تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَدُّواْ لَوۡ تُدۡهِنُ فَيُدۡهِنُونَ} (9)

المفردات :

ودّوا لو تدهن : تمنوا لو تلين لهم بعض الشيء ، وتصانعهم في الدين . قال الليث : الإدهان : اللين والمصانعة والمقاربة .

8- ودّوا لو تدهن فيدهنون .

طلب كفار مكة من النبي صلى الله عليه وسلم أن يعبد آلهتهم وقتا ما ، فإن كان في إلهه خير أصابوا منه ، وإن كان في آلهتهم خير أصاب منه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتمنّوا أن يلين معهم ، وأن يتقرب من آلهتهم ، وأن يصل معهم إلى منتصف الطريق ، فلا يهاجم آلهتهم ، وأن يتقرب إليها أي تقرّب ، وأن يفعلوا مثل ذلك مع إلهه ، لكن الله تعالى نهاه عن ذلك ، وبين أن الحق والباطل لا يلتقيان .

قال الحسن :

ودّوا لو تدهن فيدهنون .

أي : لو تصانعهم في دينك ، فيصانعون في دينهم .

وقال ابن السائب : لو تلين فيلينون لك .

وقال ابن جرير الطبري :

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال : ودّ هؤلاء المشركون يا محمد لو تلين لهم في دينك ، بإجابتك إيّاهم إلى الركون إلى آلهتهم ، فيلينون لك في عبادتك إلهك .

كما قال جل ثناؤه : ولولا أن ثبّتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا . ( الإسراء : 74 ) .

قال : وإنما هو مأخوذ من الدهن ، شبه التليين في القول بتليين الدّهن .

واختلفوا فيمن نزلت فيه هذه الآيات على ثلاثة أقوال :

أحدها : أنه الوليد بن المغيرة .

الثاني : الأخنس بن شريق .

الثالث : الأسود بن عبد يغوث .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَدُّواْ لَوۡ تُدۡهِنُ فَيُدۡهِنُونَ} (9)

ودُّوا لو تدهن : أحبوا أن تداري وتلين لهم بالمصانعة والمقاربة بالكلام ، فيدهنون : فيقاربون ويدارون . والمداهنة : أن يُظهر الرجل في أمره خلاف ما يضمر .

فقد تمنَّوا لو تتركُ بعضَ ما أنتَ عليه وتلينُ لهم وتصانِعُهم فَيَلينون لك طمعاً في تَجاوُبك معهم .

وقد حاول زعماءُ قريشٍ أن يساوموه ، وأن يجمعوا له الأموال ، وأن يُمَلِّكوه عليهم ، وهم لا يَعلمون أن هذا الرسول الكريم فوقَ هذا كلّه ، لا يريدُ منهم جزاءً ولا شُكورا ، ولا يريد إلا هدايتَهم إلى هذا الدينِ القويم .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{وَدُّواْ لَوۡ تُدۡهِنُ فَيُدۡهِنُونَ} (9)

ثم أرشده - سبحانه - إلى جانب من مسالكهم الخبيثة ، وصفاتهم القبيحة ، وحذره من الاستجابة إلى شئ من مقترحاتهم ، فقال : { فَلاَ تُطِعِ المكذبين . وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ }

وقوله : { وَدُّواْ } من الود بمعنى المحبة . وقوله : { تُدْهِنُ } من الإدهان وهى المسايرة والمصانعة والملاينة للغير . وأصله أن يجعل على الشئ دهنا لكي يلين أو لكي يحسن شكله ، ثم استعير للملاينة والمساهلة مع الغير .

أي : إن ربك - أيها الرسول الكريم - لا يخفى عليه شئ من أحوالك وأحوالهم ، وما دام الأمر كذلك ، فاحذر أن تطيع هؤلاء المكذبين في شئ مما يقترحونه عليك ، فإنهم أحبوا وودوا أن تقبل بعض مقترحاتهم ، وأن تلاينهم وتطاوعهم فيما يريدون منك . . وهم حينئذ يظهرون لك من جانبهم الملاينة والمصانعة . . حتى لكأنهم يميلون نحو الاستجابة لك ، وترك إيذائك وإيذاء أصحابك .

فالآية الكريمة تشير إلى بعض المساومات التي عرضها المشركون على النبي صلى الله عليه وسلم وما أكثرها ، ومنها : ما ذكره ابن إسحاق في سيرته من أن بعض زعماء المشركين قالوا للنبى صلى الله عليه وسلم : يا محمد ، هلم فلنعبد ما تعبد ، وتعبد ما نعبد ، فنشترك نحن وأنت في الأمر ، فإن كان الذي تعبد خيرا مما نعبد ، كنا قد أخذنا بحظنا منه ، وإن كان ما نعبد خيرا مما تعبد ، كنت قد أخذت بحظك منه ، فنزلت سورة " الكافرون " .

ومنها ما دار بينه صلى الله عليه وسلم وبين الوليد بن المغيرة تارة ، وبينه وبين عتبة بن ربيعة تارة أخرى . . مما هو معروف في كتب السيرة .

ولقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم " لعمه أبي طالب عندما نصحه بأن يترك المشركين وشأنهم ، وقال له : يا ابن أخي أشفق على نفسك وعلي ، ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق .

وقال له صلى الله عليه وسلم : يا عماه ، والله لو وضعوا الشمس في يمينى ، والقمر في يساري . على أن أترك هذا الأمر ما تركته ، حتى يظهره الله أو أهلك فيه . . " .

والتعبير بقوله : { وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ } يشير إلى أن الملاينة والمصانعة كانت منهم ، لا منه صلى الله عليه وسلم ، فهم الذين كانوا يحبون منه أن يستجيب لمقترحاتهم ، لكي يقابلوا ذلك بالتظاهر بأنهم على صلة طيبة به وبأصحابه .

قال صاحب الكشاف : قوله : { فَلاَ تُطِعِ المكذبين } تهييج وإلهاب للتصميم على معاصاتهم ، وكانوا قد أرادوا على أن يعبد الله مدة ، وآلهتهم مدة ، ويكفوا عن غوائلهم ، .

وقوله : { لَوْ تُدْهِنُ } لو تلين وتصانع { فَيُدْهِنُونَ } .

فإن : قلت : لماذا رفع " فيدهنون " ولم ينصب بإضمار " أن " وهو جواب التمني ؟ قلت : قد عدل إلى طريق آخر ، وهو أنه جعل خبر مبتدأ محذوف . أي : فهم يدهنون ، كقوله : { فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلاَ يَخَافُ بَخْساً وَلاَ رَهَقاً } على معنى : ودوا لو تدهن فهم يدهنون . .