تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ مَهۡدٗا وَسَلَكَ لَكُمۡ فِيهَا سُبُلٗا وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجۡنَا بِهِۦٓ أَزۡوَٰجٗا مِّن نَّبَاتٖ شَتَّىٰ} (53)

49

المهد : ما يمهد للصبي ويفرش له ، أي : جعل الأرض كالمهد .

وسلك : سهّل .

السّبل : واحدها : سبيل أي : طريق .

أزواجا : أصنافا .

شتى : واحدها : شتيت ، كمريض ومرضى ، أي : مختلفة النفع والطعم واللون والشكل .

53-{ الذي جعل لكم الأرض مهدا وسلك لكم فيها سبلا وأنزل من السماء ماءا فأخرجنا به أزواجا من نبات شتّى } .

تشتمل هذه الآية على أربع نعم يشاهدها الناس في كل مكان ، خصوصا في أرض مصر حيث يمتدّ النيل ، وحوله الأرض الزراعية ، وكان الأولى بفرعون أن يشكر ربه ، ويعرف فضله ، بدلا من الجحور والكفران .

{ الذي جعل لكم الأرض مهدا } .

جعل الأرض كالمهد للطفل يحوطه ويحافظ عليه ، وكذلك الكبار يمتهدون الأرض ويستقرون عليها ، وينامون ويسافرون على ظفرها .

{ وسلك لكم فيها سبلا } .

أي : جعل لكم الأرض طرقا بين الجبال والأودية ؛ تسلكونها من قطر إلى قطر ، لقضاء مآربكم ، ونحو الآية قوله تعالى : { وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلهم يهتدون } . ( الأنبياء : 31 ) .

{ وأنزل من السماء ماءا فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى } .

في هذه الآية تحول من الغيبة إلى التكلم ، تنويعا للكلام وتفخيما لفضل الرحمن ؛ فقد أنزل الله سبحانه المطر حيث ساق السحاب وأنزل المطر .

{ فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى } .

أي : أخرج الله بالمطر ألوانا وأنواعا من النبات ؛ متعددة الألوان والأشكال والطعوم ، فهذا حلو وهذا حامض وهذا مُزّ . وهذا النبات أزواج ؛ منه الذكر والأنثى . قال تعالى : { سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون } . ( يس : 36 ) .

وهذا التكامل في الخلق آية تدل على كمال القدرة ، فالإنسان والنبات والحيوان ، والكون كله أزواج ؛ فالسماء والأرض ، والسحاب سالب وموجب ، والشمس والقمر ، والأرض والجبال ، والكواكب والأفلاك والأبراج ، حتى نجم الشعري الكبير الهائل العظيم السرعة ؛ يسير بجواره نجم قزم يلازمه في مداره . قال تعالى : { وأنه هو رب الشَّعْرى } . ( النجم : 49 ) .

وكان العرب يعبدونها من دون الله ؛ فبين القرآن أن الله هو المستحق للعبادة ؛ دون سواه .

وقد ورد مثل هذه المعاني في أوائل سورة الرعد ، قال تعالى : { وهو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي وأنهارا من كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين يغشي الليل النهار إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون . وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون } . ( الرعد : 4 ، 3 ) .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ مَهۡدٗا وَسَلَكَ لَكُمۡ فِيهَا سُبُلٗا وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجۡنَا بِهِۦٓ أَزۡوَٰجٗا مِّن نَّبَاتٖ شَتَّىٰ} (53)

ثم وصل بذلك{[49308]} ما كان فيه قبل من الدليل العقلي على وحدة الصانع واختياره فقال : { الذي جعل لكم } أيها الخلائق { الأرض } أي أكثرها { مهداً } تفترشونها ، وجعل بعضها جبالاً لا يمكن القرار عليها ، وبعضها رخواً تسرح فيه الأقدام وبعضها جلداً - إلى غير ذلك مما تشاهدون فيها من الاختلاف { وسلك لكم فيها سبلاً } {[49309]}أي سهّل طرقاً تسلكونها{[49310]} في أراضي سهلة وحزنة{[49311]} وسطها بين الجبال والأودية والرمال{[49312]} ، وهيأ لكم فيها من المنافع من {[49313]}المياه والمراعي ما يسهل ذلك{[49314]} ، وجعل فيها{[49315]} ما لا يمكن استطراقه أصلاً ، من أن نسبة الكل إلى الطبيعة واحدة ، فلولا أن الفاعل واحد مختار لم يكن هذا التفاوت وعلى هذا النظام البديع { وأنزل من السماء ماء } تشاهدونه واحداً في اللون والطعم .

ولما كان ما ينشأ عنه أدل على العظمة وأجلى للناظر وأظهر للعقول . استغرق {[49316]}صلى الله عليه وسلم في بحار الجلال ، فاستحضر أن الآمر له بهذا الكلام هو المتكلم به في الحقيقة فانياً{[49317]} عن نفسه وعن جميع الأكوان ، فعبر عن ذلك{[49318]} ، {[49319]}عادلاً عن الغيبة إلى لفظ المتكلم المطاع بما له من العظمة{[49320]} بقوله : { فأخرجنا } {[49321]}أي بما لنا من العظمة التي تنقاد لها الأشياء المختلفة{[49322]} { به أزواجاً } أي{[49323]} أصنافاً {[49324]}متشاكلة ليس فيها شيء يكون واحداً لا شبيه له{[49325]} { من نبات شتى* } أي مختلفة جداً في الألوان والمقادير والمنافع والطبائع والطعوم ؛


[49308]:بين سطري ظ: أي قوله: لا يضل ربي ولا ينسى.
[49309]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[49310]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[49311]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[49312]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[49313]:من ظ ومد، وفي الأصل "و" وبين سطري ظ: بيان للمنافع.
[49314]:بين سطري ظ: أي السلوك في هذه.
[49315]:بهامش ظ: الضمير يرجع إلى الأرض.
[49316]:بهامش ظ: قول المفسر سامحه الله ولا آخذه استغرق صلى الله عليه وسلم إلى ان قال: فعبر عن ذلك، فيه نظر ويتلوه تعقيب مطول لا يقيده القلم لسوء الحظ
[49317]:بهامش ظ: قوله "فانيا" هو حال من الضمير في "استغرق" أي استغرق حال كونه فانيا.
[49318]:بين سطري ظ: أي الاستطراق في...الجنة.
[49319]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[49320]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[49321]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[49322]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[49323]:زيد من ظ ومد.
[49324]:سقط ما بين الرقمين في ظ.
[49325]:سقط ما بين الرقمين في ظ.