{ يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون( 219 ) في الدنيا والآخرة ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح ولو شاء الله لأعنتكم إن الله عزيز حكيم( 220 ) }
الخمر : ما أسكر من عصير العنب ، ثم أصبح اسما لكل ما أسكر ، وسميت خمر لأنها تستر العقول ***
وتغطيه ، من خمر شيء إذا ستره وغطاه .
الميسر : القمار من اليسر وهو السهولة ، لأنه كسب بلا مشقة ولا كد .
الإثم : الذنب أو الشر أو الضرر .
العفو : الفضل والزيادة على الحاجة .
{ يسألونك عن الخمر والميسر . . . }
أي يسألونك عن حكم تناول الخمر ، أحلال أم حرام ، ومثل بيعها وشراؤها ونحو ذلك مما يدخل في التصرفات التي تخالف الشرع وعن حكم استعمال الميسر وفعله .
{ قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما . . . }
أي قل لهم : إن في تعاطي الخمر والميسر إثما لأن فيهما أضرارا كثيرة ومفاسد عظيمة ، وفيهما منافع للناس وضررهما أكبر من نفعهما .
أما ضرر الخمر من أي نوع اتخذت فقد أثبته الطب بما لا يدع مجالا للشك فيه ، فإن شرب الخمر يؤدي إلى التهاب الكبد وضعف المعدة وضعف مقاومة الجسم للأمراض وقد ثبت من بحوث عديدة بالمستشفيات العامة أن نسبة الوفيات بين المدمنين ترتفع على خمسين في المائة ، على حين لا تتجاوز نسبتها في غير المدمنين أربعا وعشرين في المائة( 126 ) .
وتأثيرها في العقول ملموس فقد تمت تجارب عديدة ثبت منها الغول( الكحول ) المتولد في الخمر سبب مباشر لخمس الإصابات في مستشفى الأمراض العقلية( 163 ) .
1 . الخمر مأخوذة من خمر إذا ستر ، ومنه خمار المرأة ، وكل شيء غطى شيئا فقد خمره ، ومنه :
" خمروا آنيتكم " فالخمر تخمر العقل أي تغطيه وتستره .
2 . سميت الخمر خمرا لأنها تركت حتى لأدركت كما يقال : قد اختمر العجين أيبلغ إدراكه ، وخمر الرأي أي ترك حتى يتبين فيه الوجه .
3 . سميت الخمر خمرا لأنها تخالط العقل من المخامرة وهي المخالطة ، ومنه قولهم دخلت في خمار الناس أي اختلطت بهم .
والمعاني الثلاثة متقاربة ، فالخمر تركت وخمرت حتى أدركت ثم خالطت العقل والأصل الستر( 164 ) .
أجمع جمهور العلماء على أن كلمة خمر تشمل كل شرب مسكر ، سواء كان من عصير العنب أم من الشعير أممن التمر أم من غير ذلك ، وكلها سواء في التحريم . قل المشروب منها أم كثر ، سكر شاربه أم لم يسكر ، ومن أدلتهم ما رواه الإمام مسلم عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " كل مسكر خمر ، وكل مسكر حرام ، ومن شرب الخمر في الدنيا ومات وهو يدمنها لم يتب منها ، لم يشربها في الآخرة " ( 165 ) .
ومن أدلتهم أيضا أصل الاشتقاق اللغوي لكلمة خمر ، فقد عرفنا أنها سميت بهذا الاسم لمخامرتها العقل وستره ، فكل ما خامر العقل من الأشربة وجب أن يطلق عليه لفظ خمر سواء أكان من العنب أم من غيره .
وقال أبوا حنيفة والثوري وابن أبى ليلي وابن شبرمة وجماعة من فقهاء الكوفة : " إن كلمة الخمر لا تطلق إلا عللا الشراب المسكر من عصير العنب فقط ، أما السكر من غيره كالشراب المتخذ من التمر أو الشعير فلا يسمى خمرا بل يسمى نبيذا ، وقد بنوا على هذا أن المحرم قليله وكثيره إنما هو الخمر من العنب .
أما الأنبذة فكثيرها حرام وقليلها حلال ، وإذا سكر منها احد دون أن يتعمد الوصول إلى حد السكر فلا حد عليه .
ورأى الحنيفة ومن وافقهم رأي ضعيف يرده النظر والخبر( 166 ) .
قال ابن العربي : وتعلق أبو حنيفة بأحاديث ليس لهم خطم ولا أزمة فلا يلتفت إليها ، والصحيح ما روى الأئمة أن أنسا قال : حمت الخمر يوم حرمت وما بالمدينة خمر الأعناب إلا قليل ، وعامة خمرها البسر والتمر . أخرجه البخاري واتفق الأئمة عن رواية " أن الصحابة إذ حرمت الخمر لم يكن عندهم يومئذ خمر عنب ، وإنما كانوا يشربون خمر النبيذ فكسروا دنانهم أي أواني الخمر وبادروا إلى الامتثال لاعتقادهم أن ذلك طله خمر " أي وأقرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك( 167 ) .
وقال الألوسي : " وعندي أن الحق الذي ينبغي العدول عنه أن الشراب المتخذ مما عدا العنب ، كيف كان وبأي اسم سمى ، متى كان بحيث يسكر من لم يتعوده حرام ، وقليله ككثيره ويحد شاربه ويقع طلاقه ونجاسته غليظة . وفي الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن النقيع وهو نبيذ العسل فقال : " كل شراب أسكر فهو حرام " ( 168 ) . والأحاديث متضافرة على ذلك ولعمر إن اجتماع الفسق في زماننا على شرب المسكرات مما عدا الخمر ورغبتهم فيها ، فوق اجتماعهم على شرب الخمر ورغبتهم فيه بكثير ، وقد وضعوا لها أسماء كالعنبرية والإكسير ونحوهما ظنا منهم أن هذه الأسماء تخرجها من الحرمة ، وتبيح شربها للأمة وهيهات هيهات فالأمر وراء ما يظنون ، وإنا لله وإنا إليه راجعون " ( 169 ) .
ادعى بعض المعاصرين أن القرآن لم ينص على تحريم الخمر ، بل قال " فاجتنبوه " وهو في نظرهم حث على الاجتناب وليس أمرا قاطعا يدل على تحريم الخمر .
ونقول لهؤلاء : إن الله عز وجل حرم الخمر تحريما قاطعا .
فذكر القرآن أنها رجس من عمل الشيطان ، وأمر باجتنابها ونهانا عن الاقتراب منها باستفهام تقريعي يدل على غاية التهديد قال سبحانه : { فهل أنتم منتهون ؟ }
وعندما سمع الصحابي الآيتين90-91 من سورة المائدة قالوا : انتهينا ، وأريقت الخمر في شوارع المدينة .
وقد جاءت الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى اتله عليه وسلم بروايات متعددة وأسانيد مختلفة تثبت حرمة الخمر وضررها .
قال صلى الله عليه وسلم : " لعن الله الخمر وشاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه " ( 170 ) .
" والأحاديث في تحريم الخمر أكثر من أن تحصى حتى قال العلماء : ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم تحريم الخمر بأخبار تبلغ بمجموعها رتبة التواتر ، وأجمعت الأمة من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا على تحريمها وبذلك استقرت الحرمة حكما للخمر في الإسلام وصارت حرمتها من المعلوم من الدين بالضرورة ، ومن لوازم ذلك أم من استحلها وأنكر حرمتها ، يكون خارجا عن الإسلام وأم من يتناولها طائعا مختارا يكون فاسقا عن أمر الله خارجا عن حدوده عاصيا لأحكامه( 171 ) .
من أحكام الإسلام في الخمر ما يأتي :
حرمة تناولها ، حرمة الانتفاع بذاتها ، حرمة إهدائها حرمة بيعها والانتقام بمثلها ، إهدار قيمتها ، وجوب العقوبة عليها إثبات مضارها الصحية والعقلية والمالية والنفسية .
الخمر مفتاح كل شر ، فلإنسان إذا سكر هذى إذا هذى افترى وتجرأ على المنكر القبيح " ثم إن الشارب يصير ضحكة للعقلاء فيلعب ببوله وعذرته ، وربما يمسح بهما وجهه ، حتى رأى بعضهم يمسح وجهه ببوله ويقول " اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين " .
بل إن الخمر دليل على الزنا ، ومن القولة المشهورة لأحد الفضلاء أيشرب هذا نساؤكم ؟ قالوا نعم . قال : زنين ورب الكعبة .
" والخمر والميسر يجران إلى الإثم والمخاصمة والمشاتمة وقول الفحش والزور وتعطيل الصلوات والتعوق عن ذكر الله " .
" روى النسائي عن عثمان رضي الله عنه قال : اجتنبوا الخمر فهي أم الخبائث ، إنه كان رجل ممن كان قبلكم تعبد فعلقته امرأة غوية ، فأرسلت إليه جاريتها ، فقالت له : إنا ندعوك للشهادة . فانطلق مع جاريتها فطفقت كلما دخل بابا أغلقته دونه ، حتى أفضى إلى امرأة وضيئة عندها غلام وباطية خمر ، فقالت : إني والله ما دعوتك للشهادة ، ولكن دعوتك لتقع علي أو تشرب من هذا الخمر كأسا ، أو تقتل هذا الغلام ، قال : فاسقيني من هذه الخمر كأسا فسقته ، قال : زيدوني ، فلم يبرح حتى وقع عليها ، وقتل النفس . فاجتنبوا الخمر فإنه والله لا يجتمع الإيمان وإدمان الخمر إلا ليوشك أن يخرج أحدهما صاحبه( 173 ) .
" وروى أن الأعشى لما توجه إلى المدينة ليسلم لقيه بعض المشركين في الطريق فقالوا له : أين تذهب ؟ فأخبرهم أنه يرد محمد صلى الله عليه وسلم فقالوا : لا تصل إليه فإنه يأمرك بالصلاة ، فقال : إن خدمة الرب واجبة ، فقالوا : إنه يأمرك بإعطاء المال إلى الفقراء ، فقال : اصطناع المعروف واجب ، فقيل له : إنه ينهى عن الزنى ، فقال : هو فحش وقبح في العقل ، وقد صرت شيخا فلا أحتاج إليه ، فقيل له : إنه ينهي عن شرب الخمر ، فقال : أما هذا فإني لا أصبر عليه . فرجع ، وقال : أشرب الخمر سنة ثم أرجه إليه ، فلم يصل إلى منزله حتى سقط عن البعير فانكسرت عنقه فمات( 174 ) .
" وكان قيس بن عاصم المنقري شرابا لها في الجاهلية ثم حرمها على نفسه وكان سبب ذلك أنه غمز عكنة( 175 ) ابنته وهو سكران ، وسب أبويه ورأى القمر فتكلم في شيء ، وأعطى الخمار كثيرا من ماله فلما أفاق أخبر بذلك فحرمها على نفسه ، وفيها يقول :
رأيت الخمر صالحة وفيها خصال تفسد الرجل الحليما
فلا والله أشربها صحيحا ولا أشفى بها أبدا سقيما
ولا أعطي بها ثمنا حياتي ولا أدعو لها أبدا نديما
فإن الخمر تفضح شاربيها وتجنبهم بها الأمر العضيما
وغير فؤادي للغواني رمية *** وغير بناني للزجاج ركاب
وللسر منى موضع لا يناله *** صديق ولا يطغى إليه شراب
وللخمود مني ساعة ثم بيننا *** فلاة على غير اللقاء تجاب
وما العشق إلا عزة وطماعة *** يعرض قلب نفسه فيصاب
تركنا لأطراف القنا كل شهوة *** فليس لنا إلا بهن لعاب
الميسر هو القمار بكسر القاف وهو في الأصل مصدر ميمي من يسر كالموعد من عد ، وهو مشتق من اليسر بمعنى السهولة ، لأن المال يجيء للكاسب من غير جهد ، أو هو مشتق من يسر بمعنى جزأ ثم أصبح علما على ما يتقامر عليه كالجزور ونحوه .
وقال القرطبي : " الميسر قمار العرب بالأزلام ، قال ابن عباس : كان الرجل في الجاهلية يخاطر الرجل على أهله وماله فأيهما قمر صاحبه بماله وأهله فنزلت الآية " ( 176 ) .
وصفة الميسر الذي كانت تستعمله العرب ، أنهم كانت لهم عشرة أقداح تسمى الأزلام والأقلام أيضا ( واحدها قدح وزلم وقلم وهي قطع من الخشب ) وأسماؤها الفذ والتؤم والرقيب والجلس والنافس والمسبل والمعلى والمنيح والسفح والرغد ، لكل واحد من السبعة الأولى نصيب معلوم من جزور ينحرونها ويجزئونها إما عشرة أجزاء أو ثمانية وعشرون جزءا ولا شيء للثلاثة الأخيرة .
فكانوا يعطون للفذ سهما ، وللتؤم سهمين ، وللرقيب ثلاثة ، وللجلس أربعة ، وللنافس خمسة ، وللمسبل ستة وللمعلى سبعة ومن ثم يضرب به المثل فيقال لذي الحظ الكبير من كل شيء( هو صاحب القدح المعلى ) .
ومجموع هذه الأنصباء 28 سهما كالآتي :
وكانوا يجعلون هذه الأزلام في الرعاية وهي الخريطة توضع على يد عدل يجلجلها ، ويدخل يده فيها ويخرج منها واحدا باسم رجل ثم واحد باسم رجل آخر وهكذا ، فمن خرج له قدح من ذوات الأنصباء أخذ النصيب الموسوم به ذلك القدح ، زمن خرج له القدح لا نصيب له لم يأخذ شيئا وغرم ثمن الجزور كله ، وكانوا تلك الأنصباء إلى الفقراء ولا يأكلون منها شيئا ، ويذمون من لم يدخل فيه ويسمونه البرم ( الوغد : اللئيم عديم المروءة ) .
واتفق العلماء على أن كل ذلك حرام كالقمار على النرد والشطرنج وغيرهما إلا ما أباح الشرع من الرهان في السباق والرماية ترغيبا فيهما للاستعداد للجهاد .
" ومن مضارات الميسر إفساد التربية بتعويد النفس على الكسل وانتظار الرزق من الطرق الوهمية ، وإضعاف القوى العقلية بترك الأعمال المفيدة من طرق الكسب الطبيعية ، وإهمال المقامرين للزراعة والصناعة والتجارة التي أركان العمران ، ومن أشهر مضرات القمار تخريب البيوت فجأة بالانتقال من الغنى إلى الفقر في ساعة واحدة ، فكم من عشيرة كبيرة نشأت في الغنى والعز وانحصرت ثروتها في رجل أضاعها عليها في ليلة واحدة ، فأصبحت غنية وأمست فقيرة لا قدرة لها على أن تعيش على ما تعودت عليه من السعة . ويشترك الميسر مع الخمر في أن متعاطيهما قلما يقدر على تركهما السلامة من أثرهما ، ، فللخمر تأثير في الأعصاب يدعو صاحبه إلى العودة إليها ، وأما الميسر فإن صاحبه كلما ربح طمع في المزيد ، وكلما خسر طمع في تعويض الخسارة ، ويضعف الإدراك حتى تعز مقاومة هذا الطمع الوهمي وهذا شر في هاتين الجريمتين " ( 177 ) .
إن من رحمة الله بهذه الأمة وإكرامه لها ، أنه لم يترك شيئا من أسباب الاضمحلال والفساد إلا حذرها منه ، وبين لها مضرته وسوء عاقبته ، كما أنه سبحانه تدرج في التشريع الإلهي وسلك سبيل اليسر والهداية إلى النفوس رحمة منه بعباده ، وتخفيفا عنهم قال تعالى :
{ يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم*والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما*يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا } . ( النساء : 26-28 ) .
{ ويسألونك عن ماذا ينفقون قل العفو }
المعنى ويسألونك ما الذي يتصدقون به من أموالهم في وجوه البر ، فقل لهم تصدقوا بما زاد عن حاجتكم ، وسهل عليكم إخراجه ، ولا يشق عليكم بذله .
المراد العفو ، ما بفضل عن الأهل ويزيد عن الحاجة ، إذ هذا القدر هو الذي يتيسر إخراجه ، ويسهل بذله ولا يتضرر صاحبه بالتبرع به .
وهذا الجزء من الآية مرتبط بما قبله ارتباطا وثيقا ، فهو في الإنفاق فيما يحل ، وما قبله في الإنفاق فيما يحرم ، وهو معطوف على : { يسألونك عن الخمر } . عطف القصة على القصة .
وفي نصوص الدين ما يحث على التعاون والتراحم ، وما يوجه إلى المنهاج الوسط في الإسلام ، فليس من الخير أن ينفق الإنسان ماله كله ثم يبقى عالة يسأل الناس ، وليس من الحكمة أن يمسك الإنسان ماله ويبخل به على كل خير أو بر . ومن سماحة الإسلام انه حث على الصدقة ورغب أن تكون من فائض مال الإنسان وفيما زاد عن حاجته وحاجة عياله وفيما استغنى عنه حتى تخرج الصدقة من يده سهلة سمحة ، لا تتطلع نفسه إليها ولا تطمع فيها .
أخرج الشيخان وغيرهما ، عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى : وابدأ بمن تعول " ( 178 ) .
وفي صحيح مسلم عن جابر " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل : ابدأ بنفسك فتصدق عليها ، فإن فضل شيء فلأهلك ، فإن فضل شيء عن أهلك فلذي قرابتك ، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا " ( 179 ) .
ويقول الإمام محمد عبده : " عن الأمة المؤلفة من مليون فرد إذا كانت تبذل من فضل مالها في مصالحها الهامة كإعداد القوة وتربية الناشئة ، تكون أعز وأقوى من أمة مؤلفة من مائة مليون فرد لا يبذلون شيئا في مثل ذلك ، لأن الواحد من الأمة الأولى يعد بأمة إذ هو يعتبر نفسه جزءا منها وهي كل له ، بينما الأمة الثانية لا تعد بواحدة لأن كل فرد من أفرادها يخذل الآخر . . وفي الحقيقة إن مثل هذا الجمع لا يسمى أمة ، لأن كل واحد من أفراده يعيش وحده وإن كان في جانبه أهل الأرض ، فهو لا يتصل بمن معه ليمدهم ويستمد منهم " ( 180 ) .
قوله تعالى : { يسألونك عن الخمر والميسر } . الآية ، نزلت في عمر بن الخطاب ، ومعاذ بن جبل ، ونفر من الأنصار أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا رسول الله أفتنا في الخمر أفتنا في الخمر والميسر ؟ فإنهما مذهبة للعقل ، مسلبة للمال . فأنزل الله هذه الآية . وجملة القول في تحريم الخمر على ما قال المفسرون ، أن الله تعالى أنزل في الخمر أربع آيات نزلت بمكة وهي : ( ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكراً ورزقاً ) فكان المسلمون يشربونها وهي لهم حلال يومئذ ، ثم نزلت في مسألة عمر ومعاذ بن جبل .
قوله تعالى : { يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير } . فلما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله قد تقدم في تحريم الخمر " فتركها قوم لقوله :
قوله تعالى : { إثم كبير } . وشربها قوم لقوله :
قوله تعالى : { ومنافع للناس } . إلى أن صنع عبد الرحمن بن عوف طعاماً فدعا ناساً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأتاهم بخمر فشربوا وسكروا ، وحضرت صلاة المغرب فقدموا بعضهم ليصلي بهم فقرأ : قل يا أيها الكافرون ، لا أعبد ما تعبدون ، هكذا إلى آخر السورة بحذف " لا " فأنزل الله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ) فحرم السكر في أوقات الصلاة ، فلما نزلت هذه الآية تركها قوم وقالوا : لا خير في شيء يحول بيننا وبين الصلاة ، وتركها قوم في أوقات الصلاة ، وشربوها في غير حين الصلاة ، حتى كان الرجل يشرب بعد صلاة العشاء فيصبح وقد زال عنه السكر ، ويشرب بعد صلاة الصبح فيصحو إذا جاء وقت الظهر ، واتخذ عتبان بن مالك صنيعاً ، ودعا رجالاً من المسلمين فيهم سعد بن أبي وقاص ، وكان قد شوى لهم رأس بعير ، فأكلوا منه وشربوا الخمر حتى أخذت منهم ، ثم إنهم افتخروا عند ذلك وانتسبوا وتناشدوا الأشعار ، فانشد سعد قصيدة فيها هجاء للأنصار وفخر لقومه ، فأخذ رجل من الأنصار لحي بعير فضرب به رأس سعد فشجه موضحه . فانطلق سعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وشكا إليه الأنصاري ، فقال عمر : اللهم بين لنا رأيك في الخمر بياناً شافياً ؟ ، فأنزل الله تعالى تحريم الخمر في سورة المائدة . إلى قوله ( فهل أنتم منتهون ) وذلك بعد غزوة الأحزاب بأيام ، فقال عمر رضي الله عنه . انتهينا يا رب .
قال أنس حرمت الخمر ولم يكن يومئذ للعرب عيش أعجب منها ، وما حرم عليهم شيئاً أشد من الخمر . وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال : لما نزلت الآية في سورة المائدة حرمت الخمر ، فخرجنا بالحباب إلى الطريق فمنا من كسر جبه ، ومنا غسله بالماء والطين ، ولعله غودرت أزقة المدينة بعد ذلك حيناً ، فلما مطرت استبان فيها لون الخمر ، وفاحت منها ريحها .
وعن أنس رضي الله عنه ، سميت الخمر خمرا لأنهم كانوا يدعونها في الدنان حتى تختمر وتتغير ، وعن ابن المسيب لأنها تركت حتى صفا لونها ، ورسب كدرها .
أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، أخبرنا محمد بن إسماعيل ، أخبرنا يعقوب بن إبراهيم ، أخبرنا ابن علية ، أخبرنا عبد العزيز بن صهيب قال : قال لي أنس بن مالك . ما كان لنا خمر غير فضيخكم ، وإني لقائم أسقي أبا طلحة وفلاناً وفلاناً إذ جاء رجل فقال : حرمت الخمر . فقالوا : أهرق هذه القلائل يا أنس ، قال : فما سألوا عنها ولا راجعوها بعد خبر الرجل .
واختلف الفقهاء في ماهية الخمر ، فقال قوم : هي عصير العنب أو الرطب الذي اشتد وغلا من غير عمل النار فيه ، واتفقت الأئمة على أن هذا الخمر نجس يحد شاربها ، ويفسق ويكفر مستحلها ، وذهب سفيان الثوري ، وأبو حنيفة وجماعة إلى أن التحريم لا يتعدى هذا ، ولا يحرم ما يتخذ من غيرهما كالمتخذ من الحنطة والشعير والذرة والعسل والفانيذ ، إلا أن يسكر منه فيحرم ، وقالوا إذا طبخ عصير العنب والرطب حتى ذهب نصفه فهو حلال ولكنه يكره ، وإن طبخ حتى ذهب ثلثاه قالوا : هو حلال مباح شربه إلا أن السكر منه حرام ، ويحتجون بما روي أن عمر بن الخطاب كتب إلى بعض عماله أن أرزق المسلمين من الطلاء ما ذهب ثلثاه وبقي ثلثه . ورأى أبو عبيدة ومعاذ شرب الطلاء على الثلث . وقال قوم : إذا طبخ العصير أدنى طبخ صار حلالاً ، وهو قول إسماعيل بن علية . وذهب أكثر أهل العلم إلى أن كل شراب أسكر كثيره فهو خمر ، وقليله حرام يحد شاربه . واحتجوا بما أخبرنا أبو الحسن السرخسي ، أخبرنا زاهر بن أحمد ، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي ، أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البتع فقال : " كل شراب أسكر فهو حرام " .
أخبرنا أبو عبد الله بن محمد بن الفضل الخرقي ، أنا أبو الحسن علي بن عبد الله الطيسفوني ، أنا عبد الله بن عمر الجوهري ، أخبرنا أحمد بن علي الكشميهني ، أنا علي بن حجر ، أنا إسماعيل بن جعفر عن داود بن بكر بن أبي الفرات عن محمد بن المنكدر ، عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ما أسكر كثيره فقليله حرام " .
أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر الجرجاني ، أنا عبد الغافر بن محمد الفارسي ، أنا محمد بن عيسى الجلودي ، أنا إبراهيم بن محمد بن أبي سفيان ، أنا مسلم بن الحجاج أنا أبو الربيع العتكي ، أخبرنا حماد بن زيد ، عن أيوب بن نافع عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كل مسكر حرام ومن شرب الخمر في الدنيا فمات وهو مدمنها ولم يتب لم يشربها في الآخرة " .
أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، أنا محمد ابن إسماعيل ، أنا أحمد بن أبي رجاء ، أنا يحيى عن أبي حيان ، عن الشعبي عن ابن عمر قال : خطب عمر على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أنه قد نزل تحريم الخمر ، وهي من خمسة أشياء : من العنب والتمر ، والحنطة والشعير والعسل ، والخمر ما خامر العقل .
وروى الشعبي عن النعمان بن بشير قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن من العنب خمراً ، وإن من التمر خمراً ، وإن من العسل خمراً ، وإن من البر خمراً وإن من الشعير خمراً " .
فثبت أن الخمر لا يختص بما يتخذ من العنب أو الرطب .
أخبرنا أبو الحسن السرخسي ، أنا زاهر بن أحمد ، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي ، أنا أبو مصعب عن مالك عن ابن شهاب عن السائب بن يزيد أنه أخبره أن عمر بن الخطاب خرج عليهم فقال : إني وجدت من فلان ريح خمر أو شراب ، وزعم أنه شرب الطلاء ، وأنا سائل عما شرب فإن كان يسكر جلدته ، فجلده عمر الحد تاماً .
وما روى عن عمر ، وأبي عبيدة ومعاذ في الطلاء فهو فيما طبخ حتى خرج عن أن يكون مسكراً .
سئل ابن عباس عن الباذق فقال : سبق حكم محمد الباذق ، فما أسكر فهو حرام .
قوله تعالى : { والميسر } . يعني القمار ، قال ابن عباس : كان الرجل في الجاهلية يخاطر الرجل على أهله وماله فأيهما قمر صاحبه ذهب بأهله وماله فأنزل الله تعالى هذه الآية ، والميسر : مفعل من قولهم يسر لي الشيء إذا وجب بيسر يسراً وميسراً ، ثم قيل للقمار ميسر ، وللمقامر ياسر ويسر ، وكان أصل الميسر في الجزور وذلك أن أهل الثروة من العرب كانوا يشترون جزوراً فينحرونها ، ويجزؤونها عشرة أجزاء ، ثم يسهمون عليها بعشرة قداح يقال لها الأزلام والأقلام السبعة ، منها أنصباء وهي : الفذ وله نصيب واحد ، والتوأم وله نصيبان ، والرقيب وله ثلاثة أسهم ، والحلس وله أربعة ، والنافس وله خمسة ، والمسبل وله ستة ، والمعلى وله سبعة ، وثلاثة منها : لا أنصباء لها وهي المنيح والسفيح والوغد ، ثم يجعلون القداح في خريطة تسمى الربابة ويضعونها على يدي رجل عدل عندهم يسمى المحيل والنفيض ، ثم يحيلها ويخرج قدحاً منها باسم رجل منهم ، فأيهم خرج سهمه أخذ نصيبه على قدر ما يخرج ، فإن خرج له واحد من الثلاثة التي لا أنصباء لها كان يأخذ شيئاً ، ويغرم ثمن الجزور كله . وقال بعضهم : كان لا يأخذ شيئاً ولا يغرم ، ويكون ذلك القدح لغواً ، ثم يدفعون ذلك الجزور إلى الفقراء ولا يأكلون منه شيئاً ، وكانوا يفتخرون بذلك ويذمون من لم يفعل ذلك ويسمونه البرم ، وهو أصل القمار الذي كانت تفعله العرب . والمراد من الآية أنواع القمار كلها ، قال طاووس وعطاء ومجاهد : كل شيء فيه قمار فهو من الميسر . حتى لعب الصبيان بالجوز والكعاب ، وروي عن علي رضي الله عنه في النرد والشطرنج أنهما من الميسر .
قوله تعالى : { قل فيهما إثم كبير } . وزر عظيم من المخاصمة والمشاتمة وقول الفحش ، قرأ حمزة والكسائي إثم كثير بالثاء المثلثة وقرأ الباقون بالباء فالإثم في الخمر والميسر ما ذكره الله في سورة المائدة . ( إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون ) .
قوله تعالى : { ومنافع للناس } . فمنفعة الخمر اللذة عند شربها والفرح ، واستمراء الطعام ، وما يصيبون من الربح بالتجارة فيها ، ومنفعة الميسر إصابة المال من غير كد ولا تعب ، وارتفاق الفقراء به . والإثم فيه أنه إذا ذهب ماله من غير عوض ساءه ذلك فعادى صاحبه فقصده بالسوء .
قوله تعالى : { وإثمهما أكبر من نفعهما } . قال الضحاك وغيره : إثمهما بعد التحريم أكبر من نفعهما قبل التحريم ، وقيل : إثمهما أكبر من نفعهما قبل التحريم وهو ما يحصل من العداوة والبغضاء .
قوله تعالى : { ويسألونك ماذا ينفقون } . وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حثهم على الصدقة فقالوا ماذا ننفق ؟ فقال :
قوله تعالى : { قل العفو } . قرأ أبو عمرو والحسن وقتادة وابن أبي إسحاق " العفو " بالرفع ، معناه : الذي ينفقون هو العفو . وقرأ الآخرون بالنصب ، على معنى ، قل : أنفقوا العفو . واختلفوا في معنى العفو ، فقال قتادة وعطاء والسدي : هو ما فضل عن الحاجة ، وكانت الصحابة يكتسبون المال ويمسكون قدر النفقة ، ويتصدقون بالفضل بحكم هذه الآية ، ثم نسخ بآية الزكاة . وقال مجاهد : معناه : التصدق عن ظهر غنى حتى لا يبقى كلاً على الناس .
أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي ، أنا أبو طاهر محمد بن محمد ابن مخمش الزيادي ، أنا أبو بكر محمد بن عمر بن حفص التاجر ، أنا إبراهيم ابن عبد الله بن عمر الكوفي ، أنا وكيع عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى واليد العليا خير من اليد السفلى ، وابدأ بمن تعول " .
وقال عمرو بن دينار : الوسط من غير إسراف ولا إقتار قال الله تعالى ( والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا ) وقال طاووس : ما يسر ، والعفو : اليسر من كل شيء ومنه قوله تعالى ( خذ العفو ) أي الميسور من أخلاق الناس . أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب ، أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال ، أنا أبو العباس الأصم ، أنا الربيع بن سليمان ، أخبرنا الشافعي أنا سفيان عن محمد بن عجلان عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله عندي دينار ؟ قال صلى الله عليه وسلم : أنفقه على نفسك قال : عندي آخر قال : أنفقه على ولدك قال : عندي آخر ؟ قال : أنفقه على أهلك قال : عندي آخر قال : أنفقه على خادمك ، قال : عندي آخر قال : أنت أعلم .
قوله تعالى : { كذلك يبين الله لكم الآيات } . قال الزجاج : إنما قال كذلك على الواحد وهو يخاطب جماعة ، لأن الجماعة معناها القبيل كأنه قال : كذلك أيها القبيل ، وقيل : هو خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم فإنه خطاب يشتمل على خطاب الأمة كقوله تعالى : ( يا أيها النبي إذا طلقتم النساء ) .