تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{أَمۡ تُرِيدُونَ أَن تَسۡـَٔلُواْ رَسُولَكُمۡ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبۡلُۗ وَمَن يَتَبَدَّلِ ٱلۡكُفۡرَ بِٱلۡإِيمَٰنِ فَقَدۡ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ} (108)

106

108- أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل . نهى القرآن عن سؤال النبي صلى الله عليه وسلم على وجه التعنت والاقتراح كما سألت بنو إسرائيل موسى عليه السلام تعنتا وتكذيبا وعنادا . قال تعالى :

يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم . [ النساء : 153 ]

وقد اختلف المفسرون في سبب نزول الآية . . أم تريدون أن تسألوا رسولكم . والراجح أنها نزلت في شأن اليهود حين قالوا يا محمد ائتنا بكتاب من السماء جملة ، كما أتى موسى بالتوراة جملة .

واختار هذا الإمام الرازي وقال : إنه الأصح لأن الحديث من أول قوله تعالى : يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي ، ( البقرة : 40 ) إلى حكايته عن اليهود ومحاجته معهم ، ولأنه جرى ذكرهم قبل ذلك دون غيرهم .

وقيل إنها تنزلت في المؤمنين توصية لهم بالثقة بالرسول صلى الله عليه وسلم وترك الاقتراح عليه ، وقد ذهب إلى هذا الرأي ابن كثير في تفسيره .

ويكون معنى الآية :

لا يصلح لكم أيها المؤمنون أن تقترحوا على رسولكم مقترحات تتنافى مع الإيمان الحق كأن تسألوه أسئلة لا خير من ورائها لأنكم لو فعلتم ذلك لصرتم كبني إسرائيل الذين طلبوا من نبيهم موسى عليه السلام بعد أن جاءهم بالبينات مطالب تدل على تعنتهم وجهلهم ، فقالوا : أرنا الله جهرة . ( النساء : 153 ) وقالوا اجعل لنا إلها كما لهم آلهة . ( الأعراف : 138 ) ، ولو صرتم مثلهم لكنتم ممن يختار الكفر على الإيمان ولخرجتم على الصراط المستقيم الذي يدعوكم إليه نبيكم صلى الله عليه وسلم .

فلاستفهام في الآية الكريمة للإنكار وفي أسلوبها مبالغة في التحذير من الوقوع فيما وقع فيه اليهود من تعنت مع رسولهم ، إذ جعل محط الإنكار إرادتهم السؤال . وفي النهي عن إرادة الشيء نهي عن فعله بأبلغ عبارة .

قال ابن كثير :

نهى الله تعالى في هذه الآية الكريمة عن كثرة سؤال النبي صلى الله عليه وسلم عن الأشياء قبل حدوثها كما قال تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسئكم وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم .

أي وإن تسألوا عن تفصيلها بعد نزولها تبين لكم ، ولا تسألوا عن الشيء قبل وقوعه ، فلعله أن يحرم من أجل تلك المسألة ، ولهذا جاء في الصحيح : «إن أعظم المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته » ( 267 ) .

وثبت في الصحيحين من حديث المغيرة بن شعبة «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كان ينهى عن قيل وقال ، وإضاعة المال ، وكثرة السؤال » ( 268 ) .

وفي الصحيح مسلم : «ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه » ( 269 ) .

وروى البزار عن ابن عباس قال : ما رأيت قوما خيرا من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ما سألوه إل عن اثنتي عشرة مسألة ، كلها في القرآن : يسألونك عن الخمر والميسر ، ويسألونك عن الشهر الحرام ، ويسألونك عن اليتامى . يعنى هذا وأشباهه( 270 ) .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{أَمۡ تُرِيدُونَ أَن تَسۡـَٔلُواْ رَسُولَكُمۡ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبۡلُۗ وَمَن يَتَبَدَّلِ ٱلۡكُفۡرَ بِٱلۡإِيمَٰنِ فَقَدۡ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ} (108)

ولما كان{[4344]} رسخ {[4345]}ما ذكره سبحانه من تمام قدرته وعظيم مملكته وما أظهر لذاته المقدس من العظم بتكرير اسمه العلَم {[4346]}وإثبات أن ما سواه عدم{[4347]} فتأهلت القلوب للوعظ صدعها{[4348]} بالتأديب بالإنكار الشديد فقال : { أم } أي أتريدون أن تردوا أمر خالقكم في النسخ أم { تريدون أن } تتخذوا من دونه إلهاً لا يقدر على شيء بأن { تسألوا رسولكم } أن يجعل لكم إلهاً غيره { كما سئل موسى } ذلك . {[4349]}ولما كان سؤالهم ذلك في زمن يسير أثبت{[4350]} الجار فقال : { من قبل } أي قبل هذا الزمان إذ قال قومه بعد ما رأوا من الآيات وقد مرّوا بقوم يعكفون على أصنام لهم :{ اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة{[4351]} }[ الأعراف : 138 ] وقالوا :

{ أرنا الله جهرة{[4352]} }[ النساء : 153 ] . وقالوا :{ لن نصبر على طعام واحد{[4353]} }[ البقرة : 61 ] وكانوا يتعنتون عليه في أحكام الله بأنواع التعنتات كما تقدم . و " الإرادة " في الخلق نزوع النفس لباد تستقبله - قاله الحرالي . وأدل دليل على ما {[4354]}قدرته قوله عطفاً على ما تقديره : فيكفروا{[4355]} فإنه من سأل ذلك فقد تبدل الكفر بالإيمان { ومن يتبدل الكفر بالإيمان }{[4356]} أي يأخذ الكفر بدلاً من الإيمان بالإعراض عن الآيات وسؤال غيرها{[4357]} أو{[4358]} التمسك بما نسخ منه ، وعبر بالمضارع استجلاباً{[4359]} لمن زل بسؤال شيء من ذلك إلى الرجوع بالتوبة ليزول عنه الاستمرار فيزول الضلال { فقد ضل سواء السبيل } أي عدله ووسطه فلم يهتد إليه وإن كان في بينات منه ، فإن من حاد عن السواء أوشك أن يبعد بعداً لا سلامة معه{[4360]}

{ وإن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله{[4361]} }[ الأنعام : 153 ] وكثيراً ما كان يتزلزل طوائف من الناس عند تبدل الآيات وتناسي الأحكام وبحسب ما يقع في النفس من تثاقل{[4362]} عنه أو تحامل على قبوله يلحقه من هذا الضلال عن سواء هذا السبيل{[4363]} ؛ وفيه إشعار بأن الخطاب للذين آمنوا ، لأن المؤمنين المعرفين بالوصف لا يتبدل أحوالهم من إيمان الكفر ، لأن أحداً لا يرتد عن دينه بعد أن خالط الإيمان بشاشة قلبه{ فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها{[4364]} }

[ البقرة : 256 ] { ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى{[4365]} } ؛ [ لقمان : 22 ] وقال عليه الصلاة والسلام : " إن الله لا ينتزع{[4366]} العلم انتزاعاً بعد أن أعطاكموه " فبذلك يتضح مواقع{[4367]} خطاب القرآن مع المترتبين{[4368]} {[4369]}في أسنان القلوب بحسب الحظ من الإيمان والإسلام والإحسان{[4370]} - قاله الحرالي . وعرف { السبيل } بأنه المشتمل على قوام السائر فيه والسالك له من نحو الرعي والسقي وشبهه ، والسواء بأنه من الشيء أسمحه بالأمر الذي قصد له ، قال : ويقال هو وسطه وخياره .


[4344]:ليس في م و ظ
[4345]:وفي م: مما
[4346]:ليست في ظ
[4347]:ليست في ظ
[4348]:في م، صدغها
[4349]:العبارة من هنا إلى "فقال" ليست في ظ
[4350]:من م ومد، وفي الأصل: ابت- كذا
[4351]:سورة 7 آية 138.
[4352]:سورة 4 آية 153.
[4353]:سورة 2 آية 61
[4354]:ليس في ظ ومد
[4355]:وفسر الزمخشري هذا بأن قال: ومن ترك الثقة بالآيات المنزلة وشك فيها واقترح غيرها. وقال أبو العالية: الكفر هنا الشدة والإيمان الرخاء، وهذا فيه ضعف إلا أن يريد أنهما مستعاران في الشدة على نفسه والرخاء لها عن العذاب والنعيم –قاله أبو حيان الأندلسي.
[4356]:العبارة من هنا إلى "الضلال" ليست في ظ
[4357]:وفي م ومد: غيرهما.
[4358]:في مد فقط: و
[4359]:وفي مد: استجمنا- كذا
[4360]:في مد: منه.
[4361]:سورة 6 آية 153
[4362]:من مد و ظ، وفي الأصل: ثاقل، وفي م: تناقل - كذا
[4363]:وفي البحر المحيط 1/ 347: لما كانت الشرطية توصل سالكها إلى رضوان الله تعالى كنى عنها بالسبيل، وجعل من حاد عنها كالضال عن الطريق، وكنى عن سؤالهم نبيهم ما ليس لهم أن يسألوه بتبدل الكفر بالإيمان، وأخرج ذلك في صورة شرطية وصورة الشرط لم تقع بعد تنفيرا عن ذلك وتبعيدا منه، فوبخهم أولا على تعلق إرادتهم بسؤال ما ليس لهم سؤاله وخاطبهم بذلك، ثم أدرجهم في عموم الجملة الشرطية وأن مثل هذا ينبغي أن لا يقع لأنه ضلال عن المنهج القويم، فصار صدر الآية إنكارا وتوبيخا وعجزها تكفيرا وضلالا، وما أدى إلى هذا فينبغي أن لا يتعلق به غرض ولا طلب ولا إرادة
[4364]:سورة آية 256
[4365]:سورة 31 آية 22.
[4366]:من م و ظ ومد، وفي الأصل: لا ينزع.
[4367]:ليس في م
[4368]:في مد: المرتين
[4369]:ليست في مد
[4370]:ليست في مد