تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ فَلَبِثَ فِيهِمۡ أَلۡفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمۡسِينَ عَامٗا فَأَخَذَهُمُ ٱلطُّوفَانُ وَهُمۡ ظَٰلِمُونَ} (14)

قصة نوح عليه السلام

{ ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما فأخذهم الطوفان وهم ظالمون( 14 ) فأنجيناه وأصحاب السفينة وجعلناها آية للعالمين( 15 ) }

14

التفسير :

14-{ ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما فأخذهم الطوفان وهم ظالمون } .

أي : والله لقد أرسلنا نوحا إلى قومه ، يدعوهم إلى توحيد الله تعالى ، ونبذ عبادة الأصنام ، ونوح عليه السلام أطول الأنبياء عمرا ، وتعددت الآراء في عمر نوح عليه السلام ، وأورد القرطبي في تفسيره آراء كثيرة في عمر نوح ، ومن أشهر الآراء : أن نوحا عليه السلام بُعث بالرسالة وعمره أربعون سنة ، ثم مكث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما ، وعاش بعد الطوفان ستين سنة ، فيكون عمره كلّه ألف سنة وخمسين سنة .

ويرى صاحب الظلال : أن طول العمر سببه قلة عدد البشر ، فعوضهم الله بطول أعمارهم ليستمر استعمارهم الأرض وإعمارها . اه .

وقد لوّن نوح في دعوة قومه إلى توحيد الله ، ودعاهم سرا وجهرا ، وقدم لهم طائفة من الأدلة على التوحيد ، مثل ما ورد في قوله تعالى : { فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا*يرسل السماء عليكم مدرارا*ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا* ما لكم لا ترجون لله وقارا*وقد خلقكم أطوارا*ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا*وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا*والله أنبتكم من الأرض نباتا* ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا*والله جعل لكم الأرض بساطا* لتسلكوا منها سبلا فجاجا } [ نوح : 10-20 ]

ولما طالت مدة نوح مع قومه ، واستمر تكذيبهم لرسالته ، دعا على قومه .

{ فأخذهم الطوفان وهم ظالمون }

أرسل الله المطر من السماء ، وفجر سبحانه عيون الأرض ، فالتقى ماء السماء وماء الأرض ، بتقدير الله تعالى ، وأمر الله نوحا أن يصنع سفينة ، فكانت وسيلة النجاة له ولقومه .

قال تعالى : { حتى إذا جاء أمرنا وفار التنّور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليلا*وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم } [ هود : 40 ، 41 ] .

وقد ذكرت قصة نوح في القرآن الكريم في ثلاثة وأربعين موضعا ، وجاءت قصته مع قومه بصورة فيها شيء من التفصيل في سورة الأعراف وهود والمؤمنون ونوح ، وينتهي نسب نوح إلى شيث بن آدم عليه السلام .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ فَلَبِثَ فِيهِمۡ أَلۡفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمۡسِينَ عَامٗا فَأَخَذَهُمُ ٱلطُّوفَانُ وَهُمۡ ظَٰلِمُونَ} (14)

ولما كان السياق للبلاء والامتحان ، والصبر على الهوان ، وإثبات علم الله وقدرته على إنجاء الطائع وتعذيب العاصي ، ذكر من الرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام من طال صبره على البلاء ، ولم يفتر عزمه عن نصيحة العباد على ما يعاملونه به من الأذى ، تسلية لرسوله صلى الله عليه وسلم ولتابعيه رضي الله تعالى عنهم وتثبيتاً لهم وتهديداً لقريش ، فقال عاطفاً على { ولقد فتنا الذين من قبلهم } ما هو كالشرح له ، وله نظر عظيم إلى

{ ولقد وصلنا لهم القول }[ القصص : 51 ] وأكده دفعاً لوهم من يقول : إن القدرة على التصرف في القلوب مغنية عن الرسالة في دار التسبب : { ولقد أرسلنا } أي على ما لنا من العظمة المغنية عن الرسالة إجراء للأمور على ما تقتضيه هذه الدار من حكمة التسبيب { نوحاً } أي أول رسل الله الخافقين من العباد ، وهو معنى { إلى قومه } فإن الكفر كان قد عم أهل الأرض ، وكان صلى الله عليه وسلم أطول الأنبياء بلاء بهم ، ولذلك قال مسبباً عن ذلك ومعقباً : { فلبث فيهم } أي بعد الرسالة يدعوهم إلى الله ، وعظم الأمر بقوله : { ألف } فذكر رأس العدد الذي لا رأس أكبر منه ، وعبر بلفظ { سنة } ذماً لأيام الكفر ، وقال : { إلا خمسين } فحقق أن ذلك الزمان تسعمائة وخمسون من غير زيادة ولا نقص مع الاختصار والعذوبة ، وقال : { عاماً } إشارة إلى أن زمان حياته عليه الصلاة والسلام بعد إغراقهم كان رغداً واسعاً حسناً يإيمان المؤمنين وخصب الأرض .

ولما كان تكرير الدعاء مع عدم الإجابة أدل على الامتثال وعدم الملال ، قال مسبباً عن لبثه فيهم ودعائه لهم ومعقباً له : { فأخذهم } أي كلهم بالإغراق أخذ قهر وغلبة { الطوفان } أي من الماء ، لأن الطوفان في الأصل لكل فاش طامّ محيط غالب ممتلىء كثرة وشدة وقوة من سيل أو ظلام أو موت أو غيرها ، والمراد هنا الماء { وهم ظالمون* } أي عريقون في هذا الوصف ، وهو وضع الأشياء في غير مواضعها فعل من يمشي في أشد الظلام ، بتكذيبهم رسولهم ، وإصرارهم على كفرهم ، وهو ملازم لدعائهم ليلاً ونهاراً لم يرجع منهم عن الضلال إلا ناس لقلتهم لا يعدون ؛