تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَلَا تَنكِحُواْ ٱلۡمُشۡرِكَٰتِ حَتَّىٰ يُؤۡمِنَّۚ وَلَأَمَةٞ مُّؤۡمِنَةٌ خَيۡرٞ مِّن مُّشۡرِكَةٖ وَلَوۡ أَعۡجَبَتۡكُمۡۗ وَلَا تُنكِحُواْ ٱلۡمُشۡرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤۡمِنُواْۚ وَلَعَبۡدٞ مُّؤۡمِنٌ خَيۡرٞ مِّن مُّشۡرِكٖ وَلَوۡ أَعۡجَبَكُمۡۗ أُوْلَـٰٓئِكَ يَدۡعُونَ إِلَى ٱلنَّارِۖ وَٱللَّهُ يَدۡعُوٓاْ إِلَى ٱلۡجَنَّةِ وَٱلۡمَغۡفِرَةِ بِإِذۡنِهِۦۖ وَيُبَيِّنُ ءَايَٰتِهِۦ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ} (221)

221

* * *

تحريم الزواج من المشركات

{ ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم أولئك يدعون إلى النار والله يدعوا إلى الجنة والمغفرة بإذنه ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون( 221 ) }

المفردات :

تنكحوا المشركات : تتزوجوهن .

تنكحوا المشركين : تزوجوهم .

المشركين : المراد بهم هنا الكافرون مطلقا .

المشركات : المراد بهم الوثنيات ومن لا دين لهم .

ولأمة : الأمة ، المرأة المملوكة .

سبب النزول :

ما روى الواحد( 184 ) والسيوطي ، والقرطبي نقلا عن مقاتل بن سليمان أن هذه الآية نزلت في أبى مرثد الغنوي واسمه أيمن وفي عناق القريشية ، وذلك أن أبا مرثد كان رجلا صالحا وكان المشركون قد أسروا أناسا بمكة ، وكان أبو مرثد ينطلق إلى مكة مستخفيا فإذا كان الليل أخذ الطريق ، وإذا كان النهار تعسف الجبال لئلا يراه أحد حتى يقدم مكة فيرصد المسلمين ليلا فإذا أخرجهم المشركون للبراز تركوهم عند البراز والغائط ، فينطلق أبو مرثد فيحمل الرجل منهم من عنقه حتى إذا أخرجه من مكة كسر قيده بفهر ويلحقه بالمدينة ، كان ذلك دأبه فانطلق يوما حتى انتهى إلى مكة فلقيته عناق ، وكان يصيب منها في الجاهلية فقالت : أبا مرثد مالك في حاجة ؟ فقال لها : إن الإسلام قد حرم الزنا ، فلما أيست منه ا ، ذرت به كفار مكة فضربوه ضربا موجعا ثم خلوا سبيله ، فلما قضى حاجته بمكة انصرف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أفتأذن في تزوجها فإنها لتعجبني فنزلت الآية .

التفسير :

{ ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن . . . }

أي لا تتزوجوا المشركات حتى يؤمن فنكاحهن وهم مشركات حرام لا ينعقد ويعتبر وطؤهن الزنا .

{ ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم }

ولأمة مسلمة يتزوجها المسلم خير من مشركة حرة كانت أم أمة ولو أعجبتكم بجمال أو مال أو حسب أو نسب .

{ ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم . . . }

" أي لا تزوجوا المسلمة من المشرك ، وأجمعت الأمة على أن المشرك لا يطأ المؤمنة بوجه لما في ذلك من الغضاضة على الإسلام ، والقراء على ضم التاء من تنكحوا " ( 185 ) .

" والآية تحرم تزويج المؤمنات سواء كن حرائر أم إماء بكفار ، على أي دين كانوا فلا ينعقد زواج المؤمنة من كتابي أو مشرك أو ملحد " ( 186 ) .

قال تعالى : { فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن } . ( الممتحنة : 10 ) .

لأن ولاية الأمر للرجل على المرأة ، فيخشى أن يفتنها في دينها أو يزيغها عن عقيدتها أو يفسد منها دون أن تصلح منه . ثم بين علة النهي عن مناكحة المشركين والمشركات فقال :

{ أولئك يدعون إلى النار والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه }

أي أولئك المذكورين من المشركين والمشركات يدعون على الكفر المؤدي إلى النار فلا تصاهروهم حتى لا يفتنوكم ويفتنوا ذريتهم ، والله يدعو بواسطة أوليائه من المؤمنين والمؤمنات إلى دواعي الجنة من الإيمان الخالص والعمل المشروع فكيف يلتقيان بالزواج ؟

{ ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون }

أي ويوضح الأدلة على أحكام شريعته للناس فلا يذكر لهم حكما إلا إذا بين لهم حكمته وأرشدهم إلى فائدته ، والسر في تشريعه ، لعلهم بهذا يعتبرون فإن الأحكام إذا ذكرت بعللها وأدلتها طبعت في النفوس وتقبلتها على الوجه المرضي ، فصارت الأحكام طريقا إلى الهداية والإقبال إلى الله وتهذيب الأرواح وتنقيتها من أدران الذنوب وأكدار المعاصي .

تعقيبات :

1 . المشرك في لسان الشرع من يدين بتعدد الآلهة مع الله تعالى وأصله من الشرك بمعنى أن تجعل الشيء بينك وبين غيرك شركة ، فمن يعبد مع الله إلها آخر يعد مشركا وهو في الآخرة من الخاسرين .

ويرى كثير من العلماء أن إطلاق كلمة مشرك ومشركين ومشركات في القرآن الكريم تعني عبدة الأوثان ، وأنها صارت في استعمال القرآن حقيقة عرفية فيهم ، ولو يطلقها القرآن على اليهود والنصارى ، وإنما عبر عنهم بهذا الاسم أو بأهل الكتاب ، أو بوصف الكفر دون الشرك . وعليه فالمراد بالمشركات والمشركين في الآية عبدة الأوثان . وذهب بعضهم إلى أن لفظ المشركات يشمل بمقتضى عمومه المرأة الوثنية واليهودية والنصرانية .

2 . تفيد الآية أنه لا يحل للمسلم أن يتزوج بمشركة ، ويباح له أن يتزوج كتابية ، كما يحرم زواج المسلمة من غير مسلم . والحكمة أن الرجل ولي الأمر فجاز أن يتزوج الكتابية لأنها تؤمن بالله واليوم الآخر . أما المرأة فيخشى على إيمانها وإسلامها أن تكون تحت رجل من أهل الكتاب .

3 . ذهب الإمامية ، وبعض الزيدية إلى تحريم زواج المسلم من الوثنية واليهودية والنصرانية لأن لفظ المشركات يشملهن جميعا ، وأصحاب هذا الرأي يجعلون آية المائدة : { والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب . . . }( المائدة : 5 ) منسوخ بالآية التي معنا نسخ الخاص بالعام .

4 . الجمهور على أنه مباح للمسلم أن يتزوج مسيحية أو يهودية بمقتضى قوله تعال : { وطعام الذين أتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أتوا الكتاب من قبلكم }( المائدة : 5 ) وتلحظ أن الآية قيدت الإباحة بكون الكتابيات من المحصنات والمراد بهن في أظهر التفاسير العفيفات . فأولئك الذين يعمدون إلى المنحرفات منهن في أخلاقهن وعقولهن ولا يتخيرون ، خارجون عن موضع الإباحة فينا أحسب ، لأن الله أحل المحصنات وهم استحلوا المنحرفات .

5 . " إذا رأى ولي الأمر أن هناك خطرا على الدولة الإسلامية أو على المجتمع الإسلامي من إباحة الزواج بالأجنبيات ، فله أن يمنع الناس من ذلك الزواج بوضع عقوبات لم يقدم عليه سدا للذريعة ومنعا للنشر وذلك من باب السياسة الشرعية لا من باب تحريم ما احل الله لأن الحل قائم على أصله والمنع وأراد على الضرر الذي يلحق بالمسلمين .

" ولذلك سارت بعض الدول العربية على منح بعض من رجالها من الزواج بالأجنبيات " ( 187 ) .

6 . الأصل في زواج الكتابيات أنه مباح ، ويرى بعض العلماء أنه مكروه لأن الكتابيات قد دخل على عقيدتهن التحريف والتغيير ولأن الكتابية لا تدين بالولاء للإسلام ، ولما يخشى على الذرية منها .

7 . ورد في تفسير الطبري والقرطبي وابن كثير وغيرهم ما يفيد أن بعض الصحابة قد تزوج بكتابيات ، فعثمان بن عفان تزوج نصرانية ثم أسلمت وطلحة بن عبيد الله وحذيفة بن اليمان تزوجا يهوديتين ، وقد كره عمر بن الخطاب زواج المسلمين من الأجنبيات ، لئلا يزهد الناس في المسلمات ولغير ذلك من المعاني .

" قال شقيق : تزوج حذيفة يهودية فكتب إليه عمر : خل سبيلها فكتب إليه ، أتزعم أنها حرام فأخلي سبيلها ؟ فقال : لا أزعم أنها حرام ولكني أخاف أن تعاطوا المومسات منهن " وإسناده صحيح( 188 ) .

" وروى ابن جرير عن عمر بن الخطاب ، قال : المسلم يتزوج النصرانية ولا يتزوج النصراني المسلمة " ( 189 ) .

" وروى الحسن عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " نتزوج نساء أهل الكتاب ، ولا يتزوجون نساءنا " ( 190 ) .

8 . كان بن عمر يحرم زواج المسلم من النصرانية أو اليهودية لأنها مشركة تقول إن ربها عيسى . ولكن الجمهور على خلاف ذلك الرأي . قال القرطبي : وكان ابن عمر إذا سئل عن نكاح الرجل النصرانية أو اليهودية قال : حرم الله المشركات على المؤمنين ولا أعرف شيئا من الإشراك أعظم من تقول المرأة ربها عيسى . قال النحاس : وهذا قول خارج عن قول الجماعة الذين تقوم بهم الحجة ، لأنه قال بتحليل نكاح نساء أهل الكتاب من الصحابة جماعة ، منهم عثمان وطلحة وابن عباس ، ومن التابعين سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد وفقهاء الأمصار عليه .

وأيضا فيمتنع أن تكون الآية من سورة البقرة ناسخة للآية التي في سورة المائدة لأن البقرة من أول ما نزل بالمدينة والمائدة من آخر ما نزل ، وإنما الآخر ينسخ الأول ويخصصه ، وأما قول ابن عمر فلا حجة فيه لأن ابن عمر رضي الله عنه كان متوقفا فلما سمع الآيتين في واحدة التحليل ، وفي أخرى التحريم ، ولم يبلغه النسخ توقف ، ولم يؤخذ عنه ذكر النسخ وإنما تأول عليه وليس يؤخذ الناسخ المنسوخ بالتأويل( 191 ) .

9 . تابع القرطبي مسيرته مؤيدا تحليل الزواج بالكتابيات فقال : " وذكر ابن المنذر جواز نكاح الكتابيات عن عمر ابن الخطاب ومن ذكر من الصحابة والتابعين في قول النحاس ، وقال في آخر كلامه : ولا يصح عن أحد من الأوائل أنه حرم ذلك " ( 192 ) .

10 . وقال بعض العلماء : أما الآيتان فلا تعارض بينهما ، فإن ظاهر لفظ الشرك لا يتناول أهل الكتاب لقوله تعالى : { ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم } . ( البقرة : 105 ) .

وقال : { لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين }( البينة : 1 ) ففرق بينهم في للفظ وظاهر العطف يقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه ، وأيضا اسم الشرك عموم وليس بنص ، وقوله تعالى : { والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب . . . }( المائدة : 5 ) بعد قوله والمحصنات من المؤمنات نص فلا تعارض بين المحتمل وبين ما لا يحتمل( 193 ) .

11 . قال الأستاذ سيد قطب : " الجمهور على تحليل الزواج من الكتابيات ، ولكني أميل إلى اعتبار الرأي القاتل بالتحريم " ( 194 ) .

ونحن لا نمنع التحريم لاعتبارات مختلفة تدخل في نطاق السياسة الشرعية . قال أستاذي المرحوم الدكتور محمد يوسف موسى : عندما كنت في الجزائر أثناء الاحتلال الفرنسي لها سئلت عن حكم الزواج بالأجنبيات فأفتيت بأنه حرام ، لأني وجدت أن هناك شرطا غير مكتوب خلاصته أن الترقية إلى أي منصب رفيع قاصرة على من تزوج من فرنسية . فأفتيت بتحريم الزواج من الفرنسيات حفاظا على قوة المسلمين .

والخلاصة أن الزواج بالكتابيات جائز ، والجمهور على أنه مباح . وبعض الناس يحرمه والمختار انه مكروه لاعتبارات طارئة فإذا ترتبت عليه المفاسد صار حراما من باب سد الذرائع ومراعاة القواعد الأصولية التي تقول : درء المفاسد مقدم على جلب المصالح .

* * *

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَلَا تَنكِحُواْ ٱلۡمُشۡرِكَٰتِ حَتَّىٰ يُؤۡمِنَّۚ وَلَأَمَةٞ مُّؤۡمِنَةٌ خَيۡرٞ مِّن مُّشۡرِكَةٖ وَلَوۡ أَعۡجَبَتۡكُمۡۗ وَلَا تُنكِحُواْ ٱلۡمُشۡرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤۡمِنُواْۚ وَلَعَبۡدٞ مُّؤۡمِنٌ خَيۡرٞ مِّن مُّشۡرِكٖ وَلَوۡ أَعۡجَبَكُمۡۗ أُوْلَـٰٓئِكَ يَدۡعُونَ إِلَى ٱلنَّارِۖ وَٱللَّهُ يَدۡعُوٓاْ إِلَى ٱلۡجَنَّةِ وَٱلۡمَغۡفِرَةِ بِإِذۡنِهِۦۖ وَيُبَيِّنُ ءَايَٰتِهِۦ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ} (221)

هنا نقع على جانب من دستور الأسرة ، والجماعة الصغيرة التي يقوم عليها المجتمع الإسلامي ، والتي أحاطها الإسلام برعاية ملحوظة ، واستغرق في تنظيمها وتطهيرها من فوضى الجاهلية جهداً كبيراً ، نراه متناثرا في عدة سور من القرآن الكريم . وقد روي في نزول هذه الآية أن مرثد بن أبي مرثد الغنوي كان يهوى امرأة اسمها عناق في الجاهلية ، وأرادت أن تتزوجه بعد أن أسلم فاستشار النبي في ذلك فنزلت هذه الآية ، بمعنى : لا تتزوجوا الوثنيات حتى يؤمنّ بالله ويصدقن بالرسول الكريم ، وهذا أمر قاطع . فإن الأمَة المؤمنة خير من المشركة التي لا تدين بدين سماوي . ولو كانت الأخيرة جميلة يعجبكم جمالها .

ولا تزوِّجوا الرجال المشركين من المؤمنات إلا إذا دخلوا في الإسلام . فإن العبد المؤمن خير من المشرك ولو أعجبكم شكله وعزته وماله .

{ أولئك يَدْعُونَ إلى النار } ، أي : أن المشركين يدعون من يعاشرهم إلى الشرك الذي يستوجب النار ، فيما يدعوكم الله من اعتزالكم المشركين في النكاح ، إلى ما فيه صلاحكم ورشادكم فتنالون الجنة والمغفرة .

والخلاصة أنه لا يجوز أن نتصل بالمشركين الذين لا يدينون بدين سماوي برابطة الصهر ، لا بتزويجهم ولا بالتزويج منهم .

وأما الكتابيات كالنصرانيات واليهوديات فقد جاء في القرآن الكريم نص واضح على حل الزواج بهن { والمحصنات مِنَ الذين أوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ } .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَلَا تَنكِحُواْ ٱلۡمُشۡرِكَٰتِ حَتَّىٰ يُؤۡمِنَّۚ وَلَأَمَةٞ مُّؤۡمِنَةٌ خَيۡرٞ مِّن مُّشۡرِكَةٖ وَلَوۡ أَعۡجَبَتۡكُمۡۗ وَلَا تُنكِحُواْ ٱلۡمُشۡرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤۡمِنُواْۚ وَلَعَبۡدٞ مُّؤۡمِنٌ خَيۡرٞ مِّن مُّشۡرِكٖ وَلَوۡ أَعۡجَبَكُمۡۗ أُوْلَـٰٓئِكَ يَدۡعُونَ إِلَى ٱلنَّارِۖ وَٱللَّهُ يَدۡعُوٓاْ إِلَى ٱلۡجَنَّةِ وَٱلۡمَغۡفِرَةِ بِإِذۡنِهِۦۖ وَيُبَيِّنُ ءَايَٰتِهِۦ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ} (221)

قوله تعالى : ( ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم أولئك يدعون إلى النار والله يدعوا الجنة والمغفرة بإذنه ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون ) يحرم الله بذلك على المؤمنين الرجال أن يتزوجوا النساء المشركات اللواتي يعبدن الأوثان ، وظاهر هذه الآية يفيد تحريم الزواج من المشركات كافة سواء كن كتابيات أو غير كتابيات ؛ لما يصدق عليهن من الشرك ، لكن ذلك مخصص بآية المائدة ( والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان ) فلئن كانت آية البقرة يفيد ظاهرها العموم إلا أن الله تعالى قد استثنى بآية المائدة نساء أهل الكتاب ليكون نكاحهن حلالا ، وذلك الذي عليه جماهير العلماء سلفا وخلفا . وفي ذلك يقول النبي ( ص ) : " نتزوج نساء أهل الكتاب ولا يتزوجون نساءنا " . وذكر عن بعضهم أن نكاح الكتابيات حرام استنادا إلى ظاهر العموم في الآية وإلى قوله سبحانه : ( ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله ) أما ظاهر العموم في الآية فقد بينا تخصيصه ، وأما الآية في حبوط العمل فلا يستدل بها على موضع الخلاف هنا . وذكر عن عبد الله بن عمر القول بكراهة نكاح الكتابيات . وهو في ذلك يقول : لا أعلم شركا أعظم من أن تقول : ربها عيسى . ومثل هذا الرأي لا يعوِّلُ عليه ؛ لمخالفته صريح النص في آية المائدة التي أباحت طعام أهل الكتاب ونكاح نسائهم بغض النظر عما تعتقد الكتابية من إشراك .

أما نكاح الكتابيات في حال الحرب فقد ذكر عن ابن عباس أنه حرام ؛ لوجوب قتالهم جميعا لا التحبب إليهم بنكاح نسائهم .

وفي هذا يقول سبحانه : ( قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ) .

وذهب الإمام مالك إلى كراهة نكاح الحربيات ، وهو ما نرجحه{[301]} .

ورب سائل يسأل عن السبب في إباحة نكاح المسلم للكتابية ، وتحريم ذلك على الكتابي فإنه ممنوع من نكاح المرأة المسلمة .

ولا نريد أن نخوض طويلا في تعليل هذا الحكم ، ولكننا نكتفي بالقول : إن الإنسان المسلم يؤمن بنبوة المرسلين جميعا ، ويؤمن كذلك بصدق الكتب السماوية بغير استثناء ، فهو بذلك يؤمن بنبوة كليم الله موسى وروح الله عيسى المسيح عليهم الصلاة والسلام ، ويؤمن بما أنزل إليهما من كتاب . ومثل هذا الإيمان لهو جزء من عقيدة الإنسان المسلم فهو بذلك مكلف تكليفا دينيا أن يحوط زوجته الكتابية –يهودية كانت أو نصرانية- بالرعاية والعطف والتقدير وأن لا يحيف عليها باعتداء أو إهانة . وأي اعتداء على الزوجة الكتابية في دينها أو إهانة لها في مشاعرها الدينية فهو محرم تحريما ؛ لما في ذلك من نيل من قدسية الكتاب الذي تعتقده هي ويؤمن به زوجها المسلم ، ومن نيل كذلك من قدسية نبيّها الكريم الذي تنظر إليه هي بإجلال ، ويؤمن بصدق نبوته زوجها المسلم ، فلا خشية مع هذه الحال على الزوجة الكتابية إذا كانت في كنف الزوج المسلم وفي رعايته .

والأمر يختلف تمام الاختلاف لو تزوج الكتابي- يهوديا أو نصرانيا- المرأة المسلمة فهو أصلا لا يؤمن بدين الإسلام وهو ينكر نبوة محمد ( ص ) ، ويكذب كتاب الله القرآن . فمن كان هذا شأنه فأنّى له أن يكنّ من الاحترام أو التقدير للمرأة المسلمة لو كانت زوجة له . وإن لمن المعلوم أن الإنسان المسلم- والمرأة خاصة- شديد الاستمساك بعقيدته ، وهو ذو شعور ديني مرهف فكيف إذا ما تسلط عليه أحد لا يستبقي في نفسه ذرة من إيمان بدينه وعقيدته ( الإسلام ) ؟ وكيف تكون حال المرأة المسلمة وهي في رعاية زوج كتابي يسخر من الإسلام ونبيه وكتابه ؟ ! لا نحسب في هذه الحال إلا أن يذيقها مهانة السخرية والاستهزاء بدينها ونبيها وكتابها لتظل في كنفه جريحة الشعر والقلب بدوام اعتدائه على أروع وأغلى ما تملك وهو دينها وعقيدتها . وفي ذلك يقول سبحانه : ( ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا ) أي الاستيلاء والظهور والهيمنة .

من أجل ذلك أبيح للمسلم نكاح الكتابية ومُنع الكتابيُّ من نكاح المسلمة .

قوله : ( ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ) الأمة الجارية المملوكة . وهي إن كانت مؤمنة فإنها في ميزان الله خير من المشركة ذات الوسامة والحسب . ولا ينبغي للمؤمن الحريص أن يغفل حين الزواج عن الفتيات المؤمنات ذوات الخلق والعقيدة والتقوى لينصرف بهواه إلى زهرة الحياة الدنيا وزينتها فيختار من النساء ذوات الأحساب أو المال أو الجمال وهن فاسقات أو كوافر . وفي الحديث عن النبي ( ص ) : " لا تنكحوا النساء لحسنهن ، فعسى حسنهن أن يرديهن ، ولا تنكحوهن على أموالهن ، فعسى أموالهن أن تطغيهن ، وانكحوهن على الدين ؛ فلأمة سوداء جرداء ذات دين أفضل " وثبت في الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي ( ص ) أنه قال أيضا : " تُنكح المرأة لأربع : لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها ، فاظفر بذات الدين تربت يداك " .

وقد ذكر أن هذه الآية نزلت في عبد الله بن رواحة كانت له أمة سوداء فلطمها في غضب ثم ندم ، فأتى النبي ( ص ) فأخبره ، فقال : " ما هي يا عبد الله " قال : تصوم وتصلي وتحسن الوضوء وتشهد الشهادتين ، فقال رسول الله ( ص ) : " هذه مؤمنة " فقال ابن رواحة : لأعتقنها ولأتزوجنها ففعل ، فطعن عليه ناس من المسلمين ؛ لنكاحة أمة ، وكانوا يرون نكاح المشركات رغبة في أحسابهن . وقيل في نزولها غير ذلك وكله يشهد على أن المرأة المؤمنة خير من المشركة بغض النظر عن فوارق في الحسب والجمال وغير ذلك مما يعجب كثيرا من الناس{[302]} .

وقوله : ( ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم ) أي لا تزوجوا الرجال المشركين من نسائكم المؤمنات حتى يؤمنوا ، فإن آمنوا رفع عنه الحظر وأبيح لهم الزواج منهن .

وفي الآية بيان واضح حاسم ليس في مداهنة أو مواربة على أن الإيمان أفضل ، وأن ما عداه من اعتبارات مفضول . فالمؤمن وإن كان عبدا حبشيا كأن رأسه زبيبة لهو خير وأفضل من المشرك ذي الحسب أو المال أو المنزلة الرفيعة في الدنيا . وهو خير وأفضل كذلك من الفاسق ذي الوسامة الذي يبهو جماله كثيرا من النساء .

وينبغي للفتاة المؤمنة ألا تأخذها في الرجل ظاهرة الجمال أو الحسب لتغفل بعد ذلك عن أهم وأخطر ما فيه من جوانب ، وذلكم هو جانب العقيدة وما ينبثق عنها من جمال الخلق والطبع والتصور .

وفي الآية كذلك ما يدل على أنه لا بد للنكاح من وليّ . فيتضح ذلك من قوله : ( ولا تنكحوا ) وهو فعل مصدره الإنكاح ، والمخاطبون هنا الأولياء . وفي هذا يقول النبي ( ص ) : " لا نكاح إلا بولي " .

وفي بطلان النكاح بغير وليّ يقول النبي ( ص ) : " أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل- ثلاث مرات- فإن دخل بها فالمهر لها بما أصاب منها ، فإن تشجاروا فالسلطان وليّ من لا وليّ له "

وليس للمرأة بعد ذلك أن تزوج نفسها أو تزوجها امرأة غيرها . وفي هذا يقول النبي ( ص ) : " لا تزوج المرأة المرأة ، ولا تزوج المرأة نفسها ، فإن الزانيةَ هي التي تزوج نفسها " وتفصيل هذه المسألة في موضعه من كتب الفقه .

قوله : ( أولئك يدعون إلى النار والله يدعوا إلى الجنة والمغفرة بإذنه ) اسم الإشارة ( أولئك ) يراد به المشركون جميعا رجالا ونساء فهم في مخالطتهم ومناكحتهم ودوام العيش معهم وتمام الركون إليهم ، كل ذي يغري بالتشبث بالشهوات وزينة الحياة الدنيا ومتاعها ، فضلا عن احتمال الإفساد للنسل . وفي هذا كله ما يسوق إلى الخسران وعذاب النار ، لكن الله جلت قدرته بتشريعه الحكيم وترسيخ لأهمية المناكحات بين المسلمين والمسلمات دون غيرهم ما يقود إلى سلامة العاقبة ودخول الجنة . إن هذه الآيات تنطوي على الخير للناس . وهي آيات واضحات بينات تحمل للإنسانية أكمل وتشريع وخير سبيل فيه النجاة من ضلال الدنيا وشرورها . وما على الناس بعد ذلك إلا أن يعكفوا على دراسة الآيات الحافلة الشاملة البينة ، وينهلوا من معينها الزاخر بكل أسباب الفوز والسلامة والنجاة ( ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون ) .


[301]:- تفسير القرطبي جـ 2 ص 67 وبداية المجتهد جـ 2 ص 37.
[302]:- أسباب النزول للنيسابوري ص 45.