{ وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوبا كبيرا }
وآتوا : المراد بإتيانها ان يحافظوا عليها ولا يتعرضوا لها بسوء ، حتى يسلموها لليتامى عند البلوغ والرشد كاملة ، إلا ما صرفت في ضروريات اليتامى وحاجتهم .
اليتامى : جمع يتيم ، وهو من مات أبوه ، واليتامى جمع ذكرا أو أنثى ، اما الأيتام فجمع للذكران فقط وخصه الشرع بالصغير دون البلوغ .
ولا تتبدلوا : يقال تبدل الشيء واستبدل به اخذ الأول بدل الثاني فالباء داخلة على المتروك .
2- { وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوبا كبيرا } .
وملكوا اليتامى ما يستحقون من مال واحفظوه لهم ولا تعطوهم الردئ وتحرموهم الجيد ، ولا تأخذوا أموالهم وتضيفوها إلى أموالكم إن ذلك كان إثما كبيرا .
من تفسير الآية للأستاذ الدكتور محمد عبد الله دراز :
أمرنا الله بتوصيل مال اليتيم إليه بعد بلوغه ، وبعد ان أمرنا بإعطاء اليتامى أموالهم أكد هذا الامر تأكيد العليم الخبير بطبائع النفوس الإنسانية وجميع حيلها ، ولو كان القرآن من عند محمد لوجب أن يكون إنسانا عالميا يحيط بكل ما في الأرض والسماء ، ويغوص إلى خفايا النفوس ، ويصل إلى أدق طبائع البشر ، وما خفي واستتر من غرائزهم ، وهو الأمي الذي لم يتل من قبله الكتاب ولا خطه بيمينه . ففي هذا التحليل القادم دليل على ان القرآن من عند الله وإليك هذا التحليل والتنويع .
قد يتحايل الإنسان على أ كل مال اليتيم بأربع حيل :
1- الأولى الاستبدال : بأن يأخذ قطعة أرض من مال اليتيم ويعطيه بدلها ، زاعما ان ذلك له أصلح وهو في الواقع قد أخذ لنفسه الأحسن ، وهنا يبدو جمال التسمية في قوله تعالى : { ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب } فجعل الكثير الحسن من مال اليتيم خبيثا لأنه حرام ، وحق الغير ، وأخذه ظلم فكان خبيثا لا تألفه نفس المؤمن الطاهر ، وجعل القليل من ماله الحلال طيبا طاهرا ، لأنه حقه الحلال ، أي ولا تأخذ الكثير الخبيث ، الذي يؤول إلى النار من مال اليتيم ، بدل القليل الطيب الحلال من مالك .
2- الحيلة الثانية ان يقول الوصي : إني لا أريد أن أشعره بالوحدة والانقطاع فلن اترك ماله على حدة ، بل سأضمه إلي ليجد في أبا رحيما ، وفي أبنائي إخوة ، وفي رعايتي لماله شركة ومواساة . ثم يأخذ من مال اليتيم بذلك ما لا حق له فيه أما إذا أردت ضمه إليك مواساة وتعويضا عن أهله ، وكنت صادق النية في ذلك ، فالله هو الله يتولى جزاءك . قال تعالى : { ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح } ( البقرة 220 ) .
3- الحيلة الثالثة : ان يتزوج اليتيمة ذات المال . للاستيلاء على مالها بحجة انها تحت رعايته فقال تعالى : { وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لهم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا } . أي إن خفتم الجور على اليتيمة فتزوجوا من الآخرين بعدا عن الظلم .
4- والحيلة الرابعة : هي الإسراف والتبذير في مال اليتيم قبل أن يكبر حقدا عليه أن يسترد ماله البلوغ فيصير غنيا والوصي فقير فقال سبحانه : { فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا } .
وهذا هيكل تقريبي أو صورة واضحة عن اليتيم وكل ما يمكن من صور التحايل على أكل ماله نهى عنها القرآن وحذرنا منها .
وأحب أن تسيروا في طريق التفسير بهذا المنوال التربوي والمنهاج العلمي ، والنظر إلى الفكرة وإلى ما يقصده القرآن كجسم كامل لا يصح بتر أجزائه ، بل تتأملوا تفصيلها وتنسيقها9 .
ولما بان من هذا تعظيمه لصلة الرحم بجعلها في سياق ذكره سبحانه وتعالى المعبر عنه باسمه الأعظم - كما فعل نحو ذلك في غير{[20327]} آية ، وكان قد تقدم في السورة الماضية ذكر قصة أحد التي انكشفت عن أيتام{[20328]} ، ثم ذكر في قوله تعالى :{ كل نفس ذائقة الموت }[ آل عمران : 185 ] ، أن الموت مشرع{[20329]} لا بد لكل نفس من وروده ؛ علم أنه لابد من وجود الأيتام في كل وقت ، فدعا إلى العفة والعدل فيهم لأنهم بعد الأرحام أولى من يتقى الله فيه{[20330]} ويخشى مراقبته بسببه فقال : { وآتوا اليتامى } أي الضعفاء الذين انفردوا عن آبائهم ، وأصل اليتم الانفراد { أموالهم } أي هيئوها بحسن التصرف فيها لأن تؤتوهم إياها بعد البلوغ - كما يأتي ، أو يكون الإيتاء{[20331]} حقيقة واليتم باعتبار ما كان .
أو باعتبار الاسم اللغوي وهو مطلق الانفراد ، وما أبدع إيلاءها للآية الآمرة بعد عموم تقوى الله بخصوصها{[20332]} في صلة الرحم المختتمة بصفة الرقيب ! لما لا يخفى من أنه لا حامل على العدل في الأيتام إلا المراقبة ، لأنه لا{[20333]} ناصر لهم ، وقد يكونون ذوي رحم .
ولما أمر بالعفة في أموالهم أتبعه تقبيح{[20334]} الشره{[20335]} الحامل للغافل{[20336]} على لزوم المأمور به فقال : { ولا تتبدلوا } أي تكلفوا أنفسكم أن تأخذوا على وجه البدلية { الخبيث } أي من الخباثة التي لا أخبث منها ، لأنها تذهب بالمقصود من الإنسان ، فتهدم - جميع أمره { بالطيب } أي الذي هو كل{[20337]} أمر يحمل على معالي الأخلاق الصائنة{[20338]} للعرض ، المعلية لقدر الإنسان ؛ ثم بعد هذا النهي العام نوّه بالنهي عن نوع منه خاص ، فقال معبراً بالأكل{[20339]} الذي{[20340]} كانت العرب تذم بالإكثار منه ولو أنه حلال طيب ، فكيف إذا كان حراماً ومن مال ضعيف مع الغنى عنه : { ولا تأكلوا أموالهم } أي تنتفعوا بها أيّ انتفاع كان ، مجموعة { إلى أموالكم } شرهاً وحرصاً وحباً في الزيادة من الدنيا التي{[20341]} علمتم شؤمها وما أثرت من الخذلان في آل عمران ، وعبر بإلى إشارة إلى تضمين الأكل معنى الضم تنبيهاً على أنها متى ضمت إلى مال الولي أكل منها فوقع في النهي ، فحض بذلك على تركها محفوظة على حيالها{[20342]} ؛ ثم علل ذلك بقوله : { إنه } أي الأكل { كان حوباً } أي إثماً وهلاكاً { كبيراً * } .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.