تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{۞إِنَّ ٱللَّهَ ٱشۡتَرَىٰ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَنفُسَهُمۡ وَأَمۡوَٰلَهُم بِأَنَّ لَهُمُ ٱلۡجَنَّةَۚ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيَقۡتُلُونَ وَيُقۡتَلُونَۖ وَعۡدًا عَلَيۡهِ حَقّٗا فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَٱلۡإِنجِيلِ وَٱلۡقُرۡءَانِۚ وَمَنۡ أَوۡفَىٰ بِعَهۡدِهِۦ مِنَ ٱللَّهِۚ فَٱسۡتَبۡشِرُواْ بِبَيۡعِكُمُ ٱلَّذِي بَايَعۡتُم بِهِۦۚ وَذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ} (111)

{ إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( 111 ) }

المفردات :

اشترى : استبدل .

ومن أوفى : لا أحد أعظم وفاء .

فاستبشروا : أي : فافرحوا غاية الفرح .

التفسير :

111 { إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ . . . } الآية .

سبب النزول :

قال القرطبي :

«نزلت هذه الآية في بيعة العقبة الثانية وهي بيعة العقبة الكبرى ، وفيها زاد الأنصار على سبعين ، واجتمعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم : عند العقبة ؛ فقال عبد الله بن رواحة : اشترط يا رسول الله لربك ولنفسك ما شئت ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا ، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم ) قالوا : فإذا فعلنا ذلك فما لنا . . . ؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( الجنة ) قالوا : ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل ! 143 فنزلت هذه الآية ثم هي عامة في كل مجاهد في سبيل الله من أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة » ا ه .

والمعنى : إن الله اشترى من المؤمنين الأنفس والأموال بثمن هو الجنة ، أي : مثل الله إثابتهم بالجنة ؛ على بذل أنفسهم وأموالهم في سبيله بصفة الشراء .

قال أبو السعود :

«الآية الكريمة ترغيب للمؤمنين في الجهاد ، وقد بولغ في ذلك على وجه لا مزيد عليه ، حيث عبر عن قبول الله تعالى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم التي بذلوها في سبيله ، وإثابته إياهم بمقابلتها بالجنة : بالشراء على طريقة الاستعارة التبعية ، ثم جعل المبيع الذي هو العمدة والمقصد في العقد ، أنفس المؤمنين وأموالهم ، والثمن الذي هو الوسيلة في الصفقة : الجنة » ا ه .

وفي الآية حث وتحريض على الجهاد في سبيل الله ، وبذل النفس والمال دفاعا عن الإسلام وأهله ، وقد وردت آيات كثيرة في الحث على الجهاد والتحريض عليه ، وبيان فضله وثوابه ، وبيان فضل الشهداء عند ربهم ، وتعددت طرق الحث والتحريض على الجهاد ، وقد أكد الله ثواب المجاهدين بمؤكدات عدة ؛ ذلك أن الله سبحانه هو الخالق وهو الرزاق ، فهو الذي خلق الأنفس وأعطى الأموال ، ثم رغب في بذل هذه الأموال على أحسن وجه ، وأبلغه ؛ لأنه أبرزه في صورة عقد عقده رب العزة ، وثمنه مالا عين رأت ، ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر .

«وأكد الله منحه الثواب والجنة بمؤكدات عشرة هي : كون المشتري هو الله ، وإيصال الثواب بالبيع والشراء ، وذلك حق مؤكد ، وقوله : { وعدا عليه حقا } ، ووعد الله حق ، وإثابته في الكتب الكبرى : التوراة ، والإنجيل ، والقرآن ، وهذا يتضمن إشهاد جميع الكتب ، وجميع الرسل والأنبياء ، على هذه المبايعة » .

وقوله : { ومن أوفى بعهده من الله } . وهو غاية في التأكيد .

وقوله : { فاستبشروا ببيعكم } . وهو أيضا مبالغة في التأكيد ، وقوله : { وذلك هو الفوز } . وقوله : { العظيم } . 144

من تفسير الشوكاني في فتح القدير :

{ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم } .

لما شرح الله تعالى فضائح المنافقين ، بين هنا فضيلة الجهاد ، فهؤلاء المجاهدين باعوا أنفسهم من الله بالجنة ، فجادوا بأنفسهم ، وجادوا بالأموال في الجهاد ، وجاد الله عليهم بالجنة .

{ يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون } .

يقدمون على قتل الكفار في الحرب ، ويبذلون أنفسهم في ذلك ، فإن فعلوا ؛ فقد استحقوا الجنة ، وإن لم يقع القتل عليهم ، بعد التعرض للموت بالإقدام على الكفار .

{ وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن } .

إخبار من الله سبحانه أن استحقاق المجاهدين الجنة ، قد ثبت الوعد به من الله في كتبه المنزلة : التوراة ، الإنجيل ، كما وقع في القرآن .

{ ومن أوفى بعهده من الله } . لا أحد ، وهو صادق الوعد ، لا يخلف الميعاد .

{ فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به } . أظهروا السرور بهذا البيع ؛ فقد ربحتم فيه ربحا عظيما لم يربحه أحد من الناس إلا من فعل مثل فعلكم . 145

{ وذلك هو الفوز العظيم } . ففيه ظفر المجاهد بالنعيم المقيم ، ورضوان الله رب العالمين ؛ ولا فوز أعظم من ذلك .

قال الحسن البصري : أنفس هو خالقها ، وأموال هو رازقها ؛ ثم يكافئنا عليها متى بذلناها في سبيله بالجنة .

*

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{۞إِنَّ ٱللَّهَ ٱشۡتَرَىٰ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَنفُسَهُمۡ وَأَمۡوَٰلَهُم بِأَنَّ لَهُمُ ٱلۡجَنَّةَۚ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيَقۡتُلُونَ وَيُقۡتَلُونَۖ وَعۡدًا عَلَيۡهِ حَقّٗا فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَٱلۡإِنجِيلِ وَٱلۡقُرۡءَانِۚ وَمَنۡ أَوۡفَىٰ بِعَهۡدِهِۦ مِنَ ٱللَّهِۚ فَٱسۡتَبۡشِرُواْ بِبَيۡعِكُمُ ٱلَّذِي بَايَعۡتُم بِهِۦۚ وَذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ} (111)

قوله تعالى : { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم } الآية . قال محمد بن كعب القرظي : " لما بايعت الأنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة بمكة وهم سبعون نفساً ، قال عبد الله بن رواحة : يا رسول الله اشترط لربك ولنفسك ما شئت . فقال : أشترط لربي عز وجل : أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا ، وأشترط لنفسي ، أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم . قالوا : فإذا فعلنا ذلك فما لنا ؟ قال :الجنة ، قالوا : ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل فنزلت : { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة } . وقرأ الأعمش : { بالجنة } . { يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون } ، قرأ حمزة والكسائي : " فيقتلون " بتقديم المفعول على الفاعل بمعنى يقتل بعضهم بعضا ، ويقتل الباقون . وقرأ الآخرون بتقديم الفاعل . { وعدا عليه حقا } أي : ثواب الجنة لهم وعد وحق { في التوراة والإنجيل والقرآن } ، يعني أن الله عز وجل وعدهم هذا الوعد ، وبينه في هذه الكتب . وقيل فيه دليل على أن أهل الملل كلهم أمروا بالجهاد على ثواب الجنة ، ثم هنأهم فقال : { ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا } ، فافرحوا { ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم } ، قال عمر رضي الله عنه : إن الله عز وجل بايعك وجعل الصفقتين لك . وقال قتادة ثامنهم الله عز وجل فأغلى لهم . وقال الحسن : اسمعوا إلى بيعة ربيحة بايع الله بها كل مؤمن . وعنه أنه قال : إن الله أعطاك الدنيا فاشتر الجنة ببعضها .