{ كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون( 216 ) يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل ولا يزالون يقاتلنكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون( 217 ) }
كتب عليكم القتال : فرض عليكم قتال الكفار .
كره : بمعنى مكروه كخبز بمعنى مخبوز ، أي مكروه طبعا لمشقته .
فإذا كان الإنفاق على اليتامى والمساكين وغيرهم حماية للمجتمع في داخله ، فإن القتال حماية له من أعدائه في الخارج ، ولذلك فرض عليكم أيها المسلمون القتال لحماية دينكم ، والدفاع عن أنفسكم ، وإن نفوسكم بحكم جبلتها تكره القتال كرها شديدا ، ولكن ربما كرهتم ما فيه خيركم وأحببتم ما فيه شركم ، والله يعلم ما غاب من مصالحكم عنكم ، وأنتم لا تعلمون ، فاستجيبوا لما فرض عليكم .
{ كتب عليكم القتال وهو كره لكم . . . }
فرض على المسلمين الجهاد وهو مكروه لهم ، وتلك الكراهة أمر جبلي لما فيه من القتل والأسر وإتعاب البدن ، وتلف المال ومفارقة الأهل والوطن والحيلولة بين المقاتل وبين طمأنينته ونومه وطعامه ، فهو مهما يكن أمره فيه ويلات وشدائد ومشقات تتلوها مشقات .
والإسلام يحسب حساب الفطرة ، فلا ينكر مشقة هذه الفريضة ولا يهون من أمرها ، ولكنه يعالج الأمر من جانب آخر بأن يقرر أن من الفرائض ما هو شاق ولكن وراءه حكمة تهون مشقته ، وتسهل صعوبته ، وتحقق به خيرا مخبوءا قد لا يراه النظر الإنساني القصير .
إن الإنسان لا يدري أين يكون الخير ؟ وأين يكون الشر ؟ لقد خرج المسلمون يوم بدر يطلبون عير قريش وجارتها ، وأراد الله أن تقه معركة حاسمة تدوي في الجزيرة العربية وترفع راية الإسلام .
وكل إنسان في تجاربه الخاصة يستطيع حين يتأمل ، أن يجد في حياته مكروهات كثيرة كان من ورائها الخير العميم ، ولذات كثيرة كان من ورائها الشر العظيم .
{ وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحب شيئا وهو شر لكم }
وعسى أن تكرهوا ما في الجهاد من مشقة ، وهو خير لكم في أنكم تغلبون وتظفرون وتغنمون وتؤجرون ، ومن مات كمنكم مات شهيدا ، وعسى أن تحبوا الدعة وترك القتال وهو شر لكم في أنكم تغلبون ويذهب أمركم .
قال الفخر الرازي : " معنى الآية : أنه ربما كان الشيء شاقا عليكم في الحال ، وهو سبب للمنافع الجليلة في المستقبل ، ولأجله حسن شرب الدواء المر في الحال لتوقع حصول الصحة في المستقبل . وترك الجهاد ، وإن كان يفيد أي بحسب ظنكم في لحال صون النفس عن خطر القتل ، وصون المال عن الإنفاق ، ولكن فيه أنواع من المضار منها : أن العدو إذا علم ميلكم إلى الدعة والسكون قصد بلادكم وحاول قتلكم والحاصل أن القتال في سبيل الله سبب لحصول الأمن من الأعداء في الدنيا ، وسبب لحصول الثواب العظيم للمجاهد في الآخرة " ( 158 ) .
رب أمر تتقيه *** جر أمرا ترتضيه
خفي الحبوب منه *** وبدا المكروه فيه
{ والله يعلم وانتم لا تعلمون }
أي والله يعلم ما هو خير لكم وما هو شر لكم في الواقع وأنتم لا تعلمون ذلك فبادروا إلى ما يأمركم ففيه الخير دائما .
والمقصود من هذه الجملة الحث على الجهاد ، وامتثال أوامر الله سواء عرفت حكمتها أم لم تعرف ، لأن العليم بالحكم والمصالح هو رب العالمين .
قوله تعالى : { كتب عليكم القتال } . أي فرض عليكم الجهاد ، واختلف العلماء في حكم هذه الآية فقال عطاء : الجهاد تطوع ، والمراد من الآية أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم دون غيرهم ، وإليه ذهب الثوري ، واحتج من ذهب إلى هذا بقوله تعالى : ( فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلاً وعد الله الحسنى ) ولو كان القاعد تاركاً فرضاً لم يكن بعده الحسنى ، وجرى بعضهم على ظاهر الآية ، وقال : الجهاد فرض على كافة المسلمين إلى قيام الساعة .
أخبرنا أبو سعيد أحمد بن إبراهيم الشريحي الخوارزمي أخبرنا أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي ، أخبرنا أبو عمرو أحمد بن أبي القرائي ، أخبرنا أبو الهيثم بن كليب أخبرنا أحمد بن حازم بن أبي غرزة ، أخبرنا سعيد بن عثمان العبدي عن عمر بن محمد بن المنكدر عن سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من مات ولم يغز ، ولم يحدث نفسه بالغزو ، مات على شعبة من النفاق " .
وقال قوم ، وعليه الجمهور : إن الجهاد فرض على الكفاية ، إذا قام به البعض سقط عن الباقين ، مثل صلاة الجنازة ، ورد السلام ، قال الزهري والأوزاعي : كتب الله الجهاد على الناس غزوا ، أو قعدوا ، فمن غزا فيها ونعمت ، ومن قعد فهو عدة ، إن استعين به أعان ، وإن استنفر نفر ، وإن استغني عنه قعد .
قوله تعالى : { وهو كره لكم } . أي شاق عليكم قال بعض أهل المعاني : هذا الكره من حيث نفور الطبع عنه لما فيه ، من مؤنة المال ومشقة النفس وخطر الروح ، لا أنهم كرهوا أمر الله تعالى ، وقال عكرمة : نسخها قوله تعالى : ( سمعنا وأطعنا ) يعني أنهم كرهوه ثم لبوه فقالوا ( سمعنا وأطعنا ) .
قوله تعالى : { وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم } . لأن في الغزو إحدى الحسنيين : إما الظفر والغنيمة ، وإما الشهادة والجنة
قوله تعالى : { وعسى أن تحبوا شيئاً } . يعني القعود عن الغزو .
قوله تعالى : { وهو شر لكم } . لما فيه من فوات الغنيمة والأجر .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.