تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{فَبِمَا نَقۡضِهِم مِّيثَٰقَهُمۡ لَعَنَّـٰهُمۡ وَجَعَلۡنَا قُلُوبَهُمۡ قَٰسِيَةٗۖ يُحَرِّفُونَ ٱلۡكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ وَنَسُواْ حَظّٗا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِۦۚ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَآئِنَةٖ مِّنۡهُمۡ إِلَّا قَلِيلٗا مِّنۡهُمۡۖ فَٱعۡفُ عَنۡهُمۡ وَٱصۡفَحۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ} (13)

المفردات :

لعناهم : اللعن : الطرد من الرحمة .

قاسية : شديدة غليظة ، لا تقبل خيرا .

خائنة منهم : خيانة وغدر منهم .

التفسير :

ولكن بني إسرائيل لم يوفوا بعهدهم ، ونقضوا الميثاق ، الذي أخذه الله عليهم ؛ فعاقبهم الله تعالى ، وفي ذلك يقول سبحانه :

13- فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ . . . الآية

تعرض الآية النتائج المترتبة على موقفهم من الميثاق . فتقول :

فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ . أي : فبحسب نقضهم عهدهم المؤكد .

لَعنَّاهُمْ . أي : طردناهم من رحمتنا عقوبة لهم ؛ لأنهم قد فسدت فطرتهم .

وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً . أي : أورثنا قلوبهم الغلظة والقسوة . فهي لا تلين ، ولا تنفذ إليها الحجة ، ولا تؤثر فيها الموعظة .

يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ . أي : يغيرون كلام الله في التوراة ، بالمحو والإثبات والزيادة والنقصان ، وسوء التأويل .

وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ . أى : وأعرضوا عن بعض ما أمروا به في التوراة ، من إتباع الرسول صلى الله عليه وسلم والإيمان به ، وغير ذلك . وإنما قال : يحرفون ، ولم يقل : حرفوا ؛ للدلالة على ان هذا الخلق طبع فيهم ؛ تتجدد آثاره آنا فآنا .

ولذا قال الله- تعالى- لنبيه عقب ذلك .

وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىَ خَائِنَةٍ مِّنْهُمْ . أي : إن الغدر والخيانة عادة مستمرة لليهود . منتقلة فيهم ، من الأصول إلى الفروع . فلا تزال- أيها الرسول- تطلع من هؤلاء المعاصرين . على خيانة إثر خيانة . فهم قوم لا عهد لهم ، ولا فاء عندهم .

لقد دمغتهم الكتب السماوية بالغدر والخيانة والقسوة ، فرماهم نبيهم أرمياء بالكذب والسرقة والزنى والشرك . وأنهم حولوا بيت الله إلى مغارة لصوص {[186]}

ورماهم السيد المسيح- عليه السلام- بأنهم مثل القبور المبيضة من الخارج ، المليئة بالجيف من الداخل ، ووصفهم بأنهم الحيات ، أولاد الأفاعي . وأنهم قتلوا الأنبياء والحكماء وجعلوا بيت الله مغارة لصوص {[187]} .

الآيات القرآنية العديدة تؤيد هذه الصفات .

إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ . وهم من آمنوا بك ، واتبعوك كعبد الله بن سلام وأمثاله من الذين آمنوا بالله ورسوله ، فلا تظن بهم سوءا ، ولا تخف منهم خيانة ؛ لأن الله طهرهم بالإسلام .

فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ . فاعف عما فرط من هؤلاء اليهود ، واصفح عمن أساء منهم وعاملهم بالإحسان ؛ تأليفا لهم ، فلعل الله أن يهديهم .

إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ . وأنت أحق الناس بالاتصاف بالإحسان وإتباع ما يحبه الله .


[186]:سفر أرمياء: 7،8-11.
[187]:إنجيل متى: إصحاح: 23 فقرة: 27،14،13، 23-35.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{فَبِمَا نَقۡضِهِم مِّيثَٰقَهُمۡ لَعَنَّـٰهُمۡ وَجَعَلۡنَا قُلُوبَهُمۡ قَٰسِيَةٗۖ يُحَرِّفُونَ ٱلۡكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ وَنَسُواْ حَظّٗا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِۦۚ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَآئِنَةٖ مِّنۡهُمۡ إِلَّا قَلِيلٗا مِّنۡهُمۡۖ فَٱعۡفُ عَنۡهُمۡ وَٱصۡفَحۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ} (13)

ولما ذكر سبحانه ما أخذ على اليهود من الميثاق ووعيده لهم إن كفروا بعد ذلك ، ذكر{[24719]} أنهم نقضوا مرة بعد مرة - كما تقدم في سورة البقرة وغيرها كثير{[24720]} منه عن{[24721]} نص ما عندهم من التوراة - فاستحقوا ما هم فيه من الخزي ، فقال تعالى مسبباً عما مضى{[24722]} مؤكداً بما النافية لضد ما أثبته الكلام{[24723]} : { فبما نقضهم ميثاقهم } أي{[24724]} بتكذيب الرسل الآتين من بعد موسى عليه السلام ، وقتلهم الأنبياء ، ونبذهم كتاب الله وراء ظهورهم في كتمانهم أمر محمد صلى الله عليه وسلم وغير ذلك لا بغير ذلك{[24725]} كما نقض بنو النضير{[24726]} فسلطكم الله عليهم بما أشار إليهم في سورة الحشر { لعناهم } أي أبعدناهم بعد أنا وعدناهم القرب بالكون معهم إن وفوا .

ولما كان البعيد قد يكون رقيق القلب ، متأسفاً{[24727]} على بعده . ساعياً في أسباب قربه ، باقياً{[24728]} على عافية ربه ، فيرجى بذلك له{[24729]} {[24730]} الغفران لذنبه{[24731]} . أخبر أنهم على غير ذلك بقوله : { وجعلنا } أي بعظمتنا { قلوبهم قاسية } أي صلبة عاسية{[24732]} بالغش{[24733]} فهي غير قابلة للنصحية ، لأن الذهب الخالص يكون ليناً ، والمغشوش يكون فيه يبس وصلابة ، وكل لين قابل للصلاح بسهولة ، ثم بين قساوتها بما دل على نقضهم بقوله : { يحرّفون الكلم } أي يجددون{[24734]} كل وقت تحريفه { عن مواضعه } فإنهم كلما وجدوا شيئاً من كلام الله يشهد بضلالهم حرفوه إلى شهواتهم ، وأولوه التأويل الباطل بأهوائهم ، فهم يحرفون الكلم ومعانيه .

ولما كانوا قد تركوا أصلاً ورأساً ما لا يقدرون لصراحته على تحريفه ، قال معبراً بالماضي إعلاماً بحرمهم بالبراءة من ذلك : { ونسوا حظاً } أي نصيباً نافعاً معلياً لهم { مما ذكروا به } أي من التوراة على ألسنة أنبيائهم عيسى ومن قبله عليهم السلام ، تركوه ترك الناسي للشيء لقلة مبالاته به{[24735]} بحيث لم يكن لهم رجوع إليه{[24736]} ، وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه{[24737]} قال : قد{[24738]} ينسى المرء بعض العلم بالمعصية{[24739]} وتلا هذه الآية .

ولما ذكر سبحانه ما يفعلونه في حقه في كلامه الذي هو صفته ، أتبعه ما يعم حقه وحق نبيه صلى الله عليه وسلم على وجه معلم أن الخيانة ديدنهم{[24740]} ، تسلية له صلى الله عليه وسلم فقال{[24741]} : { ولا تزال } أي بما نطلعك{[24742]} عليه يا أكرم الخلق ! { تطلع } أي تظهر ظهوراً بليغاً { على خائنة } أي خيانة عظيمة تستحق أن تسمي{[24743]} فاعلها الخؤون{[24744]} لشدتها و { منهم } أي في حقك بقصد الأذى ، وفي حق الله تعالى بإخفاء بعض ما شرعه لهم{[24745]} { إلا قليلاً منهم } فإنهم يكونون على نهج الاستقامة إما بالإيمان ، وإما بالوفاء وهم متمسكون بالكفر ، ثم سبب عن هذا الذي في حقه صلى الله عليه وسلم قوله : { فاعف عنهم } أي امح ذنبهم ذلك الذي اجترحوه ، وهو دون النقض والتحريف فلا تعاقبهم عليه .

ولما كان العفو لا يمنع المعاتبة قال{[24746]} : { واصفح } أي وأعرض عن ذلك أصلاً ورأساً ، فلا تعاتبهم عليه كما لم تعاقبهم ، فإن ذلك إحسان منك ، وإذا أحسنت أحبك{[24747]} الله { إن الله } أي الذي له جميع صفات الكمال { يحب المحسنين * } وذلك - كما روى الشيخان وغيرهما عن عائشة رضي الله عنها - أن النبي صلى الله سحره رجل من اليهود يقال له لبيد بن الأعصم وفي رواية للبخاري : إنه{[24748]} رجل من بني زريق حليف اليهود{[24749]} وكان منافقاً - حتى كان{[24750]} يخيل إليه أنه يأتي النساء ولا يأتيهن ، وذلك أشد السحر ، ثم إن الله تعالى شفاه وأعلمه أن السحر في بئر ذروان ، فقالت له{[24751]} عائشة رضي الله عنها : أفلا أخرجته ؟ فقال : لا ، أما أنا فقد عافاني الله وكرهت أن أثير{[24752]} {[24753]} على الناس{[24754]} شراً ، فأمر{[24755]} بها فدفنت ، وهو في معجم الطبراني الكبير - وهذا لفظه - ومسند أبي يعلى الموصلي وسنن النسائي الكبير ومسند عبد بن حميد وأبي بكر ابن أبي شيبة وأحمد بن منيع عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال : " كان رجل{[24756]} يدخل على النبي صلى الله عليه وسلم . فعقد له عقداً فجعله في بئر رجل من الأنصار ، فأتاه ملكان يعودانه فقعد أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه ، فقال أحدهما : أتدري ما وجعه ؟ قال : فلان الذي{[24757]} يدخل عليه عقد له عقداً فألقاه في بئر فلان الأنصاري ، فلو أرسل إليه{[24758]} رجلاً{[24759]} لوجد الماء أصفر ، فبعث رجلاً فأخذ العقد فحلّها{[24760]} فبرأ ، فكان الرجل بعد ذلك يدخل على النبي صلى الله عليه وسلم فلم يذكر له{[24761]} شيئاً منه ولم يعاتبه{[24762]} " وللشيخين عن أنس رضي الله عنه " أن امرأة يهودية أتت النبي صلى الله عليه وسلم بشاة مسمومة فأكل منها ، فجيء بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألها عن ذلك فقالت : أردت لأقتلك ، قال : ما كان الله ليسلطك{[24763]} على ذلك - أو قال : عليّ - قالوا : فلا تقتلها ؟ قال : لا ، قال : فما زلت أعرفها في لهوات النبي صلى الله عليه وسلم . وفي رواية : إنها كانت سبب موت النبي صلى الله عيله وسلم بانقطاع أبهره الشريف منها بعد{[24764]} سنين{[24765]} " وفي سنن أبي داود من وجه مرسل أنه قتل اليهودية . والأول هو الصحيح ، وسيأتي لهذا الحديث ذكر{[24766]} في هذه السورة عند{ والله يعصمك من الناس }[ المائدة : 67 ] ، فهذا غاية العفو والإحسان امتثالاً{[24767]} لأمر الله{[24768]} سبحانه .


[24719]:من ظ، وفي الأصل: أذكر.
[24720]:من ظ، وفي الأصل: كثيرة.
[24721]:في ظ: على.
[24722]:زيد بعده في ظ: مسببا.
[24723]:في ظ: بالكلام.
[24724]:زيد من ظ.
[24725]:زيد من ظ.
[24726]:في ظ: بني النضير.
[24727]:في ظ: متشفا.
[24728]:من ظ، وفي الأصل: باكيا.
[24729]:تقدم في ظ على "بذلك".
[24730]:في ظ: غفران ذنبه.
[24731]:في ظ: غفران ذنبه.
[24732]:في ظ: غاسية.
[24733]:من ظ، وفي الأصل: بالغشى.
[24734]:في ظ: متجددون.
[24735]:سقط من ظ.
[24736]:في ظ: عليه.
[24737]:سقط من ظ.
[24738]:سقط من ظ.
[24739]:زيد من ظ.
[24740]:من ظ، وفي الأصل: دينهم.
[24741]:سقط من ظ.
[24742]:في ظ: يطلعك.
[24743]:في ظ: فاعله للخوف- كذا.
[24744]:في ظ: فاعله للخوف-كذا.
[24745]:في ظ: بهم.
[24746]:سقط من ظ.
[24747]:في ظ: أحب.
[24748]:في ظ: أن.
[24749]:في ظ: اليهود.
[24750]:سقط من ظ.
[24751]:سقط من ظ.
[24752]:من صحيح البخاري- كتاب الطب، وفي الأصل: أشير، وفي ظ: أسير.
[24753]:سقط مالا بين الرقمين من ظ.
[24754]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[24755]:من الصحيح، وفي الأصل و ظ: فأمرت.
[24756]:في ظ: برجل.
[24757]:سقط من مجمع الزوائد 6/280.
[24758]:زيد من المجمع.
[24759]:سقط من مجمع الزوائد 6/280.
[24760]:في ظ: فجعلها.
[24761]:زيد من ظ والمجمع.
[24762]:في ظ: لا يعاتبه.
[24763]:زيد بعده في الأصل: الله، ولم تكن الزيادة في ظ فحذفناها.
[24764]:من ظ، وموضعه في الأصل بياض.
[24765]:من ظ، وفي الأصل: سنيان- كذا.
[24766]:في ظ: ذكره.
[24767]:في ظ: لأمره.
[24768]:في ظ: لأمره.