تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{ذُرِّيَّةَ مَنۡ حَمَلۡنَا مَعَ نُوحٍۚ إِنَّهُۥ كَانَ عَبۡدٗا شَكُورٗا} (3)

{ وآتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل ألا تتّخذوا من دوني وكيلا ( 2 ) ذرّية من حملنا مع نوح إنّه كان عبدا شكورا ( 3 ) }

المفردات :

الكتاب : التوراة .

وجعلناه هدى لبني إسرائيل : جعلنا التوراة مصدر هداية لهم تخرجهم من ظلمات الجهل والكفر إلى نور العلم والإيمان .

ألاّ تتخذوا : مفسرة معناها : أي : لا تتخذوا ، كقولك : كتبت إليه : أن أفعل كذا ، أو زائدة والقول مضمر تقديره قلنا لهم : لا تتخذوا .

من دوني وكيلا : أي : معبودا تكلون إليه أموركم ؛ لأنه تعالى أنزل على كل نبي أرسله أن يعبده وحده لا شريك له .

ذرية من حملنا مع نوح : نصب على الاختصاص أو النداء وفيه تهييج وتنبيه على المنة والإنعام عليهم في إنجاء آبائهم من الغرق بحملهم مع نوح في السفينة وإيماء إلى علة النهي ، كأنه قال : لا تشركوا ، فإنه المنعم عليكم والمنجي لكم من الشدائد وأنتم ضعفاء محتاجون إلى لطفه ، وفي التعبير بالذرية الغالب إطلاقها على الأطفال والنساء مناسبة تامة لما ذكر .

إنه كان عبدا شكورا : أي : لمعرفته بنعم الله واستعمالها على الوجه الذي ينبغي ، قال مقاتل : وكان من شكره أنه كان يذكر الله عز وجل حين يأكل ويشرب ، ويحمده على كل نعمه ، ويذكر الله حين يقوم أو يقعد أو يلبس ثوبا جديدا ، أو ينام أو يستيقظ ، ويذكر الله جل ثناء بكل خطوة وبكل عمل يعمله ؛ فسماه الله عبدا شكورا .

التفسير :

3 ، 2- { وآتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل ألاّ تتّخذوا من دوني وكيلا . ذرية من حملنا مع نوح إنّه كان عبدا شكورا } .

المعنى الإجمالي :

ذكر الله : إسراء محمد صلى الله عليه وسلم من مكة إلى بيت المقدس ، وبمناسبة الحديث عن بيت المقدس ذكر ما أنعم الله

به على بني إسرائيل ؛ فقد أعطاهم التوراة فيها هدى ونورا .

وأمرهم أن يخلصوا له العبادة وأن يفوضوا له الأمور ، وأن يتوكلوا عليه وحده ، ولا يتخذوا وكيلا سواه ، فهذا هو الهدى وهذا هو الإيمان .

ثم ذكرهم بنعمة الله عليهم في الماضي ؛ استمالة لهم وتهييجا لإيمانهم ؛ فهم من ذرية نوح الذين نجاهم الله في السفينة ؛ لإيمانهم وأغرق من عداهم من الكافرون ، وخاطبهم الله بهذا السبب ؛ ليذكرهم باستخلاص الله لآبائهم الأولين ، مع نوح العبد الشكور ، وليردهم إلى هذا النسب المؤمن العريق .

تنبيهات :

1- لما ذكر الله تعالى في الآية الأولى : إكرامه محمدا صلى الله عليه وسلم بالإسراء ذكر في هذه الآية : أنه أكرم موسى قبله بالتوراة وجعلها مصدر هداية .

2- قال الله عن محمد أسرى بعبده وقال عن نوح { إنه كان عبدا شكورا } ، وبذلك تلتقي وحدة الرسالات ووحدة الرسل في مقام العبودية الحقة لله .

قال ابن القيم في ( طريق الهجرتين ) :

أكمل الخلق أكملهم عبودية وأعظمهم شهودا لفقره وضرورته وحاجته إلى ربه ، وعدم استغنائه عنه طرفة عين ، ولهذا كان من دعائه صلى الله عليه وسلم : ( اللهم ، أصلح لي شأني كله ، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين ولا أقل من ذلك ) . 1 ه .

وكلما زاد العبد ذلا لربه وإمعانا في عبادته والالتجاء إليه ، زاد عزة ورفعة بالإيمان والاعتماد على الله ، وفي الحديث : ( احفظ الله ؛ يحفظك ، احفظ الله ؛ تجده تجاهك ، وإذا سألت ؛ فاسأل الله ، وإذا استعنت ؛ فاستعن بالله ، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ، وإن اجتمعت على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك . . جفت الأقلام وطويت الصحف ) .

3- قال تعالى عن نوح : { إنه كان عبدا شكورا } . وورد : أن نوحا كان يشكر الله على كل حال ويروى من شكره :

أنه كان إذا أكل قال : الحمد لله الذي أطعمني ولو شاء أجاعني . وإذا شرب قال : الحمد لله الذي سقاني ، ولو شاء أظمأني ، وإذا اكتسى قال : الحمد لله الذي كساني ، ولو شاء أعراني ، وإذا قضى حاجته ، قال : الحمد لله الذي أخرج عني أذاه في عافية .

وورد في كتب السنة : أن النبي محمدا صلى الله عليه وسلم كان يذكر الله عند كل نعمة ويتعجب من فضل الله عند كل مشهد أو منظر مثير ، فورد أنه كان يذكر الله عند الصباح إذا أسفر ، وعند المساء إذا أقبل ، ويذكر الله إذا تقدم للطعام ، وإذا شبع وإذا اكتسى ، وإذا نام وإذا استيقظ ، وإذا سافر وإذا عاد من السفر ، وهذا دليل على الأخوة النفسية للأنبياء فهم عبيد مخلصون لله ، وهم شاكرون لأنعم الله .

4- حفلت كتب السنة بهدى النبي محمد صلى الله عليه وسلم في يومه وليلته ، ومن دعائه عن الأكل : ( اللهم ، بارك لنا فيما رزقتنا وقنا عذاب النار باسم الله ) وعند أكل الفاكهة ( اللهم ، اجعلها نعمة دائمة تصلنا بها إلى نعمة الجنة ) وإذا أتم الأكل قال : ( الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين ) . وإذا لبس ثوبا قال : ( الحمد لله الذي أكساني ما أواري به عورتي وأتجمل به في الناس ) أو قال : ( الحمد لله الذي كساني هذا من غير حول مني ولا قوة ) . وكان إذا خرج من بيت الخلاء يقول : ( غفرانك ، الحمد لله الذي أذهب عني ما يؤذيني وأبقى على ما ينفعني ) .

ويكاد دعاء نوح ومحمد أن يكونا متقاربين في الاعتراف لله بفضله وشكره على نعمه ، صحيح أن الأسلوب مختلف ، ولكن الفكرة والمعنى متقاربان .

5- وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد النوم قال : ( باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه ، إن أمسكت روحي فارحمها ، وإن أرسلتها فاحفظها فيما تحفظ به عبادك الصالحين ) {[333]} .

وكان إذا أرق من الليل يقول : ( اللهم غالت النجوم ، ونامت العيون وبقيت أنت يا حي يا قيوم ، أرح ليلي وأنم عيني ){[334]} .

وكان إذا استيقظ يقول : ( الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور ){[335]} .

وإذا رأى الصباح يقول : ( أصبحنا وأصبح الملك لله ، والحمد لله لا شريك له لا إله إلا هو وإليه النشور ){[336]} .

وإذا خرج للسفر يقول : ( اللهم ، لك انتشرت ولك سرت وبك آمنت وعليك توكلت ، فاغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت ){[337]} .

وإذا عاد من السفر يقول : ( تائبون آيبون حامدونا لربنا شاكرون ){[338]} .

وكلها أدعية تحقق معنى العبودية لله والشكر له ، فكما أن نوحا عليه السلام كان عبدا شكورا ، فإن محمدا صلى الله عليه وسلم كان عبدا شكورا ، والأنبياء إخوة في طريق الدعوة إلى الله .


[333]:- باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه: رواه البخاري في الدعوات (6320) وفي التوحيد (7393) ومسلم في الذكر (2714) من حديث أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا أوى أحدكم إلى فراشه فلينفض فراشه بداخلة إزاره فإنه لا يدري ما خلفه عليه، ثم يقول: (باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فارحمها وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين).
[334]:- اللهم غارت النجوم وهدأت العيون: قال الهيثمي فى المجمع: عن زيد بن ثابت قال: أصابني أرق من الليل فشكوت ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (قل: اللهم، غارت النجوم وهدأت العيون وأنت حي يا قيوم أنم ليلي وأهدئ ليلي) فقلتها فذهب عني. وقال: رواه الطبراني وفيه عمرو بن الحصين العقبلي وهو متروك. وذكر مالك في الموطإ كتاب النداء للصلاة فقال: وحدثني عن مالك أنهم بلغهم أن أبا الدرداء كان يقوم من جوف الليل فيقول: نامت العيون وغارت النجوم وأنت الحي القيوم. فذكره هكذا من أبي الدرداء. وقال الحافظ ابن حجر: لم أقف على من وصله، ولا أسنده لبن عبد البر مع تتبعه لذلك. . . ألخ. الفتوحات الربانية 177/3.
[335]:- الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا: رواه البخاري في الدعوات (6324، 6314، 6312) والترمذي في الدعوات (3417) وأحمد في مسنده (22760) من حديث حذيفة بن اليمان قال كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أوى إلى فراشه قال: (باسمك أموت وأحيى) وإذا قام قال: (الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور). ورواه البخاري في الدعوات (6325) من حديث أبي ذر رضي الله عنهم قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أخذ مضجعه من الليل قال (اللهم باسمك أموت وأحيى) فإذا استيقظ قال: (الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور).
[336]:- أصبحنا وأصبح الملك لله والحمد لله: رواه مسلم في الذكر (2723) وأبو داود في الأدب (5071) والترمذي في الدعوات (3390) وأحمد في مسنده (4181) من حديث عبد الله بن مسعود قال: كان نبي الله صلى الله عليه وسلم إذا أمسى قال: (أمسينا وأمسى الملك لله والحمد لله لا إله إلا الله وحده لا شريك له) قال: أراه قال فيهن: (له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير رب، أسألك خير ما في هذه الليلة وخير ما بعدها وأعود بك من شر ما في هذه الليلة وما بعدها، رب، أعوذ بك من الكسل وسوء الكبر. رب، أعوذ بك من عذاب في النار وعذاب في القبر) وإذا أصبح قال: ذلك أيضا: أصبحنا وأصبح الملك لله.
[337]:- اللهم لك انتشرت وإليك توجهت: ذكر الهندي في الكنز (17636) فقال: عن أنس قال: لم يرد رسول الله صلى الله عليه وسلم سفرا قط إلا قال: حين ينهض من جلوسه: (اللهم، لك انتشرت وإليك توجهت وبك اعتصمت. اللهم، أنت ثقتي وأنت رجائي. اللهم، اكفني ما أهمني وما لا أهتم له وما أنت أعلم به. اللهم، زودني التقوى واغفر لي ووجهني للخير أينما توجهت) ثم يخرج. ونسبة لابن جرير.
[338]:- آيبون إنشاء الله تائبون عابدون حامدون: رواه البخاري في كتاب الحج (1797)، وفي الجهاد (3048، 2995) وفي المغازي (4116) وفي الدعوات (6385)، والمسلم في كتاب الحج (1344، 1342) والترمذي في كتاب الحج (950)، وفي الدعوات (3447) وأبو داود في كتاب الجهاد (277، 2599) وأحمد (6338، 6275، 5796، 5273، 4940، 4703، 4622، 4555، 4882) مالك في الحج (960) والدارمي في الاستئذان (2682) من حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قفل كبر ثلاثا وقال: (آيبون إنشاء الله تائبون عائدون حامدون لربنا ساجدون صدق الله وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده).

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{ذُرِّيَّةَ مَنۡ حَمَلۡنَا مَعَ نُوحٍۚ إِنَّهُۥ كَانَ عَبۡدٗا شَكُورٗا} (3)

أي يا ذرية من حملنا ، على النداء ، قاله مجاهد ورواه عنه ابن أبي نجيح . والمراد بالذرية كل من احتج عليه بالقرآن ، وهم جميع من على الأرض ، ذكره المهدوي . وقال الماوردي : يعني موسى وقومه من بني إسرائيل ، والمعنى يا ذرية من حملنا مع نوح لا تشركوا . وذكر نوحا ليذكرهم نعمة الإنجاء من الغرق على آبائهم . وروى سفيان عن حميد عن مجاهد أنه قرأ ( ذرية ) بفتح الذال وتشديد الراء والياء . وروى هذه القراءة عامر بن الواجد{[10127]} عن زيد بن ثابت . وروي عن زيد بن ثابت أيضا " ذرية{[10128]} " بكسر الذال وشد الراء . ثم بين أن نوحا كان عبدا شكورا يشكر الله على نعمه ولا يرى الخير إلا من عنده . قال قتادة : كان إذا لبس ثوبا قال : بسم الله ، فإذا نزعه قال : الحمد لله . كذا روى عنه معمر . وروى معمر عن منصور عن إبراهيم قال : شكره إذا أكل قال : بسم الله ، فإذا فرغ من الأكل قال : الحمد لله . قال سلمان الفارسي : لأنه كان يحمد الله على طعامه . وقال عمران بن سليم : إنما سمى نوحا عبدا شكورا لأنه كان إذا أكل قال : الحمد لله الذي أطعمني ولو شاء لأجاعني ، وإذا شرب قال : الحمد لله الذي سقاني ولو شاء لأظمأني ، وإذا اكتسى قال : الحمد لله الذي كساني ولو شاء لأعراني ، وإذا احتذى قال : الحمد لله الذي حذاني ولو شاء لأحفاني ، وإذا قضى حاجته قال : الحمد لله الذي أخرج عني الأذى ولو شاء لحبسه في . ومقصود الآية : إنكم من ذرية نوح وقد كان عبدا شكورا فأنتم أحق بالاقتداء به دون آبائكم الجهال . وقيل : المعنى أن موسى كان عبدا شكورا إذ جعله الله من ذرية نوح . وقيل : يجوز أن يكون " ذرية " مفعولا ثانيا " لتتخذوا " ويكون قوله : " وكيلا " يراد به الجمع فيسوغ ذلك في القراءتين جميعا أعني الياء والتاء في " تتخذوا " . ويجوز أيضا في القراءتين جميعا أن يكون " ذرية " بدلا من قوله " وكيلا " لأنه بمعنى الجمع ، فكأنه قال لا تتخذوا ذرية من حملنا مع نوح . ويجوز نصبها بإضمار أعني وأمدح ، والعرب قد تنصب على المدح والذم . ويجوز رفعها على البدل من المضمر في " تتخذوا " في قراءة من قرأ بالياء ، ولا يحسن ذلك لمن قرأ بالتاء لأن المخاطب لا يبدل منه الغائب . ويجوز جرها على البدل من بني إسرائيل في الوجهين . فأما " أن " من قوله " ألا تتخذوا " فهي على قراءة من قرأ بالياء في موضع نصب بحذف الجار ، التقدير : هديناهم لئلا يتخذوا . ويصلح على قراءة التاء أن تكون زائدة والقول مضمر كما تقدم . ويصلح أن تكون مفسرة بمعنى أي ، لا موضع لها من الإعراب ، وتكون " لا " للنهي فيكون خروجا من الخبر إلى النهي .


[10127]:كذا في نسخ الأصل، ولم نعثر عليه في المظان. وفي الشواذ: ذرية بالكسر الأصل.
[10128]:كذا في نسخ الأصل، ولم نعثر عليه في المظان. وفي الشواذ: ذرية بالكسر الأصل.