تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{سَلَٰمٌ عَلَيۡكُم بِمَا صَبَرۡتُمۡۚ فَنِعۡمَ عُقۡبَى ٱلدَّارِ} (24)

المفردات :

سلام عليكم : أمان لكم من المحن ، والآفات .

التفسير :

{ سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار } .

أي : تقول لهم الملائكة : سلام عليكم بما صبرتم .

أي : أمان عليكم من المكاره والمخاوف التي تحيق بغيركم ؛ بسبب صبركم على مشاق الحياة ومتاعبها وآلامها ؛ كأنهم يقولون لهم : لئن تعبتم في الدنيا ؛ فقد استرحتم ونعمتم وسعدتم في الآخرة .

{ فنعم عقبى الدار } . فنعم عاقبة الدنيا ؛ الجنة ، وفيها مالا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ، أخرج ابن جرير : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأتي على قبور الشهداء على رأس كل حول فيقول : { سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار } ، وكذا كان يفعل أبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم .

من مسند الإمام أحمد

روى الإمام أحمد بسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص : عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( هل تدرون أول من يدخل الجنة من خلق الله ؟ ، قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : أول من يدخل الجنة من خلق الله ، الفقراء والمهاجرون ، الذين تسد بهم الثغور ، وتتقى بهم المكاره ، ويموت أحدهم وحاجته في صدره لا يستطيع لها قضاء ، فيقول الله لمن يشاء من ملائكته : ائتوهم فحيوهم ، فتقول الملائكة : نحن سكان سمائك ، وخيرتك من خلقك ، أفتأمرنا أن نأتي هؤلاء فنسلم عليهم ؟ ! ، قال : إنهم كانوا عبادا يعبدونني ؛ لا يشركون بي شيئا ، وتسد بهم الثغور ، وتتقى بهم المكاره ، ويموت أحدهم وحاجته في صدره ، فلا يستطيع لها قضاء ، قال : فتأتيهم الملائكة عند ذلك ، فيدخلون عليهم من كل باب ، { سلام عليكم بما صبرتم } . xxx .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{سَلَٰمٌ عَلَيۡكُم بِمَا صَبَرۡتُمۡۚ فَنِعۡمَ عُقۡبَى ٱلدَّارِ} (24)

" سلام عليكم " أي يقولون : سلام عليكم ، فأضمر القول ، أي قد سلمتم من الآفات والمحن . وقيل : هو دعاء لهم بدوام السلامة ، وإن كانوا سالمين ، أي سلمكم الله ، فهو خبر معناه الدعاء ، ويتضمن الاعتراف بالعبودية . " بما صبرتم " أي بصبركم ، ف " ما " مع الفعل بمعنى المصدر ، والباء في " بما " متعلقة بمعنى . " سلام عليكم " ويجوز أن تتعلق بمحذوف ، أي هذه الكرامة بصبركم ، أي على أمر الله تعالى ونهيه ، قاله سعيد بن جبير . وقيل : على الفقر في الدنيا ، قاله أبو عمران الجوني . وقيل : على الجهاد في سبيل الله ، كما روي عن عبد الله بن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( هل تدرون من يدخل الجنة من خلق الله ) ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : ( المجاهدون الذين تسد بهم الثغور وتتقي بهم المكاره فيموت أحدهم وحاجته في نفسه لا يستطيع لها قضاء فتأتيهم الملائكة فيدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار ) . وقال محمد بن إبراهيم :( كان النبي صلى الله عليه وسلم يأتي قبور الشهداء على رأس كل حول فيقول : السلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار ) وكذلك أبو بكر وعمر وعثمان ، وذكره البيهقي عن أبي هريرة قال :( كان النبي صلى الله عليه وسلم يأتي الشهداء ، فإذا أتى فُرْضَةَ الشِّعْب{[9391]} يقول : السلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار ) . ثم كان أبو بكر بعد النبي صلى الله عليه وسلم يفعله ، وكان عمر بعد أبي بكر يفعله ، وكان عثمان بعد عمر يفعله . وقال الحسن البصري رحمه الله : " بما صبرتم " عن فضول الدنيا . وقيل : " بما صبرتم " على ملازمة الطاعة ، ومفارقة المعصية ، قال معناه الفضيل بن عياض . ابن زيد : " بما صبرتم " عما تحبونه إذا فقدتموه . ويحتمل سابعا - " بما صبرتم " عن اتباع الشهوات . وعن عبد الله بن سلام وعلي بن الحسين رضي الله عنهم أنهما قالا{[9392]} : إذا كان يوم القيامة ينادي مناد ليقم أهل الصبر ، فيقوم ناس من الناس فيقال لهم : انطلقوا إلى الجنة فتتلقاهم الملائكة فيقولون : إلى أين ؟ فيقولون : إلى الجنة ، قالوا : قبل الحساب ؟ قالوا نعم ! فيقولون : من أنتم ؟ فيقولون : نحن أهل الصبر ، قالوا : وما كان صبركم ؟ قالوا : صبرنا أنفسنا على طاعة الله ، وصبرناها عن معاصي الله وصبرناها على البلاء والمحن في الدنيا . قال علي بن الحسين : فتقول لهم الملائكة : ادخلوا الجنة فنعم أجر العاملين . وقال ابن سلام : فتقول لهم الملائكة : " سلام عليكم بما صبرتم " . " فنعم عقبى الدار " أي نعم عاقبة الدار التي كنتم فيها ، عملتم فيها ما أعقبكم هذا الذي أنتم فيه ، فالعقبى على هذا اسم ، و " الدار " هي الدنيا . وقال أبو عمران الجوني : " فنعم عقبى الدار " الجنة عن النار . وعنه : " فنعم عقبى الدار " الجنة عن الدنيا .


[9391]:فرضة الشعب: فوهته. والشعب: ما انفرج بين جبلين. والشهداء كانوا بجبل أحد.
[9392]:في الأصل: "أنه قال".