تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{لَّقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلَٰثَةٖۘ وَمَا مِنۡ إِلَٰهٍ إِلَّآ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۚ وَإِن لَّمۡ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (73)

التفسير :

73- لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ . . . الآية

لقد كفر الذين قالوا كذبا وزورا : إن الله واحد من آلهة ثلاثة ، والحق أنه ليس في هذا الوجود إله مستحق للعبادة والخضوع سوى إله واحد وهو الله رب العالمين .

جاء في التفسير الوسيط ما يأتي :

نصت الآية على الكفر من قال : إن الله ثالث ثلاثة .

والتثليت هو العقيدة السائدة بين الطوائف المسيحية ، حيث يطلقون على الله- سبحانه- لقب الأب ويشركون معه الابن وهو عيسى ، وروح القدس وهو جبريل .

لقد ادعو أن المسيح ابن الله ؛ لأنه ورد وصفه بهذا أربعا وأربعين مرة في العهد الجديد- وهو يضم الأناجيل الأربعة والرسائل الملحقة بها .

وهذا اللقب لم ينحصر في المسيح ولم يقتصر عليه ، بل أطلق على آدم وعلى إسرائيل ، وعلى داود ، وعلى الملائكة وعلى المؤمنين جميعا .

ومع هذا فقد ورد أيضا في العهد الجديد وصف المسيح بما يقرب من ضعفي هذا العدد بأنه ابن الإنسان وثمانية وسبعين مرة {[300]} .

وطبيعي أن هذين الوصفين يهدمان النبوة بمعنى الألوهية وإذا انهدمت النبوة فقد انهدمت تبعا لها الأبوة .

أما روح القدس : فهو جبريل عليه السلام ، وهو من الملائكة المقربين ، وهو بهذا من خلق الله وكلامهم فيه مضطرب مختل .

وأما كلمة التثليت : فقد اعترف كبار علماء اللاهوت- في قاموس الكتاب المقدس- أنها " لم ترد في الكتاب المقدس ، ويظن أن أول من صاغها واخترعها واستعملها ترتيليان في القرن الثاني للميلاد ، وقد خالفه كثيرون ولكن مجمع نيقية أقر التثليت سنة 325 ميلادية ، ثم استقر التثليت بعد ذلك عند الكنيسة المسيحية ، على يد أوغسطنيوس في القرن الخامس {[301]} .

ومن هنا يتضح أن التثليت نبت بعد المسيح عليه السلام بأكثر من ثلاثة قرون وربع القرن ، وأنه دخيل على المسيحية الحقة الموحدة .

وبهذا استحق القائلون به الحكم بالكفر الصريح ، وقال كبار الباحثين : إن التثليت تسرب إلى المسيحية من العقائد الوثنية الهندية القديمة .

وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ . والحق أنه لا يكمن عقلا أن يكون الإله إلا واحد .

أما تعدد الآلهة فهو وصم لها بالقصور والحاجة إلى الآخرين ، ولو كان كل واحد قادرا على ما يخلق الآخرون فما فائدة التعدد ، ولو كان كل واحد منهم عاجزا فلا يصلحون جميعا للألوهية ، وإن كان البعض قادرا والبعض عاجزا فالقادر هو الإله وحده .

وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ . أي : وإن لم يرجع هؤلاء الذين قالوا بالتثليت عن عقائدهم الزائفة وأقوالهم الفاسدة ، ويعتصموا بعروة التوحيد .

لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ . أي : ليصيبن الذين استمروا على الكفر منهم عذاب شديد . وهذه الجملة تحذير من الله تعالى لهم عن الاستمرار في هذا القول الكاذب ، والاعتقاد الفاسد الذي يتنافى مع الرأي السديد والفكر القويم .


[300]:راجع قاموس الكتاب المقدس: 109،108.
[301]:قاموس الكتاب المقدس 233،232.
 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{لَّقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلَٰثَةٖۘ وَمَا مِنۡ إِلَٰهٍ إِلَّآ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۚ وَإِن لَّمۡ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (73)

قوله تعالى : " لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة " أي أحد ثلاثة . ولا يجوز فيه التنوين ، عن الزجاج وغيره . وفيه للعرب مذهب آخر ، يقولون : رابع ثلاثة ، فعلى هذا يجوز الجر والنصب ؛ لأن معناه الذي صير الثلاثة أربعة بكونه منهم . وكذلك إذا قلت : ثالث اثنين ؛ جاز التنوين{[5816]} . وهذا قول فرق النصارى من الملكية{[5817]} والنسطورية واليعقوبية ؛ لأنهم يقولون أب وابن وروح القدس إله واحد ؛ ولا يقولون ثلاثة آلهة وهو معنى مذهبهم ، وإنما يمتنعون من العبارة وهي لازمة لهم . وما كان هكذا صح أن يحكى بالعبارة اللازمة ؛ وذلك أنهم يقولون : إن الابن إله والأب إله وروح القدس إله . وقد تقدم القول في هذا في ( النساء ){[5818]} فأكفرهم الله بقولهم هذا ، وقال{[5819]} " وما من إله إلا إله واحد " أي أن الإله لا يتعدد وهم يلزمهم القول بثلاثة آلهة كما تقدم ، وإن لم يصرحوا بذلك لفظا ؛ وقد مضى في ( البقرة ){[5820]} معنى الواحد . و( من ) زائدة . ويجوز في غير القرآن ( إلها واحدا ) على الاستثناء . وأجاز الكسائي الخفض على البدل .

قوله تعالى : " وإن لم ينتهوا " أي يكفوا عن القول بالتثليث ليمسنهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة .


[5816]:في ع: ثالث اثنين بالتنوين.
[5817]:كذا في الأصول وتقدم أنهم الملكانية.
[5818]:راجع ص 23 وما بعدها من هذا الجزء.
[5819]:من ج، ك، ع، هـ.
[5820]:راجع ج 2 ص 190.