المهد : ما يمهد للصبي ويفرش له ، أي : جعل الأرض كالمهد .
السّبل : واحدها : سبيل أي : طريق .
شتى : واحدها : شتيت ، كمريض ومرضى ، أي : مختلفة النفع والطعم واللون والشكل .
53-{ الذي جعل لكم الأرض مهدا وسلك لكم فيها سبلا وأنزل من السماء ماءا فأخرجنا به أزواجا من نبات شتّى } .
تشتمل هذه الآية على أربع نعم يشاهدها الناس في كل مكان ، خصوصا في أرض مصر حيث يمتدّ النيل ، وحوله الأرض الزراعية ، وكان الأولى بفرعون أن يشكر ربه ، ويعرف فضله ، بدلا من الجحور والكفران .
جعل الأرض كالمهد للطفل يحوطه ويحافظ عليه ، وكذلك الكبار يمتهدون الأرض ويستقرون عليها ، وينامون ويسافرون على ظفرها .
أي : جعل لكم الأرض طرقا بين الجبال والأودية ؛ تسلكونها من قطر إلى قطر ، لقضاء مآربكم ، ونحو الآية قوله تعالى : { وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلهم يهتدون } . ( الأنبياء : 31 ) .
{ وأنزل من السماء ماءا فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى } .
في هذه الآية تحول من الغيبة إلى التكلم ، تنويعا للكلام وتفخيما لفضل الرحمن ؛ فقد أنزل الله سبحانه المطر حيث ساق السحاب وأنزل المطر .
{ فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى } .
أي : أخرج الله بالمطر ألوانا وأنواعا من النبات ؛ متعددة الألوان والأشكال والطعوم ، فهذا حلو وهذا حامض وهذا مُزّ . وهذا النبات أزواج ؛ منه الذكر والأنثى . قال تعالى : { سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون } . ( يس : 36 ) .
وهذا التكامل في الخلق آية تدل على كمال القدرة ، فالإنسان والنبات والحيوان ، والكون كله أزواج ؛ فالسماء والأرض ، والسحاب سالب وموجب ، والشمس والقمر ، والأرض والجبال ، والكواكب والأفلاك والأبراج ، حتى نجم الشعري الكبير الهائل العظيم السرعة ؛ يسير بجواره نجم قزم يلازمه في مداره . قال تعالى : { وأنه هو رب الشَّعْرى } . ( النجم : 49 ) .
وكان العرب يعبدونها من دون الله ؛ فبين القرآن أن الله هو المستحق للعبادة ؛ دون سواه .
وقد ورد مثل هذه المعاني في أوائل سورة الرعد ، قال تعالى : { وهو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي وأنهارا من كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين يغشي الليل النهار إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون . وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون } . ( الرعد : 4 ، 3 ) .
ثم وصل بذلك{[49308]} ما كان فيه قبل من الدليل العقلي على وحدة الصانع واختياره فقال : { الذي جعل لكم } أيها الخلائق { الأرض } أي أكثرها { مهداً } تفترشونها ، وجعل بعضها جبالاً لا يمكن القرار عليها ، وبعضها رخواً تسرح فيه الأقدام وبعضها جلداً - إلى غير ذلك مما تشاهدون فيها من الاختلاف { وسلك لكم فيها سبلاً } {[49309]}أي سهّل طرقاً تسلكونها{[49310]} في أراضي سهلة وحزنة{[49311]} وسطها بين الجبال والأودية والرمال{[49312]} ، وهيأ لكم فيها من المنافع من {[49313]}المياه والمراعي ما يسهل ذلك{[49314]} ، وجعل فيها{[49315]} ما لا يمكن استطراقه أصلاً ، من أن نسبة الكل إلى الطبيعة واحدة ، فلولا أن الفاعل واحد مختار لم يكن هذا التفاوت وعلى هذا النظام البديع { وأنزل من السماء ماء } تشاهدونه واحداً في اللون والطعم .
ولما كان ما ينشأ عنه أدل على العظمة وأجلى للناظر وأظهر للعقول . استغرق {[49316]}صلى الله عليه وسلم في بحار الجلال ، فاستحضر أن الآمر له بهذا الكلام هو المتكلم به في الحقيقة فانياً{[49317]} عن نفسه وعن جميع الأكوان ، فعبر عن ذلك{[49318]} ، {[49319]}عادلاً عن الغيبة إلى لفظ المتكلم المطاع بما له من العظمة{[49320]} بقوله : { فأخرجنا } {[49321]}أي بما لنا من العظمة التي تنقاد لها الأشياء المختلفة{[49322]} { به أزواجاً } أي{[49323]} أصنافاً {[49324]}متشاكلة ليس فيها شيء يكون واحداً لا شبيه له{[49325]} { من نبات شتى* } أي مختلفة جداً في الألوان والمقادير والمنافع والطبائع والطعوم ؛
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.