تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{قَالَ يَبۡنَؤُمَّ لَا تَأۡخُذۡ بِلِحۡيَتِي وَلَا بِرَأۡسِيٓۖ إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقۡتَ بَيۡنَ بَنِيٓ إِسۡرَـٰٓءِيلَ وَلَمۡ تَرۡقُبۡ قَوۡلِي} (94)

90

بلحيتي ولا برأسي : بشعر لحيتي ولا بشعر رأسي .

خشيت : خفت .

ولم ترقب قولي : ولم تراع .

94- { قال يا ابن أمَّ لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرّقت بين بني إسرائيل ولم ترقُب قولي } .

قال هارون مستعطفا أخاه موسى : { يبنؤمّ } . أي : يا أخي : لا تأخذ بشعر رأسي ، ولا بشعر لحيتي ، غاضبا مني محتدّا علي ، فإني رأيت من الحكمة الصبر والانتظار والتريث ؛ حتى تحضر أنت ، فتتدارك الموقف ، وقد خشيت أن أقاتل الكافرين ، عبّاد العجل ؛ فيتفرّق الناس إلى فريقين ، ويترك ذلك من الإحن والبغضاء في النفوس ما يترك ، وربما صعب تدارك الموقف ، إذ يترسّخ النفور والبغض بين فريقين .

وخلاصة ذلك : إني رأيت من صواب الأمر ، أن أحفظ العامة ، وأداريهم على وجه لا يختل به نظامهم ؛ ولا يكون سببا للومك ، حتى ترجع فتتدارك الأمر بحسب ما ترى ؛ لاسيما أن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني .

قال الزمخشري في تفسير الكشاف :

كان موسى عليه السلام رجلا حديدا مجبولا على الحدّة والخشونة ، والتصلب في كل شيء ، شديد الغضب لله ولدينه ، فلم يتمالك حين رأى قومه يعبدون عجلا من دون الله ، من بعد ما رأوا الآيات العظام ؛ أن ، ألقي ألواح التوراة ؛ لما غلب ذهنه من الدهشة العظيمة ؛ غضبا لله واستنكافا وحمية ، وعنف بأخيه وخليفته على قومه ، فأقبل عليه إقبال العدو المكاشف قابضا على شعر رأسه- وكان أفْرعا- وعلى شعر وجهه يجره إليه . 1 ه .

وقد تحدث القرآن عن هذه المعاني في سورة الأعراف ، وأضاف هناك إحساس بعض عبّاد العجل بالندم والخجل ، وأن من أصر على عبادة العجل واتخاذه إلها ؛ فله غضب وذلة في الدنيا وعقوبة في الآخرة ، وأن من تاب ؛ تاب الله عليه .

قال تعالى : { واتخذ قوم موسى من بعده من حليّهم عجلا جسدا له خوار ألم يروا أنه لا يكلّمهم ولا يهديهم سبيلا اتخذوه وكانوا ظالمين . ولمّا سقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلّوا قالوا لئن لم يرحمنا ربّنا يغفر لنا لنكوننّ من الخاسرين . ولما رجع موسى إلى قومه غضبا أسفا قال بئسما خلفتموني من بعدي أعجلتم أمر ربكم وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجرّه إليه قال ابن أمَّ إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلوني فلا تشمت بي الأعداء ولا تجعلني مع القوم الظالمين . قال رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين . إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربّهم وذلّة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين . والذين عملوا السيئات ثم ثابوا من بعدها وآمنوا إن ربّك من بعدها لغفور رحيم } . ( الأعراف : 153 ، 148 ) .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{قَالَ يَبۡنَؤُمَّ لَا تَأۡخُذۡ بِلِحۡيَتِي وَلَا بِرَأۡسِيٓۖ إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقۡتَ بَيۡنَ بَنِيٓ إِسۡرَـٰٓءِيلَ وَلَمۡ تَرۡقُبۡ قَوۡلِي} (94)

فكأنه قيل : ما قال له ؟ فقيل : { قال } مجيباً له مستعطفاً بذكر أول وطن ضمهما بعد نفخ الروح مع ما له من الرقة والشفقة : { يبنؤم } فذكره بها {[49797]}خاصة وإن كان شقيقه{[49798]} لأنه يسوءها ما يسوءه ، {[49799]}وهي أرق من الأب{[49800]} { لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي } أي بشعره ؛ ثم علل ذلك{[49801]} بقوله : { إني خشيت أن تقول } إن اشتددت عليهم حتى يصل الأمر إلى القتال { فرقت بين بني إسرائيل } بفعلك هذا الذي لم يُجْدِ شيئاً لقلة من كان معك وضعفكم عن ردهم { ولم ترقب قولي* } { اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين } ولم تقل وارددهم ولو أدى الأمر إلى السيف ، وهذا كما كان النبي صلى الله عليه وسلم مأموراً بالصفح والحلم والمدافعة باللين عند ضعف الناصر وقلة المعين .


[49797]:سقط ما بين الرقمين من ظ
[49798]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[49799]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[49800]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[49801]:بهامش ظ: أي كونه لم يأخذ بسيرته التي هي الأخذ على يد الظالم.