22 - لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ .
لفسدتا : خرجتا عن نظامهما وخربتا .
فسبحان الله : تنزيها له عما وصفوه به .
إننا نلاحظ اتساق السماء واتساعها ونظامها ، وإحكام خلقها ، بلا خلل ولا تشقق ولا عيوب ، ونشاهد امتداد الأرض واتساعها وتماسكها وإحكام خلقها ، وتثبيتها بالجبال ، ولو كان في الكون آلهة متعددة ؛ لكثر بينهما التغالب والتنازع وأدى ذلك إلى فساد الكون . واضطرابه ، والشاهد أمامنا نظام الكون وإبداعه ، فدل ذلك على أن خالقه إله واحد ، وأن خالقه هو الله وحده لا شريك له ، فلا يقدر على هذا الخلق البديع إلا الله ، والمنطق يقول ذلك ، والعقل يقول ذلك . فنظام الكون واحد . وهذا الكون يسير على نسق واحد ، في خلقه واستمراره ونهايته وإعادته ، وهذا النسق الواحد ، يشير إلى أن وراءه يدا واحدة ، هي يد القدرة الإلهية ، وقد تعددت آيات القرآن التي تشير إلى خلق الله للكون ، وبأن الكون البديع له ناموس بديع واحد ، يشير إلى خالق واحد مثل قوله تعالى : الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور . . . ( الأنعام : 1 ) .
وقوله عز شأنه : مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ . ( المؤمنون : 91 ) .
وقال تعالى : وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الأََعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ .
لو كان في السماوات والأرض آلهة غير الله لفسدتا ، لكنهما لم تفسدا ، بل هما على غاية النظام والإبداع ؛ فدل ذلك على أن خالقهما الإله الواحد سبحانه وتعالى .
فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ .
أي : فتنزيها لله رب العرش العظيم ، الخالق المبدع ، المحيط بهذا الكون ، المدبر لهذا العالم ، عما يقول هؤلاء المشركون من أن له ولدا أو شريكا .
ولما كان الجواب قطعاً : لم يتخذوا آلهة بهذا الوصف ، ولا شيء غيره سبحانه يستحق وصف الإلهية ، أقام البرهان القطعي على صحة نفي إله غيره ببرهان التمانع ، وهو أشد برهان لأهل الكلام فقال : { لو كان فيهما } أي في{[50645]} السماوات والأرض ، أي في تدبيرهما .
{[50646]}ولما كان الأصل فيما بعد كل من " إلا " و " غير " أن يكون من جنس ما قبلهما وإن كان مغايراً له في العين ، صح وضع كل منهما موضع الآخر ، واختير هنا التعبير بأداة الاستثناء والمعنى للصفة إذ هي تابعة لجميع منكور غير محصور الإفادة إثبات الإلهية له سبحانه مع النفي عما عداه ، لأن { لولا } - لما فيها من الامتناع - مفيدة للنفي ، فالكلام في قوة أن يقال " ما فيهما{[50647]} " { ءالهة إلا الله } أي مدبرون غير من تفرد بصفات الكمال{[50648]} ، ولو{[50649]} كان فيهما آلهة غيره { لفسدتا } لقضاء العادة بالخلاف بين المتكافئين المؤدي إلى ذلك ، ولقضاء العقل بإمكان الاختلاف اللازم منه إمكان التمانع اللازم منه إمكان عجز أحدهما اللازم منه{[50650]} أن لا يكون إلهاً لحاجته ، وإذا انتفى الجمع ، انتفى الاثنان من باب الأولى ، لأن الجمع كلما زاد حارب بعضهم بعضاً فقل الفساد كما نشاهد{[50651]} .
{[50652]}ولما أفاد هذا الدليل أنه لا يجوز أن يكون المدبر لها إلا واحداً ، وأن ذلك الواحد لا يكون إلا الله قال{[50653]} : { فسبحان الله } أي فتسبب عن ذلك تنزه المتصف{[50654]} بصفات الكمال { رب العرش } أي{[50655]} {[50656]}الذي هو نهاية المعلومات من الأجسام{[50657]} ، ورب ما دونه من السماوات والأراضي وما فيهما{[50658]} المتفرد بالتدبير ، كما يتفرد الملك الجالس على السرير { عما يصفون* } مما{[50659]} يوهم نقصاً ما ، ثم علل ذلك بقوله : { لا يسأل } . .
قوله : ( لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ) الضمير عائد على السماء والأرض . وهما كناية عن العالم كله . و ( إلا الله ) يعني غير الله .
والمعنى : لو كان يتولى تدبير أمور الكون آلهة شتى غير الله الواحد الذي فطرهما ( لفسدتا ) أي لأتى عليهما الخراب وساء تدبيرهما وحالهما ؛ لما يحدث بين الآلهة المتعددة من التناكر والتنافر والاختلاف . لكن السموات والأرض وما فيهن وما بينهن يطّرد فيهن النظام والتماسك والتكامل وقوة البناء ، فضلا عما تقوم عليه السماوات والأرض من روعة الناموس الكوني المفطور ، والقوانين الذاتية الراسخة التي تسير عليها عجلة الحياة في أرجاء الوجود . كل ذلك يدل على عظمة الخالق القادر ، وأنه واحد لا شريك له ( فسبحان الله رب العرش عما يصفون ) وصف نفسه برب العرش لكون هذا خلقا هائلا يفوق في اتساعه وعظمته سائر المخلوقات في هذا الكون . فلئن كان هذا العرض هائلا ومتسعا وعجيبا وهو مخلوق فلا جرم أن الله الخالق أعظم من كل عظيم .
وقد نزّه الله نفسه ( عما يصفون ) أي عما يفترون على الله من الولد والزوجة .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.