تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِيَسۡتَـٔۡذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡ وَٱلَّذِينَ لَمۡ يَبۡلُغُواْ ٱلۡحُلُمَ مِنكُمۡ ثَلَٰثَ مَرَّـٰتٖۚ مِّن قَبۡلِ صَلَوٰةِ ٱلۡفَجۡرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ ٱلظَّهِيرَةِ وَمِنۢ بَعۡدِ صَلَوٰةِ ٱلۡعِشَآءِۚ ثَلَٰثُ عَوۡرَٰتٖ لَّكُمۡۚ لَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ وَلَا عَلَيۡهِمۡ جُنَاحُۢ بَعۡدَهُنَّۚ طَوَّـٰفُونَ عَلَيۡكُم بَعۡضُكُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ} (58)

آداب البيوت :

هذه السورة نور يضيء للمؤمنين طريق الحياة ، وأدب رفيع مع النفس ومع الآخرين ، ونظام إلهي عادل في الاستئذان وغض البصر ، وحفظ الفروج وستر العورات ، ونظام التعامل بين أفراد الأسرة وبين الأقارب والأصدقاء .

وإذا أردنا أن نتمعن في معنى هذه الآيات بالتفصيل ، فمن الخير أن نأخذ كل آية على حدة ، لنتبين أحكامها وآدابها .

والله ولي التوفيق .

آداب الاستئذان :

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِن قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ الظَّهِيرَةِ وَمِن بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاء ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُم بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 58 ) } .

التفسير :

58 - يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِن قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ الظَّهِيرَةِ وَمِن بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاء . . . .

ملكت أيمانكم : يشمل العبيد والإماء ، أي : الذكران والإناث .

الحلم : بسكون اللام وضمها ، أي : وقت البلوغ ، إما بالاحتلام ، وإما ببلوغ الخامسة عشرة ، من حلم بفتح اللام .

تضعون : تخلعون .

الظهيرة : وقت اشتداد الحر حين منتصف النهار .

عورات : أي : الأوقات التي يختل فيها تستركم ، من قولهم : أعور الفارس ، إذا اختلت حاله .

جناح : إثم وذنب .

طوافون عليكم : يطوفون عليكم للخدمة والمخالطة الضرورية .

ترتيب الآيات :

بين الله في آيات سابقة آداب دخول البيوت ، وأوجب الاستئذان والتسليم على أهلها ، وبين أن في ذلك الخير كل الخير للجميع ، فإن لم يجد الزائر أحدا رجع ، لما في ذلك من صيانة الآداب العامة ، ومنع القيل والقال ، وحفظ الأعراض والأنساب .

ثم استثنى في هذه الآيات دخول الأقارب بعضهم على بعض ، ودخول المملوكين على سادتهم ، وبين أن الاستئذان لا يكون في جميع الأوقات ، بل في ثلاثة أوقات هي عورات لأرباب البيوت ، لما فيها من رفع الكلفة وقلة التحفظ . في الستر .

أي : لا يدخل عليكم – أيها المؤمنون – في بيوتكم ، عبيدكم وإماؤكم ثلاث مرات في ثلاثة أوقات من ساعات ليلكم ونهاركم إلا بإذن : قبل صلاة الفجر ، لأنه وقت القيام من المضاجع وطرح ثياب النوم ولبس ثياب اليقظة ، وكل ذلك مظنة انكشاف العورة وحين تخلعون ثيابكم التي تلبسونها وقت الظهيرة ، ومن بعد صلاة العشاء لأنه وقت خلع ثياب اليقظة ولبس ثياب النوم .

وخص هذه الأوقات الثلاثة ، لأنها ساعات الخلوة ووضع الثياب ، وربما كان الرجل مع زوجته في لحاف واحد ، كما ورد ذلك في سبب النزول .

ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ . . .

أي : هذه الأوقات الثلاثة ، ثلاث عورات لكم ، يختل فيها التستر عادة ، ويكون النوم فيها مع الأهل غالبا ، فالهجوم فيها على أهل البيت ، مما تأباه النفوس وتكرهه أشد الكراهة .

والعورة في اللغة : الخلل في ثغر البلاد وغيره ، مما يخشى هجوم الأعداء منه ، وفي القرآن : يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا . ( الأحزاب : 13 ) .

والعورة كل شيء يستره الإنسان من أعضاء جسده ويستحي من انكشافه ، وقد تطلق على كل شيء غير محفوظ ، وهذه المعاني متقاربة ويشملها مفهوم الآية إلى حد كبير .

لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ . . .

أي : إن للأطفال الصغار وخدام البيت من الرقيق ، أن يدخلوا عليكم في حجراتكم أو أماكن خلوتكم ، بدون استئذان في غير هذه الأوقات ، وإن احتمل فيها الإخلال بالتستر لندرته .

طَوَّافُونَ عَلَيْكُم بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ . . .

أي : إن هذا هو السبب في إذن الله تعالى للخدم والأطفال في الدخول عليكم بدون استئذان ، في غير أوقات الخلوة الثلاثة ، وذلك لأنهم طوافون عليكم فيعسر عليهم الاستئذان في كل مرة .

بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ . . . أي : بعضكم طائف على بعض طوافا كثيرا ، أو بعضكم يطوف على بعض .

قال الزمخشري :

يعني إن بكم وبهم حاجة إلى المخالطة والمداخلة ، يطوفون عليكم للخدمة ، وتطوفون عليهم للاستخدام ، فلو جزم الأمر بالاستئذان في كل وقت لأدى إلى الحرج .

وهذا ما يؤيد قاعدة مهمة من قواعد الفقه الإسلامي ، هي أن أحكام الشرع مبنية على المصلحة ، وأن لكل حكم من أحكامه علة سواء أكان الشارع قد بينها أم لم يبينها .

كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ .

أي : ومثل هذا التبيين لتلك الأحكام يبين لكم شرائع دينكم وأحكامه ؛ والله عليم بما يصلح أحوال عباده ، حكيم في تدبير أمورهم ؛ فيشرع لهم ما يصلح أحوالهم في المعاش والمعاد .

في أعقاب الآية :

1 – كان العمل بهذه الآية واجبا ، إذ كانت البيوت لا أبواب لها ولا أقفال ، ولو عاد الحال لعاد الوجوب ، حكاه المهدوي عن ابن عباس235 .

2 – روى سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : ترك الناس ثلاث آيات فلم يعملوا بهن : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ . . . الآية ، وقوله تعالى : وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وقولوا لهم قولا معروفا . ( النساء : 8 ) .

وقوله تعالى : إن أكرمكم عند الله أتقاكم . . . ( الحجرات : 13 ) .

3 – روى عكرمة : أن نفرا من أهل العراق قالوا : يا ابن عباس ، كيف ترى في هذه الآية التي أمرنا فيها بما أمرنا ولا يعمل بها أحد . قول الله – عز وجل - يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ . . . قال ابن عباس : إن الله حليم رحيم بالمؤمنين ، يحب الستر ، وكان الناس ليس لبيوتهم ستور ولا حجال236 ، فربما دخل الخادم أو الولد أو يتيمة الرجل ، والرجل على أهله ؛ فأمرهم الله بالاستئذان في تلك العورات ، فجاءهم الله بالستور والخير ، فلم أر أحدا يعمل بذلك بعد237 .

وقد عقب القرطبي على هذا الحديث بقوله : هذا متن حسن ، وفيه رد على قول سعيد بن المسيب ، وابن جبير بأنها منسوخة ، فإنه ليس فيه دليل على نسخ الآية . ولكن على أنها كانت على حال ثم زالت ، فإن كان مثل ذلك الحال فحكمها قائم كما كان ، بل حكمها لليوم ثابت في كثير من مساكن المسلمين في البوادي والصحارى ونحوها238 .

4- قال فخر الدين الرازي :

الآية دالة على أن الواجب اعتبار العلل في الأحكام إذا أمكن : لأنه تعالى نبه على العلة في هذه الأوقات الثلاثة من وجهين : أحدهما : بقوله تعالى : ثلاث عورات لكم . والثاني : بالتنبيه على الفرق بين هذه الأوقات الثلاثة ، وبين ما عداها ، بأنه ليس ذلك إلا لعلة التكشف في هذه الثلاثة ، وأنه لا يؤمن وقوع التكشف فيها وليس كذلك ما عدا هذه الأوقات239 .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِيَسۡتَـٔۡذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡ وَٱلَّذِينَ لَمۡ يَبۡلُغُواْ ٱلۡحُلُمَ مِنكُمۡ ثَلَٰثَ مَرَّـٰتٖۚ مِّن قَبۡلِ صَلَوٰةِ ٱلۡفَجۡرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ ٱلظَّهِيرَةِ وَمِنۢ بَعۡدِ صَلَوٰةِ ٱلۡعِشَآءِۚ ثَلَٰثُ عَوۡرَٰتٖ لَّكُمۡۚ لَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ وَلَا عَلَيۡهِمۡ جُنَاحُۢ بَعۡدَهُنَّۚ طَوَّـٰفُونَ عَلَيۡكُم بَعۡضُكُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ} (58)

فيه ثمان{[12053]} مسائل :

الأولى-قال العلماء ، هذه الآية خاصة والتي قبلها عامة ؛ لأنه قال : " يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها " [ النور : 27 ] ثم خص هنا فقال : " ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم " فخص في هذه الآية بعض المستأذنين ، وكذلك أيضا يتأول القول في الأولى في جميع الأوقات عموما . وخص في هذه الآية بعض الأوقات ، فلا يدخل فيها عبد ولا أمة ، وغْداً كان أو ذا منظر إلا بعد الاستئذان . قال مقاتل : نزلت في أسماء بنت مرثد ، دخل عليها غلام لها كبير ، فاشتكت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنزلت عليه الآية . وقيل : سبب نزولها دخول مدلج على عمر ، وسيأتي .

الثانية-اختلف العلماء في المراد بقوله تعالى " ليستأذنكم " على ستة أقوال

الأول : أنها منسوخة ، قاله ابن المسيب وابن جبير .

الثاني : أنها ندب غير واجبة ، قاله أبو قلابة ، قال : إنما أمروا بهذا نظرا لهم .

الثالث : عنى بها النساء ، قاله أبو عبد الرحمن السلمي .

الرابع : وقال ابن عمر : هي في الرجال دون النساء .

الخامس : كان ذلك واجبا ، إذ كانوا لا غلق لهم ولا أبواب ، ولو عاد الحال لعاد الوجوب حكاه المهدوي عن ابن عباس .

السادس : أنها محكمة واجبة ثابتة على الرجال والنساء ، وهو قول أكثر أهل العلم ، منهم القاسم وجابر بن زيد والشعبي . وأضعفها قول السلمي لأن " الذين " لا يكون للنساء في كلام العرب ، إنما يكون للنساء - اللاتي واللواتي - وقول ابن عمر يستحسنه أهل النظر ؛ لأن " الذين " للرجال في كلام العرب ، وإن كان يجوز أن يدخل معهم النساء فإنما يقع ذلك بدليل ، والكلام على ظاهره ، غير أن في إسناده ليث بن أبي سليم{[12054]} . وأما قول ابن عباس فروى أبو داود عن عبيدالله بن أبي يزيد سمع ابن عباس يقول : آية لم يؤمر بها أكثر الناس آية الاستئذان وإني لآمر جاريتي هذه تستأذن علي . قال أبو داود : وكذلك رواه عطاء عن ابن عباس " يأمر به " . وروى عكرمة أن نفرا من أهل العراق قالوا : يا ابن عباس ، كيف ترى في هذه الآية التي أمرنا فيها بما أمرنا ولا يعمل بها أحد{[12055]} ، قول الله عز وجل " يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء ثلاث عورات لكم ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن طوافون عليكم " . قال أبو داود : قرأ القعنبي إلى " عليم حكيم " قال ابن عباس : إن الله حليم رحيم بالمؤمنين يحب الستر ، وكان الناس ليس لبيوتهم ستور ولا حجال{[12056]} ، فربما دخل الخادم أو الولد أو يتيمة الرجل والرجل على أهله ، فأمرهم الله بالاستئذان في تلك العورات ، فجاءهم الله بالستور والخير ، فلم أر أحدا يعمل بذلك بعد .

قلت : هذا متن حسن ، وهو يرد قول سعيد وابن جبير ، فإنه ليس فيه دليل على نسخ الآية ، ولكن على أنها كانت على حال ثم زالت ، فإن كان مثل ذلك الحال فحكمها قائم كما كان ، بل حكمها لليوم ثابت في كثير من مساكن المسلمين في البوادي والصحارى ونحوها . وروى وكيع عن سفيان عن موسى بن أبي عائشة عن الشعبي " يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم " قال : ليست بمنسوخة .

قلت : إن الناس لا يعملون بها ، قال : الله عز وجل المستعان .

الثالثة-قال بعض أهل العلم : إن الاستئذان ثلاثا مأخوذ من قوله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات " قال يزيد{[12057]} : ثلاث دفعات . قال : فورد القرآن في المماليك والصبيان ، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجميع . قال ابن عبد البر : ما قاله من هذا وإن كان له وجه فإنه غير معروف عن العلماء في تفسير الآية التي نزع بها ، والذي عليه جمهورهم في قوله " ثلاث مرات " أي في ثلاث أوقات . ويدل على صحة هذا القول ذكره فيها " من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء " .

الرابعة-أدب الله عز وجل عباده في هذه الآية بأن يكون العبيد إذ لا بال لهم ، والأطفال الذين لم يبلغوا الحلم إلا أنهم عقلوا معاني الكشفة ونحوها ، يستأذنون على أهليهم في هذه الأوقات الثلاثة ، وهي الأوقات التي تقتضي عادة الناس الانكشاف فيها وملازمة التعري . فما قبل الفجر وقت انتهاء النوم ووقت الخروج من ثياب النوم ولبس ثياب النهار . ووقت القائلة وقت التجرد أيضا وهي الظهيرة ؛ لأن النهار يظهر فيها إذا علا شعاعه واشتد حره . وبعد صلاة العشاء وقت التعري للنوم ، فالتكشف غالب في هذه الأوقات . يروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث غلاما من الأنصار يقال له : مدلج إلى عمر بن الخطاب ظهيرة ليدعوه ، فوجده نائما قد أغلق عليه الباب ، فدق عليه الغلام الباب فناداه ، ودخل ، فاستيقظ عمر وجلس فانكشف منه شيء ، فقال عمر : وددت أن الله نهى أبناءنا ونساءنا وخدمنا عن الدخول علينا في هذه الساعات إلا بإذن ، ثم انطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد هذه الآية قد أنزلت ، فخر ساجدا شكرا لله . وهي مكية .

الخامسة-قوله تعالى : " والذين لم يبلغوا الحلم منكم " أي الذين لم يحتلموا من أحراركم ، قاله مجاهد . وذكر إسماعيل بن إسحاق كان{[12058]} يقول : ليستأذنكم الذين لم يبلغوا الحلم مما ملكت أيمانكم ، على التقديم والتأخير ، وأن الآية في الإماء . وقرأ الجمهور بضم اللام ، وسكنها الحسن بن أبي الحسن لثقل الضمة ، وكان أبو عمرو يستحسنها . و " ثلاث مرات " نصب على الظرف ؛ لأنهم لم يؤمروا بالاستئذان ثلاثا ، إنما أمروا بالاستئذان في ثلاثة مواطن ، والظرفية في " ثلاث " بينة : من قبل صلاة الفجر ، وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ، ومن صلاة العشاء . وقد مضى معناه . ولا يجب أن يستأذن ثلاث مرات في كل وقت . " ثلاث عورات لكم " قرأ جمهور السبعة " ثلاث عورات " برفع " ثلاث " . وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم " ثلاث " بالنصب على البدل من الظرف في قوله " ثلاث مرات " . قال أبو حاتم : النصب ضعيف مردود . وقال الفراء : الرفع أحب إلي . قال : وإنما اخترت الرفع لأن المعنى : هذه الخصال ثلاث عورات . والرفع عند الكسائي بالابتداء ، والخبر عنده ما بعده ، ولم يقل بالعائد ، وقال نصا بالابتداء . قال : والعورات الساعات التي تكون فيها العورة ، إلا أنه قرأ بالنصب ، والنصب فيه قولان : أحدهما : أنه مردود على قوله " ثلاث مرات " ، ولهذا استبعده الفراء . وقال الزجاج : المعنى ليستأذنكم أوقات ثلاث عورات ، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه . و " عورات " جمع عورة ، وبابه في الصحيح أن يجيء على فعلات ( بفتح العين ) كجفنة وجفنات ، ونحو ذلك ، وسكنوا العين في المعتل كبيضة وبيضات ؛ لأن فتحه داع إلى اعتلاله فلم يفتح لذلك ، فأما قول الشاعر :

أبو بَيَضَاتٍ رائحٌ مُتَأَوِّبٌ *** رَفِيقٌ بمسح المُنْكِبِينَ سَبُوحُ{[12059]}

فشاذ .

السادسة-قوله تعالى : " ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن " أي في الدخول من غير أن يستأذنوا وإن كنتم متبذلين . " طوافون " بمعنى هم طوافون . قال الفراء : كقولك في الكلام إنما هم خدمكم وطوافون عليكم . وأجاز الفراء نصب " طوافين " لأنه نكرة ، والمضمر في " عليكم " معرفة . ولا يجيز البصريون أن يكون حالا من المضمرين اللذين في " عليكم " وفي " بعضكم " لاختلاف العاملين . ولا يجوز مررت يزيد ونزلت على عمرو العاقلين ، على النعت لهما . فمعنى " طوافون عليكم " أي يطوفون عليكم وتطوفون عليهم ، ومنه الحديث في الهرة ( إنما هي من الطوافين عليكم أو الطوافات{[12060]} ) . فمنع في الثلاث العورات من دخولهم علينا ؛ لأن حقيقة العورة كل شيء لا مانع دونه ، ومنه قوله " إن بيوتنا عورة " {[12061]}[ الأحزاب : 13 ] أي سهلة للمدخل ، فبين العلة الموجبة للإذن ، وهي الخلوة في حال العورة ، فتعين امتثاله وتعذر نسخه . ثم رفع الجناح بقوله : " ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن طوافون عليكم بعضكم على بعض " أي يطوف بعضكم على بعض . " كذلك يبين الله لكم الآيات " الكاف في موضع نصب ، أي يبين الله لكم آياته الدالة على متعبداته بيانا مثل ما يبين لكم هذه الأشياء . " والله عليم حكيم " تقدم{[12062]} .

السابعة-قوله تعالى : " ومن بعد صلاة العشاء " يريد العتمة . وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال سمعت رسول الله صلى يقول : ( لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم ألا إنها العشاء وهم يعتمون بالإبل ) . وفي رواية ( فإنها في كتاب الله العشاء وإنها تعتم بحلاب الإبل ) . وفي البخاري عن أبي برزة : كان النبي صلى الله عليه وسلم يؤخر العشاء . وقال أنس : أخر النبي صلى الله عليه وسلم العشاء . وهذا يدل على العشاء الأولى . وفي الصحيح : فصلاها ، يعني العصر بين العشاءين المغرب والعشاء . وفي الموطأ وغيره : ( ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوا ) . وفي مسلم عن جابر بن سمرة قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الصلوات نحوا من صلاتكم ، وكان يؤخر العتمة بعد صلاتكم شيئا ، وكان يخف الصلاة . وقال القاضي أبو بكر بن العربي : وهذه أخبار متعارضة ، لا يعلم منها الأول من الآخر بالتاريخ ، ونهيه عليه السلام عن تسمية المغرب عشاء وعن تسمية العشاء عتمة ثابت ، فلا مرد له من أقوال الصحابة فضلا عمن عداهم . وقد كان ابن عمر يقول : من قال صلاة العتمة فقد أثم . وقال ابن القاسم قال مالك : " ومن بعد صلاة العشاء " فالله سماها صلاة العشاء فأحب النبي صلى الله عليه وسلم أن تسمي بما سماها الله تعالى به ويعلمها الإنسان أهله وولده ، ولا يقال عتمة إلا عند خطاب من لا يفهم وقد قال حسان[ بن ثابت ]{[12063]} :

وكانت لا يزال بها أنيس *** خلال مُرُوجها نَعَمٌ وشَاءُ

فدع هذا ولكن مَنْ لِطَيفٍ *** يؤرِّقُنِي إذا ذهب العشاءُ

وقد قيل : إن هذا النهي عن اتباع الأعراب في تسميتهم العشاء عتمة ، إنما كان لئلا يعدل بها عما سماها الله تعالى في كتابه إذ قال : " ومن بعد صلاة العشاء " ؛ فكأنه نهيُ إرشاد إلى ما هو الأولى ، وليس على جهة التحريم ، ولا على أن تسميتها العتمة لا يجوز . ألا ترى أنه قد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أطلق عليها ذلك ، وقد أباح تسميتها بذلك أبو بكر وعمر رضي الله عنهما . وقيل : إنما نهى عن ذلك تنزيها لهذه العبادة الشريفة الدينية عن أن يطلق عليها ما هو اسم لفعلة دنيوية ، وهي الحلبة التي كانوا يحلبونها في ذلك الوقت ويسمونها العتمة ، ويشهد لهذا قوله : ( فإنها تعتم بحلاب الإبل ) .

الثامنة-روى ابن ماجه في سننه حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا إسماعيل بن عياش عن عمارة بن غزية عن أنس بن مالك عن عمر بن الخطاب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول : ( من صلى في جماعة أربعين ليلة لا تفوته الركعة الأولى من صلاة العشاء كتب الله بها عتقا من النار ) . وفي صحيح مسلم عن عثمان بن عفان قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل ومن صلى الفجر في جماعة فكأنما قام الليل كله ) . وروى الدارقطني في سننه عن سبيع أو تبيع عن كعب قال : من توضأ فأحسن الوضوء وصلى العشاء الآخرة وصلى بعدها أربع ركعات فأتم ركوعهن وسجودهن ويعلم ما يقترئ{[12064]} فيهن كن له بمنزلة ليلة القدر .


[12053]:كذا في ك. وهو الموجود.
[12054]:في تهذيب التهذيب: "قال ابن حبان اختلط في آخر عمره، فكان يقلب الأسانيد ويرفع المراسيل، ويأتي عن الثقات بما ليس من حديثهم. وقال البزار: كان أحد العباد، إلا أنه أصابه اختلاط فاضطرب حديثه...إلخ"
[12055]:زيادة عن سنن أبي داود. في ك: ولا نعمل بها.
[12056]:الحجال: جمع الحجلة (بالتحريك) وهو بيت كالقبة يستر بالثياب ويكون له أزرار كبار.
[12057]:كذا في ب. وفي ك وج و ا: يزيد. ولا وجه له.
[12058]:كذا في نسخ الأصل، وظاهر أن في العبارة سقطا.
[12059]:كذا في اللسان مادة "بيض". والذي في نسخ الأصل. أبو بيضات رائح أو مغتد*** عجلان ذا زاد وغير مزوّد وهذا البيت للنابغة الذبياني، وصواب إنشاده: أمن آل مية رائح أو مغتد*... ... ... إلخ.
[12060]:قوله: "أو الطوافات" يحتمل أن يكون على معنى الشك من الراوي. ويحتمل أن يكون صلى الله عليه وسلم قال ذلك، يريد أن هذا الحيوان لا يخلو أن يكون من جملة الذكور الطوافين أو الإناث الطوافات (عن الباجي).
[12061]:راجع ج 14 ص 147.
[12062]:راجع ج 1 ص 187.
[12063]:من ك.
[12064]:يقترئ بمعنى يقرأ.