تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَإِلَىٰ مَدۡيَنَ أَخَاهُمۡ شُعَيۡبٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥۖ قَدۡ جَآءَتۡكُم بَيِّنَةٞ مِّن رَّبِّكُمۡۖ فَأَوۡفُواْ ٱلۡكَيۡلَ وَٱلۡمِيزَانَ وَلَا تَبۡخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشۡيَآءَهُمۡ وَلَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ بَعۡدَ إِصۡلَٰحِهَاۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ} (85)

المفردات :

وإلى مدين أخاهم شعيبا : أي : وأرسلنا إلى مدين أخاهم ( شعيبا ابن ميكيل بن يشخر بن مدين ) .

قد جاءتكم بينة : البينة : الدليل ، ويريد بها هنا المعجزة التي كانت له .

فأوفوا الكيل والميزان : أي : أوفوا الكيل ووزن الميزان ويصح أن يكون الميزان مصدرا بمعنى : الوزن كالميعاد بمعنى : الوعد .

ولا تبخسوا الناس أشياءهم : أي : ولا تنقصوهم حقوقهم . يقال : بخسه حقه يبخسه بخسا أي : نقصه .

ولا تفسدوا : الإفساد : شامل لإفساد نظام المجتمع بالظلم ، وأكل أموال الناس بالباطل ، وإفساد الخلاق ، والآداب بارتكاب الإثم والفواحش ، وإفساد العمران بالجهل وعدم النظام .

في الأرض بعد إصلاحها : إصلاح الأرض : هو إصلاح حال أهلها بالعقائد الصحيحة ، والأعمال الصالحة المزكية للأنفس ، والأعمال المرقية للعمران ، المحسنة لأحوال المعيشة .

85

التفسير :

85- وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين .

شعيب يأتي يوم القيامة خطيبا للأنبياء ، فقد كان قوي الحجة بليل اللسان ، حكيم القول ، وهو هنا يدعوهم إلى عبادة الله وحده فهو الإله الحق وليس هناك إله غيره ، فكل ما عداه من الآلهة ، آلهة بغير حق .

ومع شعيب معجزة من الله ، وقد أعطى الله كل نبي معجزة تؤيده وأعطى محمدا صلى الله عليه وآله وسلم وحي السماء ، وهو القرآن الكريم ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم أكثر الأنبياء تابعا يوم القيامة ( 78 ) .

وقد دعا قومه إلى عدد من المكارم ونهاهم عن عدد من المفاسد فدعاهم إلى ما يأتي :

وفاء الكيل والميزان وهذه عادة من أفضل العادات تؤدي إلى ثقة الأمة وتكافلها ، وتطفيف الكيل والميزان يؤدي إلى غضب السماء وفي الحديث الشريف : ( ما طفف قوم المكيال والميزان ؛ إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤونة وجور الحكام ) ( 79 ) .

ولا تبخسوا الناس أشياءهم .

أي : لا تنقصوا الناس شيئا من حقوقهم في بيع أو شراء أو حق مادي أو معنوي .

روى أن قوم شعيب كانوا إذا دخل عليهم الغريب يأخذون دراهمه ، ويقولون : هذه زيوف ، فيقطعونها ، ثم يشترونها منه بالبخس أي : بالنقصان .

وتلمح أن كل نبي دعا إلى توحيد الله ، ثم عالج الأمراض الخلقية في قومه كما عالج لوط الشذوذ الجنسي ، فإن شعيبا عالج تطفيف الكيل والميزان وأنواع الفساد الأخرى التي إذا فشت في أمة ؛ قضت عليها و أزالت ملكها وعزها .

ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها .

لقد أصلح الله الأرض ، واستخلف الإنسان فيها لعمارتها ، وأرسل إليه الرسل وأنزل الكتب ودعا سبحانه إلى الخير ونهى عن الشر .

وعقوبة المفسد تكون أشد وأكبر إذا فسد بعد أن رأى بعينه طريق الإصلاح ميسرا معبدا مع من سبقه .

وقال الأستاذ أحمد مصطفى المراغي في تفسير المراغي :

إنه تعالى أصلح حال البشر بنظام الفطرة ، ومكنهم في الأرض بما آتاهم من القوى العقلية وقوة الجوارح ، وبما أودع في خلق الأرض من سنن حكيمة ، وقوانين مستقيمة ، وبما بعث به الرسل من المكملات لنظام الفطرة من آداب وأخلاق ، ونظم في المعاملات والاجتماع ، وبما أرشد إليه المصلحون من العلماء والحكماء ، والذين يأمرون بالقسط ويهدون الناس إلى ما فيه من صلاحهم في دينهم ، والعاملون من الزراع والصناع والتجار أهل الأمانة والاستقامة ، الذين ينفعون الناس في دنياهم ، فعليكم ألا تفسدوا فيها ببغي ، ولا عدوان على الأنفس والأعراض والأخلاق بارتكاب الإثم والفواحش ولا تفسدوا فيها بالفوضى وعدم النظام وبث الخرافات والجهالات التي تقوض نظم المجتمع ، وقد كانوا من المفسدين للدين والدنيا كما يستفاد من هذه الآية وما بعدها ( 80 ) .

ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين . أي : ذلكم الذي تقدم من عبادة الله والوفاء بالكيل والميزان ، وترك البخس والإفساد في الأرض ، خير لكم في الإنسانية ، وحسن الأحدوثة وهو خير لكم في الدنيا والآخرة . إن كنتم مؤمنين بالله ومصدقين برسالتي إليكم .

والبشر لم يصلوا في عصر من العصور إلى ما وصل إليه أهل هذا العصر من العلم بالمنافع والمضار ، ومع هذا فالعلم وحده لم ينفعهم ؛ فكثرت الجرائم من قتل وسلب وإفساد وفسق وفجور .

فخير وسيلة للإصلاح هو حسن تربية الناشئة وإقناعهم بمنافع الفضائل كالصدق والأمانة والعدل وإقناعهم بمضار الرذائل ؛ لأن الوازع النفسي أقوى من الوازع الخارجي .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَإِلَىٰ مَدۡيَنَ أَخَاهُمۡ شُعَيۡبٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥۖ قَدۡ جَآءَتۡكُم بَيِّنَةٞ مِّن رَّبِّكُمۡۖ فَأَوۡفُواْ ٱلۡكَيۡلَ وَٱلۡمِيزَانَ وَلَا تَبۡخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشۡيَآءَهُمۡ وَلَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ بَعۡدَ إِصۡلَٰحِهَاۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ} (85)

ولما انقضت هذه القصة العجيبة في القصص ، أعاد النسق الأول فقال { وإلى مدين } أي أرسلنا ، وهي بلد ، وقيل قبيلة من أولاد مدين بن{[32690]} إبراهيم الخليل عليه السلام { أخاهم } أي من النسب ، وبينه بقوله : { شعيباً } وهوموصوف بأنه خطيب الأنبياء عليهم السلام لحسن مراجعة قومه ؛ ثم استأنف قوله على ذلك النسق : { قال يا قوم } دالاً على النصيحة والشفقة بالتذكير بالقرابة ، وبدأ بالأصل المعتبر في جميع الشرائع المأثورة عن الأنبياء عليهم السلام فقال{[32691]} : { اعبدوا الله } أي{[32692]} الذي يستحق العبادة لذاته بما له من الأسماء الحسنى والصفات العلى .

ولما كان المراد إفراد بالعبادة لأنه لا{[32693]} يقبل الشرك لأنه غني ، علل ذلك بقوله : { ما لكم } وأغرق في النفي بقوله : { من إله غيره } ثم استأنف التذكير بما دل على صحة دعواه في نفسها وصدقه في دعوى الرسالة بقوله : { قد جاءتكم } أي على يدي { بينة } ولما كنا عالمين من قول النبي صلى الله عليه وسلم الذي أخرجه الشيخان عن أبي هريرة رضى الله عنه " ما من الأنبياء نبي إلا أوتي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر " أن هذه البينة معجزة ، مثلها كاف في صحة الدعوى ولم تدع ضرورة إلى ذكرها لنا ، لم تعن ؛ ثم زادهم ترغيباً بقوله : { من ربكم } أي الذي لم تروا{[32694]} إحساناً إلا منه .

ولما كان إتيانه بالبينات سبباً لوجوب امتثال أمره ، قال مسبباً عنه : { فأوفوا الكيل } أي و المكيال والوزن { والميزان } أي ابذلوا ما تعطون بهما وافياً ، فالآية من الاحتباك ، وكان المحكي عنه هنا من أوائل قوله لهم فترك التأكيد الرافع لمجاز المقاربة بذكر القسط .

ولما كان الأمر بالوفاء يتضمن النهي عن البخس ، صريح به على وجه يعم غيره فقال : { ولا تبخسوا } أي تنقصوا{[32695]} وتفسدوا كما أفسد البخسة{[32696]} { الناس أشياءهم } أي شيئاً من البخس في كيل {[32697]}ولا {[32698]}وزن ولا غيرهما ، والناس - قال في القاموس - يكون من الإنس ومن الجن جمع إنس أصله أناس جمع عزيز أدخل عليه " أل " ، وقال أبو عبد الله القزاز : الناس أصله عند البصريين أناس ، ثم أدخلوا الألف واللام على ذلك وحذفوا الهمزة{[32699]} وبقي الناس ، وكان أصله فعال من :أنست{[32700]} به ، فكأنه قيل : أناس - يعني على القلب ، قال : لأنه يؤنس إليهم - انتهى . إذا علم هذا علم أن نهيه صلى الله عليه وسلم عن بخس الجمع الذين فيهم قوة المدافعة نهى عن بخس الواحد من باب الأحرى لأن الشرائع إنما جاءت بتقوية الضعيف على حقه .

ولما نهى عن الفساد بالبخس ، عم كل فساد فقال : { ولا تفسدوا } أي توقعوا الفساد { في الأرض } بوضع شيء من حق الحق أو{[32701]} الخلق في غير موضعه ؛ ولما نهاهم عن هذه الرذائل ، ذكر بنعمة الله تأكيداً للنهي بما في ذلك من التخويف وحثاً على التخلق بوصف السيد فقال : { بعد إصلاحها } أي إصلاح الله لها بنعمة الإيجاد الأول بخلقها وخلق منافعها وما فيها على هذا النظام البديع المحكم{[32702]} ثم بنعمة الإبقاء الأول بإنزال الكتب وإرسال الرسل ونصب الشرائع التي بها يحصل النفع وتتم النعمة بإصلاح{[32703]} أمر المعاش والمعاد بتعظيم أمر الله والشفقة على خلق الله ، ويجمع ذلك كله التنزه عن الإساءة .

ولما تقدم إليهم بالأمر والنهي ، أشار إلى عظمة ما تضمنه ذلك حثاً لهم على امتثاله فقال : { ذلكم } أي الأمر العظيم العالي الرتبة مما ذكر في هذه االقصة { خير لكم } ولما كان الكافر ناقص المدارك كامل المهالك ، أشارإلى ذلك بقوله : { إن كنتم مؤمنين* } أي فلا تفسدوا أو فأنتم تعرفون صحة ما قلته{[32704]} ، وإذ عرفتم صحته عملتم به ، وإذا عملتم به أفلحتم كل الفلاح ، ويجوز- وهو أحسن - أن يكون التقدير : فهو خير لكم ، لأن المؤمن يثاب على فعله لبنائه له على أساس الإيمان ، والكافر أعماله فاسدة فلا يكون فعله لهذه الأشياء خيراً له من جهة إسعاده في الآخرة لأنه لا ثواب له .


[32690]:- زيد من ظ.
[32691]:- زيد في ظ: إن.
[32692]:- سقط من ظ.
[32693]:- زيد من ظ.
[32694]:- من ظ، وفي الأصل: لم يروا.
[32695]:- سقط ما بين الرقمين من ظ.
[32696]:- سقط ما بين الرقمين من ظ.
[32697]:- في ظ: أو.
[32698]:- في ظ: أو.
[32699]:-في ظ: الهمز.
[32700]:- من ظ، وفي الأصل: أنسب.
[32701]:- من ظ، وفي الأصل "و".
[32702]:- من ظ، وفي الأصل: المحكمة.
[32703]:- من ظ، وفي الأصل: بإصلاحه.
[32704]:من ظ، وفي الأصل: قبله.