{ أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب }
إن المؤمن خليفة الله في الأرض وقد طلب من الخليفة ألا يحصر نفسه في دائرة الأرض وعليه أن يتطلع إلى ما عند الله وأن يطلب في دعائه حسنة الدنيا و حسنة في الآخرة .
واسم الإشارة يعود إلى الفريق الثاني فريق الإسلام أي لهم ثواب الحج أو ثواب الدعاء فإن دعاء المؤمن عبادة وقيل إن الإشارة تعود إلى الفريقين أي لكل من الفريقين نصيب من عمله على قدر ما نواه .
وهو مثل قوله تعالى : { ولكل درجات مما عملوا } . ( الأنعام : 132 ) .
{ والله سريع الحساب } : فيوفي لكل كاسب أجره عقب ماله ، فالله عز وجل عالم بما للعباد وما عليهم فلا يحتاج إلى ذكر و تأمل إذ قد علم ما للمحاسب وما عليه .
وقيل المعنى لا يشغله شأن عم شأن فيحاسبهم في حالة واحدة كما قال سبحانه : { ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة } . ( لقمان : 28 ) .
قال الحسن : حسابه أسرع من لمح البصر .
وقيل لعلي بن أبى طالب رضي الله عنه كيف يحاسب الله العباد في يوم ؟ قال : كما يرزقكم في يوم ، ومعنى الحساب : تعريف الله عباده مقادير لجزاء على أعمالهم وتذكيرهم إياهم بما قد نسوه .
قلت والكل محتمل فيأخذ العبد لنفسه في تخفيف الحساب عنه بالأعمال الصالحة ، وإنما يخفف الحساب في الآخرة علة من حاسب نفسه في الدنيا( 127 ) .
وفي هذه الجملة الأخيرة من الآية وعد من الله لعباده أنهم متى تضرعوا إليه بقلب سليم أجاب لهم دعاءهم وأعطاهم سؤالهم .
ولما كان هؤلاء على منهاج الرسل {[8884]}لأنهم عبدوا الله أولاً كما أشار إليه السياق فانكسرت نفوسهم ثم{[8885]} ذكروه على تلك المراتب الثلاث فنارت قلوبهم{[8886]} بتجلي{[8887]} نور جلاله سبحانه وتعالى فتأهلوا بذلك للدعاء فكان دعاؤهم كاملاً ، كما فعل الخليل عليه الصلاة والسلام حيث قال :{ الذي خلقني فهو يهدين }[ الشعراء : 78 ] الآيات حتى{[8888]} قال{ رب هب لي حكماً وألحقني بالصالحين{[8889]} }[ الشعراء : 83 ] فقدم الذكر على الدعاء وكما هدى إليه آخر آل عمران في قوله :{ ربنا إننا سمعنا منادياً ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا{[8890]} }[ آل عمران : 193 ] الآيات{[8891]} ، فقدموا الطاعة عظم شأنهم بقوله على سبيل الاستئناف{[8892]} جامعاً {[8893]}على معنى{[8894]} من بشارة بكثرة الناجي في هذه الأمة{[8895]} أو يكون الجمع لعظم{[8896]} صفاتهم : { أولئك }{[8897]} أي العالو المراتب العظيمو المطالب { لهم } {[8898]}أي هذا القسم فقط لأن الأول قد{[8899]} أخبر أن الأمر عليه لا له .
ولما كان غالب أفعال العباد على غير السداد {[8900]}وأقل{[8901]} ما فيها أن تكون خالية{[8902]} عن نية حسنة قال مشيراً إلى ذلك : { نصيب } وهو اسم للحظ الذي أتت عليه القسمة بين جماعة ، كائن{[8903]} { مما } {[8904]}لو قال : طلبوا - مثلاً ، لم يعم{[8905]} جميع أفعالهم ؛ ولو قال : فعلوا ، لظُن خروج القول فعدل إلى قوله : { كسبوا } أي{[8906]} طلبوا وأصابوا وتصرفوا واجتهدوا{[8907]} فيه وجمعوا من خلاصة أعمالهم القولية والفعلية ومنها الاعتقادية وهو ما أخلصوا فيه {[8908]}فهو الذي يثابون عليه{[8909]} وهو قليل بالنسبة إلى باقي أعمالهم .
ولما كان أسرع الناس حساباً{[8910]} أعلمهم بفنونه خطأ وصواباً و{[8911]}كان التقدير : فالله عالم بخفي أعمالهم وجليها وتمييز جيدها من رديئها فهو يجازيهم على حسب ذلك عطف عليه قوله : { والله } {[8912]}أي المحيط علماً وقدرة{[8913]} { سريع الحساب * } {[8914]}وهو أحصى الأعمال وبيان ما يجب لكل منها{[8915]} الجزاء واتصاله{[8916]} إلى العامل{[8917]} لما له من سعة العلم وشمول القدرة ، قيل لبعضهم : كيف يحاسب الله الخلق في وقت واحد ؟ قال : كما يرزقهم في وقت واحد ، {[8918]}وفيه ترغيب بأنه لا ينسى عملاً ، وترهيب بأنّه لا يمشي{[8919]} عليه باطل ولا يقدر على مدافعته مطاول{[8920]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.