تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَقَالَ مُوسَىٰ رَبَّنَآ إِنَّكَ ءَاتَيۡتَ فِرۡعَوۡنَ وَمَلَأَهُۥ زِينَةٗ وَأَمۡوَٰلٗا فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَۖ رَبَّنَا ٱطۡمِسۡ عَلَىٰٓ أَمۡوَٰلِهِمۡ وَٱشۡدُدۡ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ فَلَا يُؤۡمِنُواْ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلۡعَذَابَ ٱلۡأَلِيمَ} (88)

المفردات :

اطمس على أموالهم : الطمس في اللغة : المحق والمحو ، أي : أهلكها واجعلها غير للانتفاع بها .

واشدد على قلوبهم : أي : اختم عليها واجعلها قاسية لا تنشرح للإيمان ؛ لاختيارهم الكفر وإصرارهم عليه .

التفسير :

88 { وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ } .

الزينة : اسم لكل ما يتزين به من ملبوس ، ومركوب ، وحلية ، وفراش ، وسلاح ، وغير ذلك .

كان موسى يعد بني إسرائيل للخروج من مصر ؛ لذلك اتخذ لهم بيوتا خاصة بهم ، وحثهم على كثرة العبادة والصلاة ، وبشرهم بالنصر ، ثم شاهد موسى ما يتمتع به فرعون وقومه من المال والزينة ، والزراعة والترف ، والتنعم بصنوف الأموال والمتع ، ولكنهم لا يشكرون الله على نعمائه ، ولا يؤدون حق الله فيما رزقهم ، بل استغلوا هذه النعم في الضلال والإضلال ؛ فجحدوا الدين ، ورفضوا الإيمان بموسى ، وعذبوا المؤمنين وفتنوهم ؛ فدعا موسى ربه أن يختبرهم بصنوف العذاب ، ومنها : محق الأموال ، وطمس القلوب ، وعدم تفتحها للحق حتى يفاجئها الموت .

قال الإمام الشوكاني في فتح القدير :

{ ربنا ليضلوا عن سبيلك } .

أي : فكانت عاقبة أمرهم أن استعملوا نعمك في صرف الناس عن دينك ؛ دين الحق .

{ ربنا اطمس على أموالهم } . دعاء عليهم بأن يمحق الله أموالهم ويهلكها .

{ واشدد على قلوبهم } . أي : اجعلها قاسية مطبوعة لا تقبل الحق ، ولا تنشرح للإيمان .

{ فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم } .

أي : لا يحصل منهم الإيمان إلا مع المعاينة لما يعذبهم الله به ، وعند ذلك لا ينفع إيمانهم . ا ه .

ونلاحظ أن موسى قدم بين يدي دعائه ، على فرعون وقومه : ذكر طغيانهم ؛ ليكون أرجى لاستجابة الله ، وتشهيرا بهؤلاء الذين لم يقدروا نعم الله حق قدرها ، وكرر النداء ربنا ؛ مبالغة في الضراعة إليه تعالى .

قال الإمام ابن كثير : وهذه الدعوة كانت من موسى عليه السلام ؛ غضبا لله تعالى ، ولدينه ؛ على فرعون وملئه ، كما دعا نوح على قومه .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَقَالَ مُوسَىٰ رَبَّنَآ إِنَّكَ ءَاتَيۡتَ فِرۡعَوۡنَ وَمَلَأَهُۥ زِينَةٗ وَأَمۡوَٰلٗا فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَۖ رَبَّنَا ٱطۡمِسۡ عَلَىٰٓ أَمۡوَٰلِهِمۡ وَٱشۡدُدۡ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ فَلَا يُؤۡمِنُواْ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلۡعَذَابَ ٱلۡأَلِيمَ} (88)

ولما ختم ببشارة من دل على إيمانهم إسلامهم بفعل ما يدل على هوان أمر العدو ، وكان هلاك المشانىء من أعظم البشائر ، وكان ضلال فرعون وقومه بالزينة والمال إضلالاً لغيرهم{[38360]} ، سأل موسى عليه السلام إزالة ذلك كله للراحة من شره ، فقال تعالى حاكياً عنه : { وقال موسى } أي بعد طول دعائه لفرعون وإظهار المعجزات لديه وطول تكبره على أمر الله وتجبره على المستضعفين من عباده ، ولما كان من أعظم أهل الاصطفاء ، أسقط الأداة تسنناً بهم ، وأشار بصفة{[38361]} الإحسان إلى أن هلاك أعدائهم أعظم إحسان إليهم فقال : { ربنا } أي{[38362]} أيها المحسن إلينا { إنك } أكد{[38363]} لما للجهال من إنكار أن يكون عطاء الملك الأعظم سبباً للإهانة { آتيت فرعون وملأه } أي أشراف قومه على ما هم فيه من الكفر والكبر { زينة } أي عظيمة يتزينون بها من الحلية واللباس وغيرهما { وأموالاً } أي كثيرة من الذهب والفضة وغيرهما { في الحياة الدنيا } روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان لهم من فسطاط مصر إلى أرض الحبشة جبال فيها معادن من ذهب وفضة وزبرجد وياقوت ؛ ثم بين غايتها لهم{[38364]} فقال مفتتحاً بالنداء باسم الرب ليعيذه وأتباعه من مثل حالهم : { ربنا } أي أيها الموجد لنا المحسن إلينا والمدبر لأمورنا { ليضلوا } في أنفسهم ويضلوا غيرهم { عن سبيلك } أي الطريق الواسعة التي نهجتها للوصول إلى رحمتك .

ولما بين أن مآلهم الضلال ، دعا عليهم فقال مفتتحاً أيضاً بالنداء باسم الرب ثالثاً لأن ذلك من أمارات الإجابة كما أُشير إليه في آخر آل عمران وإشارة إلى أنهم{[38365]} لا صلاح لهم بدون هلاكهم وهلاكها : { ربنا اطمس } أي أوقع الطمس وهو التسوية بين المطموس وبين غيره مما ليس له نفعه { على أموالهم } .

ولما كان قد رأى منهم من التكبر على الله والتكذيب لآياته والتعذيب لأوليائه ما لا يشفي غيظه منه إلا إدامة{[38366]} شقائهم دنيا وأخرى ، وكان عالماً بأن قدرة الله{[38367]} على إبقائهم{[38368]} على الكفر مع{[38369]} تحسيرهم بسلب{[38370]} المال كقدرته على ذلك باستدراجهم إليه بالمال ، قال : { واشدد } أي شداً ظاهراً لكل أحد - بما أشار إليه الفك مستعلياً { على قلوبهم } قال ابن عباس : اطبع عليها وامنعها من الإيمان ، وأجاب الدعاء بقوله : { فلا يؤمنوا } أي ليتسبب عن ذلك الشد عدم إيمانهم إذا رأوا مبادىء العذاب بالطمس { حتى يروا } أي بأعينهم { العذاب الأليم* } حيث لا ينفعهم الإيمان فيكونوا جامعين ذل النفوس المطلوب منهم اليوم ليفيدهم العز الدائم إلى شدة الغضب بوضع الشيء في غير موضعه المنتج{[38371]} لدوام ذلهم بالعقاب ؛ وهذه الآية منبهة على أن الرضى بكفر خاص لا يستلزم استحسان الكفر من حيث هو كفر ؛ قال الإمام الحليمي{[38372]} في كتاب شعب الإيمان المسمى بالمنهاج : وإذا تمنى مسلم كفر مسلم فهذا على وجهين : أحدهما أن يتمناه له كما يتمنى الصديق لصديقه الشيء يستحسنه فيحب أن يكون له فيه نصيب ، فهذا كفر لأن استحسان الكفر كفر ، والآخر أن يتمناه له كما يتمنى لعدوه الشيء يستفظعه -{[38373]} فيجب أن يقع فيه ، فهذا ليس بكفر ، تمنى{[38374]} موسى صلوات الله عليه وسلامه بعد أن أجهده فرعون ألا يؤمن فرعون وملأه ليحق عليهم العذاب ، وزاد على ذلك أن دعا الله تبارك وتعالى فلم ينكر تعالى ذلك عليه لعلمه أن شدته على فرعون وغلظته عليه لما رآه من عتوه وتجبره هي التي حملته على ذلك ، فمن كان في معناه فله حكمه ؛ وقد نقل ذلك عنه الزركشي{[38375]} في حرف الثاء{[38376]} من قواعده مرتضياً له ، ونقل عنه أيضاً أنه قال : ولو كان في قلب مسلم على كافر فأسلم فحزن المسلم لذلك وتمنى لو عاد إلى الكفر لا يكفر ، لأن استقباحه الكفر{[38377]} هو الذي حمله على تمنيه واستحسانه الإسلام{[38378]} هو الحامل لله على كراهته ؛ ونقل عن الشيخ عز الدين بن عبد السلام أنه لو{[38379]} قتل عدو للإنسان ظلماً ففرح هل يأثم ‍‍ ! إن فرح بكونه{[38380]} عصى الله فيه فنعم ، وإن فرح بكونه خلص من شره فلا بأس لاختلاف سببي الفرح - انتهى .

ويؤيده ما روى البيهقي في دلائل النبوة بسنده عن مقسم مرسلاً أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا على عتبة بن أبي وقاص يوم أحد حين كسر رباعيته ودمي وجهه فقال : " اللهم لا تحل عليه الحول حتى يموت كافراً‍‍‍ ! " فما حال عليه الحول حتى مات كافراً إلى النار ، ومسألة أن الرضى بالكفر كفر نقلها الشيخان عن المتولي وسكتا عليها ، و{[38381]} لكن قال الشيخ محيي الدين في شرح المهذب : إن ذلك إفراط ، فما تقدم من التفصيل عن الحليمي وابن عبد السلام هو المعتمد ، والمسألة في أصل الروضة . فإنه قال : لو قال لمسلم : سلبه الله الإيمان ، أو لكافر : رزقه الله الإيمان ، فليس بكفر لأنه ليس رضى بالكفر{[38382]} لكنه دعاء عليه بتشديد الأمر والعقوبة ؛ قلت : ذكر القاضي حسين في الفتاوى وجهاً ضعيفاً أنه لو قال لمسلم : سلبه الله الإيمان ، كفر - والله أعلم ، وحكى الوجهين عن القاضي في الأذكار وقال : إن الدعاء بذلك معصية .


[38360]:من ظ، وفي الأصل: لغيره.
[38361]:في ظ: بصيغة.
[38362]:زيد من ظ.
[38363]:سقط من ظ.
[38364]:من ظ، وفي الأصل: لكم.
[38365]:في ظ: أنه.
[38366]:في ظ: إمامة.
[38367]:سقط من ظ.
[38368]:في ظ: بقائهم.
[38369]:زيد من ظ.
[38370]:من ظ، وفي الأصل: بسبب.
[38371]:من ظ، وفي الأصل: المبيح.
[38372]:هو أبو عبد الله الحسين بن الحسن الشافعي.
[38373]:من ظ، وفي الأصل: يستعطفه.
[38374]:في ظ: تتمنى.
[38375]:هو بدر الدين محمد بن عبد الله.
[38376]:في ظ: التاء.
[38377]:سقط من ظ.
[38378]:في ظ: الاستسلام.
[38379]:سقط من ظ.
[38380]:في ظ: بكون.
[38381]:سقط من ظ.
[38382]:زيد من ظ.