤذن بأنها إراءة قريبة، فالآيات حاصلة في الدنيا مثل الدخان، وانشقاق القمر، واستئصال صناديدهم يوم بدر، ومعرفتهم إياها تحصل عقب حصولها ولو في وقت النزع والغرغرة...

وفيه زيادة إنذار بأن أعمالهم تستوجب ما سيرونه من الآيات. والمراد: ما يعملونه في جانب تلقي دعوة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وقرآنه لأن نفي الغفلة عن الله مستعمل في التعريض بأنه منهم بالمرصاد لا يغادر لهم من عملهم شيئاً...

وقد جاءت خاتمة جامعة بالغة أقصى جد من بلاغة حسن الختام.

التيسير في أحاديث التفسير للمكي الناصري 1415 هـ :

وكما لقنه كتاب الله أن يحمد الله ويسلم على أصفيائه بعدما فرغ من قصص الأنبياء السابقين في هذه السورة إذ قال وهو يخاطبه: {قل الحمد لله وسلام على عباده الذي اصطفى} ها هو يوجه إليه نفس الخطاب في ختام نفس السورة، مؤكدا نفس المعنى، فيقول له: {وقل الحمد لله} ثم يتوجه إلى الناس جميعا، معلنا إليهم أنه سيأتي عليهم وقت تبهرهم فيه آيات الله، وتفرض نفسها عليهم، فلا يستطيعون لها ردا ولا إنكارا {سيريكم آياته فتعرفونها} وقد عرف الناس في هذا العصر غير ما آية من آياته، وستعرف العصور القادمة بقية الآيات، تحقيقا لوعد الله الذي لا يتخلف {وما ربك بغافل عما تعملون}.

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

والأمر الأخير في آخر آية من هذه السورة مُوجه للنبيّ أن يحمد الله على هذه النعم الكبرى، ولاسيما نعمة الهداية فيقول: (وقل الحمد لله) هذا الحمد أو الثناء يعود لنعمة القرآن، كما يعود للهداية أيضاً، ويمكن أن يكون مقدمة للجملة التالية (سيريكم آياته فتعرفونها). وهذا التعبير إشارة إلى أنّه مع مرور الزمان وتقدم العلم والمعرفة، سينكشف كل يوم بعض أسرار عالم الوجود، ويرفع ستار جديد عنها.. وستعرفون نعم الله وعظمة قدرته وعمق حكمته يوماً بعد يوم.. وإراءة الآيات هذه مستمرّة دائماً ولا تنقطع مدى عمر البشر...

وجملة (وما ربّك بغافل عمّا تعملون) الواردة بنفسها أو مع شيء من التفاوت اليسير في تسع آيات من القرآن جملة موجزة، وهي تهديد ذو معنى عميق، وإنذار لجميع الناس.