تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{لَهُۥ دَعۡوَةُ ٱلۡحَقِّۚ وَٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ لَا يَسۡتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيۡءٍ إِلَّا كَبَٰسِطِ كَفَّيۡهِ إِلَى ٱلۡمَآءِ لِيَبۡلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَٰلِغِهِۦۚ وَمَا دُعَآءُ ٱلۡكَٰفِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَٰلٖ} (14)

المفردات :

له دعوة الحق : لا إله إلا الله .

والذين يدعون من دونه : يعني : آلهة المشركين .

إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه : أي : كالرجل العطشان يمد يده إلى البئر ؛ ليرتفع إليه الماء ، فلا يدركه .

وما هو ببالغه : حتى يموت عطشا ، وهذا مثل ضربه الله لمن يدعو من دونه آلهة لا تضر ولا تنفع .

إلا في ضلال : في غير هدى ولا استقامة .

التفسير :

{ له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء . . . } .

من الدعاء ما يحظى بالإجابة وما يكون دعاء حقا ، وهو دعاء من يملك الإجابة ، أي : دعاء الله جل جلاله ؛ فهو سبحانه يسمع الداعي ويستجيب له ، قال تعالى : { وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان }( البقرة : 186 ) .

وقال سبحانه : { ادعوني أستجب لكم } . ( غافر : 60 ) .

ومن الدعاء ما يتجه به الداعي إلى الأصنام والنجوم وغيرها من المخلوقات التي لا تملك الإجابة ، فالأصنام لا تسمع وغيرها من الملائكة أو الجن ، أو البشر لا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ، ولا موتا ولا حياة ولا نشورا فكيف بغيرهم ؟ ! .

{ إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير } ( فاطر : 14 ) .

وهذا القسم من الدعاء جدير بأن يسمى : دعاء الباطل ، وهو الذي لا يهتدي إلى هدف الإجابة كدعاء من لا يسمع أو لا يقدر على الاستجابة .

لقد ذكر الله في الآيات السابقة : أنه عليم بكل شيء ، قدير على كل شيء ، ثم ذكر في هذه الآية : أن له حقيقة الدعاء والاستجابة ؛ فهو مجيب الدعاء كما أنه عليم قدير .

وقد ذكر ذلك في الآية بطريقى الإثبات والنفي ، أعني : إثبات حق الدعاء لنفسه وفيه عن غيره .

أما الأول فقوله :

{ له دعوة الحق } . وتقديم الظرف يفيد الحصر ، ويؤيده ما بعده من نفيه عن غيره .

وأما الثاني فقوله :

{ والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء } .

وقد أخبر فيه : أن الذين يدعوهم المشركون من دون الله لا يستجيبون لهم بشيء ، ثم صورة معبرة تؤكد ضلال من يدعو غير الله وهي صورة ملهوف ظمآن يمد ذراعيه ويبسط كفيه إلى بئر سحيق فيه ماء وفمه مفتوح يلهث بالدعاء ، يطلب الماء ؛ ليبلغ فاه فلا يبلغه ، وما هو ببالغه ، بعد الجهد واللهفة والعناء ، وكذلك دعاء الكافرين بالله الواحد ، حين يدعون الشركاء .

{ له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه وما دعاء الكافرين إلا في ضلال } .

فهذا الدعاء للأصنام ليس له من الدعاء إلا صورته كما أن باسط كفيه إلى الماء ليس له إلا صورة الطلب ببسط الكفين ، ولن ينتقل الماء إلى فمه .

ومن هنا نعلم أن هذا الاستثناء : { إلا كباسط كفيه . . . } الخ ، لا ينتقض به عموم النفي المستثنى منه ولا يتضمن إلا صورة الاستثناء فهو يفيد : تقوية الحكم في جانب المستثنى منه فإن مفاده : إن الذين يدعون من دون الله لا يستجاب لهم إلا كما يستجاب لباسط كفيه إلى الماء ولن يستجاب له ، وبعبارة أخرى : لن ينالوا بدعائهم إلا عدم الإجابة ، أي : لن ينالوا شيئا البتة .

وهذا من لطيف كلامه تعالىxxiii ، ويناظر من وجه قوله سبحانه : { قل أفاتخذتم من دونه أولياء لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا } . ( الرعد : 16 ) .

{ وما دعاء الكافرين إلا في ضلال } . أي : في ضياع وانحراف ، فإن الأصل في الدعاء أن يتوجه به الإنسان إلى من يملك الإجابة وهو الله سبحانه وتعالى :

فمن دعا غير الله ؛ فقد ضل دعاؤه وانحرف وضاع ، والضلال : هو الخروج عن الطريق وسلوك مالا يوصل إلى المطلوب .

قال الطبري : { وما دعاء الكافرين إلا في ضلال } .

وما دعاء من كفر بالله ما يدعو من الأوثان والآلهة إلا في ضلال ، يقول : إلا في غير استقامة ولا هدى ؛ لأنه يشرك بالله .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{لَهُۥ دَعۡوَةُ ٱلۡحَقِّۚ وَٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ لَا يَسۡتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيۡءٍ إِلَّا كَبَٰسِطِ كَفَّيۡهِ إِلَى ٱلۡمَآءِ لِيَبۡلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَٰلِغِهِۦۚ وَمَا دُعَآءُ ٱلۡكَٰفِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَٰلٖ} (14)

قوله تعالى : " له دعوة الحق " أي لله دعوة الصدق . قال ابن عباس وقتادة وغيرهما : لا إله إلا الله . وقال الحسن : إن الله هو الحق ، فدعاؤه دعوة الحق . وقيل : إن الإخلاص في الدعاء هو دعوة الحق ، قاله بعض المتأخرين . وقيل : دعوة الحق دعاؤه عند الخوف ، فإنه لا يدعى فيه إلا إياه . كما قال : " ضل من تدعون إلا إياه " [ الإسراء : 67 ] ، قال الماوردي : وهو أشبه بسياق الآية ؛ لأنه قال : " والذين يدعون من دونه{[9373]} " يعني الأصنام والأوثان . " لا يستجيبون لهم بشيء " أي لا يستجيبون لهم دعاء ، ولا يسمعون لهم نداء . " إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه " ضرب الله عز وجل الماء مثلا ليأسهم من الإجابة لدعائهم ؛ لأن العرب تضرب لمن سعى فيما لا يدركه مثلا بالقابض الماء باليد ، قال :

فأصبحت فيما كان بيني وبينها *** من الوُدِّ مثل القابض الماءِ باليدِ

وفي معنى هذا المثل ثلاثة أوجه : أحدها : أن الذي يدعو إلها من دون الله كالظمآن الذي يدعو الماء إلى فيه من بعيد يريد تناوله ولا يقدر عليه بلسانه ، ويشير إليه بيده فلا يأتيه أبدا ؛ لأن الماء لا يستجيب ، وما الماء ببالغ إليه ، قاله مجاهد . الثاني : أنه كالظمآن الذي يرى خياله في الماء وقد بسط كفه فيه ليبلغ فاه وما هو ببالغه ، لكذب ظنه ، وفساد توهمه ، قاله ابن عباس . الثالث : أنه كباسط كفه إلى الماء ليقبض عليه فلا يجمد في كفه شيء منه . وزعم الفراء أن المراد بالماء ههنا البئر ؛ لأنها معدن للماء ، وأن المثل كمن مد يده إلى البئر بغير رشاء ، وشاهده قول الشاعر :

فإن الماءَ ماءُ أبِي وجَدِّي*** وبِئْرِي ذُو حَفَرْتُ وذو طَوَيْتُ

قال علي رضي الله عنه : هو كالعطشان على شفة البئر ، فلا يبلغ قعر البئر ، ولا الماء يرتفع إليه ، ومعنى " إلا كباسط " إلا كاستجابة باسط كفيه " إلى الماء " فالمصدر مضاف إلى الباسط ، ثم حذف المضاف ، وفاعل المصدر المضاف مراد في المعنى وهو الماء ، والمعنى : إلا كإجابة باسط كفيه إلى الماء ، واللام في قوله : " ليبلغ فاه " متعلقة بالبسط ، وقوله : " وما هو ببالغه " كناية عن الماء ، أي وما الماء ببالغ فاه . ويجوز أن يكون " هو " كناية عن الفم ، أي ما الفم ببالغ الماء . " وما دعاء الكافرين إلا في ضلال " أي ليست عبادة الكافرين الأصنام إلا في ضلال ؛ لأنها شرك ، وقيل : إلا في ضلال أي يضل عنهم ذلك الدعاء ، فلا يجدون منه سبيلا ، كما قال : " أين ما كنتم تدعون من دون الله قالوا ضلوا عنا " {[9374]} [ الأعراف : 37 ] وقال ابن عباس : أي أصوات الكافرين محجوبة عن الله فلا يسمع دعاءهم .


[9373]:راجع ج 10 ص 291.
[9374]:راجع ج 7 ص 203.