تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{إِذۡ تَلَقَّوۡنَهُۥ بِأَلۡسِنَتِكُمۡ وَتَقُولُونَ بِأَفۡوَاهِكُم مَّا لَيۡسَ لَكُم بِهِۦ عِلۡمٞ وَتَحۡسَبُونَهُۥ هَيِّنٗا وَهُوَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيمٞ} (15)

11

15 - إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ .

تلقونه : تتلقونه ويأخذه بعضكم من بعض ، يقال : تلقى القول : وتلقنه ، وتلقفه . ومنه : فتلقى آدم من ربه كلمات . . . ( البقرة : 37 ) .

أي : ولولا تفضله ورحمته لمسكم ذلك العذاب ، وقت تلقيكم ما أفضتم فيه من الإفك ، وأخبر بعضكم إياه من بعض بالسؤال عنه ، وقولكم قولا بالأفواه دون أن يكون له منشأ في القلوب يؤيده ، وظنكم إياه هينا سهلا لا يعبأ به ، وهو من العظائم والكبائر عند الله .

وخلاصة ذلك أنه وصفهم بارتكاب ثلاثة آثام هي :

( أ‌ ) تلقي الإفك بالألسنة ، فقد كان الرجل يلقى أخاه فيقول له : ما وراءك ؟ فيحدثه حديث الإفك ؛ حتى شاع وانتشر ، ولم يبق بيت ولا ناد إلا طار فيه .

( ب‌ ) أنه قول بلا روية ولا فكر ، فهو قول باللسان لا يترجم عما في القلب ، إذ ليس هناك علم يؤيده ، ولا قرائن أحوال وشواهد تصدقه .

( ج‌ ) استصغار ذلك وحسبانه صغيرا يسيرا هينا ، وهو عند الله عظيم الوزر ، مستحق لشديد العقوبة .

قال الزمخشري :

فإن قلت : ما معنى قوله : بأفواهكم . والقول لا يكون إلا بالفم ؟

قلت : معناه أن الشيء المعلوم يكون علمه في القلب ، فيترجم عنه اللسان ، وهذا الإفك ليس إلا قولا يجري على ألسنتكم ، ويدور في أفواهكم ، من غير ترجمة عن علم به في القلب .

كقوله تعالى : يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم . . . ( آل عمران : 167 ) .

وقيل : إنه توبيخ ، كما تقول : قاله بملء فيه ، فإن القائل ربما رمز ، وربما صرح وتشدق79 .

وقد قيل هذا في قوله تعالى : قد بدت البغضاء من أفواههم . . . ( آل عمران : ( 118 ) .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{إِذۡ تَلَقَّوۡنَهُۥ بِأَلۡسِنَتِكُمۡ وَتَقُولُونَ بِأَفۡوَاهِكُم مَّا لَيۡسَ لَكُم بِهِۦ عِلۡمٞ وَتَحۡسَبُونَهُۥ هَيِّنٗا وَهُوَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيمٞ} (15)

الثانية عشرة-قوله تعالى : " إذ تلقَّونه بألسنتكم " قراءة محمد بن السميقع بضم التاء وسكون اللام وضم القاف ، من الإلقاء ، وهذه قراءة بينة . وقرأ أبي وابن مسعود " إذ تتلقونه " من التلقي ، بتاءين . وقرأ جمهور السبعة بحرف التاء الواحدة وإظهار الذال دون إدغام ، وهذا أيضا من التلقي . وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي بإدغام الذال في التاء . وقرأ ابن كثير بإظهار الذال وإدغام التاء في التاء ، وهذه قراءة قلقة ؛ لأنها تقتضي اجتماع ساكنين ، وليست كالإدغام في قراءة من قرأ " فلا تناجوا . ولا تنابزوا " لأن دونه الألف الساكنة ، وكونها حرف لين حسنت هنالك ما لا تحسن مع سكون الذال . وقرأ ابن يعمر وعائشة رضي الله عنهما - وهم أعلم الناس بهذا الأمر - " إذ تلقَّونه " بفتح التاء وكسر اللام وضم القاف ، ومعنى هذه القراءة من قول العرب : وَلَقَ الرَّجُلُ يلِق وَلْقًا إذا كذب واستمر عليه ، فجاؤوا بالمتعدي شاهدا على غير المتعدي . قال ابن عطية : وعندي أنه أراد إذ تلقون فيه ، فحذف حرف الجر فاتصل الضمير . وقال الخليل وأبو عمرو : أصل الولق الإسراع ، يقال : جاءت الإبل تلق ، أي تسرع . قال :

لما رأوا جيشا عليهم قد طرق *** جاؤوا بأسراب من الشأم وَلِقْ

إن الحُصَيْنَ زَلِق وزُمَّلِق *** جاءت به عَنْس{[11837]} من الشأم تَلِقْ

يقال : رجل زَلِق وزُمَلِق ، مثال هُدَبِد ، وزمالق وزُمَّلِق ( بتشديد الميم ) وهو الذي ينزل قبل أن يجامع ، قال الراجز :

إن الحُصينَ زَلِق وزُمَّلِق

والولق أيضا أخف الطعن . وقد وَلَقَه يلِقُه وَلْقًا . يقال : وَلَقَه بالسيف ولقات ، أي ضربات ، فهو مشترك .

الثالثة عشرة-قوله تعالى : " وتقولون بأفواهكم ما " مبالغة وإلزام وتأكيد . والضمير في " تحسبونه " عائد على الحديث والخوض فيه والإذاعة له . و " هينا " أي شيئا يسيرا لا يلحقكم فيه إثم . " وهو عند الله " في الوزر " عظيم " . وهذا مثل قوله عليه السلام في حديث القبرين : ( إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير ) أي بالنسبة إليكم .


[11837]:العنس: الناقة القوية.