تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{لَّوۡلَآ إِذۡ سَمِعۡتُمُوهُ ظَنَّ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ بِأَنفُسِهِمۡ خَيۡرٗا وَقَالُواْ هَٰذَآ إِفۡكٞ مُّبِينٞ} (12)

12

12 - لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ .

لولا : كلمة بمعنى هلا ، تفيد الحث على فعل ما بعدها .

مبين : ظاهر مكشوف .

هلا إذ سمعتم هذا الكلام ، ظننتم خيرا بأفراد ملتكم ومجتمعكم .

ثم إن عائشة لها منزلتها ، فهي زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وابنة أبي بكر ، وهي أم المؤمنين وحرمتها عليهم كحرمة أمهاتهم .

والشخص الذي رميت به صحابي جليل مجاهد عفيف ، حيث أقسم بالله أنه ما كشف عن كنف أنثى قط ، أي في حرام .

فكان أولى بالمسلمين إذ سمعوا هذه الشائعة ألا يصدقوها ، ولكنهم ظنوا أسوأ ما يكون الظن بأنفسهم ، وبأخلاق مجتمعهم ، وكانت طبيعة الإيمان تقتضي أن ينفر المسلم من سماع هذا الإثم ، وأن يعلن رفضه بدون تردد ، وأن يقول : هذا كذب ظاهر ملفق ، وفرية صريحة ، وبهتان عظيم ، لا أساس له من الحقيقة والواقع .

قال الزمخشري :

فإن قلت : هلا قيل : ( لولا إذ سمعتموه ظننتم بأنفسكم خيرا ) ؟ ولم عدل عن الخطاب إلى الغيبة ؟ وعن الضمير إلى الظاهر ؟ قلت : ليبالغ في التوبيخ بطريقة الالتفات ، وليصرح بلفظ ( اّلإيمان ) دلالة على أن الاشتراك فيه مقتض ألا يصدق مؤمن على أخيه ، ولا مؤمنة على أختها ، قول عائب ولا طاعن ، وفيه تنبيه على أن حق المؤمن ، إذ سمع مقالة في أخيه أن يبني الأمر فيها على الظن الحسن ، لا على الشك ، وأن يقول بملء فيه – بناء على ظنه بالمؤمن الخير - : هذا إفك مبين ، هكذا باللفظ المصرح ببراءة ساحته ، كما يقول المستيقن المطلع على حقيقة الحال ، وهذا من الأدب الحسن الذي قل القائم به والحافظ له ، وليتك تجد من يسمع فيسكت ، ولا يشيع ما سمعه بأخوات ! . انتهى .

وينبغي أن يكون الأساس للروابط الاجتماعية في المجتمع الإسلامي ظن الناس فيما بينهم خيرا ، فالأصل هو أن الإنسان برئ إلى أن تثبت إدانته .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{لَّوۡلَآ إِذۡ سَمِعۡتُمُوهُ ظَنَّ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ بِأَنفُسِهِمۡ خَيۡرٗا وَقَالُواْ هَٰذَآ إِفۡكٞ مُّبِينٞ} (12)

السابعة-قوله تعالى : " لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا " هذا عتاب من الله سبحانه وتعالى للمؤمنين في ظنهم حين قال أصحاب الإفك ما قالوا . قال ابن زيد : ظن المؤمنون أن المؤمن لا يفجر بأمه ، قاله المهدوي . و " لولا " بمعنى هلا . وقيل : المعنى أنه كان ينبغي أن يقيس فضلاء المؤمنين والمؤمنات الأمر على أنفسهم ، فإن كان ذلك يبعد فيهم فذلك في عائشة وصفوان أبعد . وروي أن هذا النظر السديد وقع من أبي أيوب الأنصاري وامرأته ، وذلك أنه دخل عليها فقالت له : يا أبا أيوب أسمعت ما قيل ؟ فقال : نعم ، وذلك الكذب أكنت أنت يا أم أيوب تفعلين ذلك قالت : لا والله . قال : فعائشة والله أفضل منك ، قالت أم أيوب : نعم . فهذا الفعل ونحوه هو الذي عاتب الله تعالى عليه{[11833]} المؤمنين إذ لم يفعله جميعهم .

الثامنة-قوله تعالى : " بأنفسهم " قال النحاس : معنى " بأنفسهم " بإخوانهم . فأوجب الله على المسلمين إذا سمعوا رجلا يقذف أحدا ويذكره{[11834]} بقبيح لا يعرفونه به أن ينكروا عليه ويكذبوه وتواعد من ترك ذلك ومن نقله . قلت : ولأجل هذا قال العلماء : إن الآية أصل في أن درجة الإيمان التي حازها الإنسان ، ومنزلة الصلاح التي حلها المؤمن{[11835]} ، ولبسة العفاف التي يستتر بها المسلم لا يزيلها عنه خبر محتمل وإن شاع إذا كان أصله فاسدا أو مجهولا .


[11833]:في الأصول وتفسير ابن عطية: "عاتب الله تعالى على المؤمنين".
[11834]:كذا في ك.
[11835]:في ك: المرء.