تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{تِلۡكَ ٱلدَّارُ ٱلۡأٓخِرَةُ نَجۡعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فَسَادٗاۚ وَٱلۡعَٰقِبَةُ لِلۡمُتَّقِينَ} (83)

{ تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين( 83 ) من جاء بالحسنة فله خير منها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى الذين عملوا السيئات إلا ما كانوا يعملون( 84 ) }

المفردات :

علوا : استكبارا وقهرا وغلبة .

فسادا : ظلما للناس كما أراد فرعون وقارون .

العاقبة : المصير المحمود .

للمتقين : المراقبين لله .

83

التفسير :

83-{ تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين }

هذه الجنة والمنزلة العالية نجعلها للمؤمنين المستقيمين الأسوياء الذين يصبرون على البأساء ، ويشكرون على النعماء ، ويرضون بأسباب القضاء ، وإذا أعطاهم الله المال أو الجاه أو السلطان أنفقوا المال في سبيل الله ومرضاته ، ولم يستطيلوا به على عباد الله ، ولم يتخذوا المال ذريعة للفساد والعدوان والتعالي .

{ والعاقبة للمتقين }

أي : العاقبة الحسنة والتمكين في الأرض ، والرفعة في الدنيا ، والسعادة في الآخرة ، لمن اتقى الله وراقب مولاه ، ورضى بالحلال وزهد في الحرام ، ولم يكن مثل فرعون وقارون .

وتأتي هذه الآية بمثابة التعقيب على قصة قارون ، فقد غرّه ماله وتباهى به وتعالى ، وضنّ به على الفقراء والمساكين ، ثم خسف الله به وبداره الأرض ، فكان المال مصدر بؤس وشقاء له في الدنيا والآخرة ، أما من اتقى الله في ماله فوصل به رحمه وأنفق منه على المستحقين ، ولم يتطاول به على عباد الله فله سعادة الدنيا ، والنجاة في الآخرة ، ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إنه أوحي إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ، ولا يبغي أحد على أحد )xxxiv .

وروى مسلم ، وأبو داود ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر ) فقال رجل : إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ، ونعله حسنة ، فقال : ( إن الله جميل يحب الجمال ، الكبر بطر الحق ، وغمط الناس )xxxv .

وروى أبو هريرة : أنه جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان جميلا ، فقال : يا رسول الله ، إني رجل حبب إليّ الجمال ، وأعطيت منه ما ترى ، حتى ما أحبّ أن يفوقني أحد بشراك نعل ، أفمن ذلك ؟ قال : ( لا ، ولكن المتكبر من بطر الحق ، وغمط الناس ) .

وعن عدي بن حاتم قال : لما دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم ألقى إليّ وسادة ، وجلس على الأرض ، فقال : أشهد أنك لا تبغي علوا في الأرض ولا فسادا ، فأسلمxxxvi . أخرجه ابن مردويه .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{تِلۡكَ ٱلدَّارُ ٱلۡأٓخِرَةُ نَجۡعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فَسَادٗاۚ وَٱلۡعَٰقِبَةُ لِلۡمُتَّقِينَ} (83)

قوله تعالى : " تلك الدار الآخرة " يعني الجنة وقال ذلك على جهة التعظيم لها والتفخيم لشأنها يعني تلك التي سمعت بذكرها ، وبلغك وصفها " نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض " أي رفعة وتكبرا على الإيمان والمؤمنين " ولا فسادا " عملا بالمعاصي قاله ابن جريج ومقاتل . وقال عكرمة ومسلم البطين : الفساد أخذ المال بغير حق . وقال الكلبي الدعاء إلي غير عبادة الله . وقال يحيى بن سلام : هو قتل الأنبياء والمؤمنين . " والعاقبة للمتقين " قال الضحاك : الجنة . وقال أبو معاوية : الذي لا يريد علوا هو من لم يجزع من ذلها ، ولم ينافس في عزها ، وأرفعهم عند الله أشدهم تواضعا ، وأعزهم غدا ألزمهم لذل اليوم . وروى سفيان بن عيينة عن إسماعيل بن أبي خالد قال : مر علي بن الحسين وهو راكب على مساكين يأكلون كسرا لهم ، فسلم عليهم فدعوه إلى طعامهم ، فتلا هذه الآية : " تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا " ثم نزل وأكل معهم . ثم قال : قد أجبتكم فأجيبوني فحملهم إلي منزلة فأطعمهم وكساهم وصرفهم . خرجه أبو القاسم الطبراني سليمان بن أحمد قال : حدثنا عبدالله بن أحمد بن حنبل قال حدثني أبي ، قال حدثنا سفيان بن عيينة فذكره وقيل : لفظ الدار الآخرة يشمل الثواب والعقاب والمراد إنما ينتفع بتلك الدار من اتقى ، ومن لم يتق فتلك الدار عليه لا له ، لأنها تضره ولا تنفعه .