تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَحَسِبُوٓاْ أَلَّا تَكُونَ فِتۡنَةٞ فَعَمُواْ وَصَمُّواْ ثُمَّ تَابَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡ ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٞ مِّنۡهُمۡۚ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِمَا يَعۡمَلُونَ} (71)

التفسير :

فتنة : الفتنة : الاختبار بالنار ، ومعناها هنا : العاب .

التفسير :

71- وَحَسِبُواْ أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُواْ وَصَمُّواْ . . .

فتنة . من الفتن وهو إدخال الذهب في النار لتظهر جودته . . والمراد بها هنا : الشدائد والمحن و المصائب التي تنزل بالناس .

فَعَمُواْ وَصَمُّواْ . من العمى الذي هو ضد الابصار و من الصمم الذي هو ضد السمع ، وقد استعيرهنا للإعراض عن دلائل الهدى والرشاد التي جاء بها الرسل .

والمعنى : لقد ظن اليهود أنهم لن يصبيهم بلاء بتكذيبهم للرسل وقتلهم لهم فأمنوا عقاب الله وتمادوا في فنون البغي والفساد ، وعموا وصموا عن دلائل الهدى والرشاد التي جاء بها الرسل واشتملت عليها الكتب السماوية .

ثُمَّ تَابَ اللّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ . أي : ثم تاب عليهم قبل توبتهم بعد أن رجعوا عما كانوا عليه من فساد ، ثم نكسوا على رءوسهم مرة أخرى فعادوا إلى فسادهم وضلالهم وعدوانهم على أنبيائهم إلا عددا قليلا منهم بقي على توبته وإيمانه .

وَاللّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ . أي : والله تعالى عليم بما يعملونه علم من يبصر كل شيء دون أن تخفى عليه خافية ، وسيجازيهم على أعمالهم بما يستحقونه من عذاب أليم .

وتفيذ الآية : أن فساد اليهود وعماهم وصممهم على الحق قد حصل مرتين ، واختلف المفسرون في المراد بهاتين المرتين على وجوه :

الأول : أنهم عموا وصموا في زمان زكريا ويحيي وعيسى ثم تاب الله عليهم حيث وفق بعضهم للإيمان ثم عموا وصموا كثير منهم في زمان محمد صلى الله عليه وسلم .

الثاني : أن العمى الأول كان في زمن بختصر البابلي ، وقد غزاهم سنة 606 قبل الميلاد ، ثم ساعدهم قورش ملك الفرس سنة 526 قبل الميلاد فعادوا لبلادهم وأعادوا بناء هيكلهم .

ثم عموا مرة ثانية ؛ فسلط الله عليهم الرومان بقيادة تيطس سنة 70م .

قال القفال {[298]} : ذكر الله تعالى في سورة الإسراء ما يجوز أن يكون تفسيرا لهذه الآية فقال : وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علو كبيرا . ( الإسراء : 41 ) .

قال الدكتور محمد سيد طنطاوي {[299]} بعد أن نقل عن الفخر الرازي آراء المفسرين ثم عقب قائلا :

" والذي نراه أن تحديد عماهم وصممهم وتوبتهم بزمان معين أو بجريمة أو جرائم معينة تابوا بعدها- هذا التحديد غير مقنع ، ولعل أحسن منه أن تقول :

إن القرآن الكريم يصور ما عليه بنو إسرائيل من صفات ذميمة وطبائع معوجة ، ومن نقص للعهود والمواثيق . . . فهم أخذ الله عليهم العهود فنقضوها ، وأرسل إليهم الرسل فاعتدوا عليهم ، وظنوا أن عدوانهم هذا شيء هين ولن يصيبهم بسببه عقاب دنيوي ، فلما أصابهم العقاب الدنيوي كالقحط والوباء والهزائم . . . بسبب مفاسدهم ؛ تابوا إلى الله فقبل الله توبتهم ورفع عنهم عقابه فعادوا إلى عماهم وصممهم- إلا قليلا منهم- وارتكبوا ما ارتكبوا من منكرات بتصميم وتكرار ، فأصابهم- سبحانه- بفتن لم يتب عليهم منها . .

وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ . ( العنكبوت : 40 ) .


[298]:نقلا عن تفسير الفخر الرازي 12/57.
[299]:تفسير سورة المائدة 310.
 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَحَسِبُوٓاْ أَلَّا تَكُونَ فِتۡنَةٞ فَعَمُواْ وَصَمُّواْ ثُمَّ تَابَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡ ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٞ مِّنۡهُمۡۚ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِمَا يَعۡمَلُونَ} (71)

قوله تعالى : " وحسبوا ألا تكون فتنة " المعنى : ظن هؤلاء الذين أخذ عليهم الميثاق أنه لا يقع من الله عز وجل ابتلاء واختبار بالشدائد ، اغترارا بقولهم : نحن أبناء الله وأحباؤه ، وإنما اغتروا بطول الإمهال . وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي " تكون " بالرفع ، ونصب الباقون ، فالرفع على أن حسب بمعنى علم وتيقن . و " أن " مخففة من الثقيلة ودخول " لا " عوض من التخفيف ، وحذف الضمير لأنهم كرهوا أن يليها الفعل وليس من حكمها أن تدخل عليه ؛ ففصلوا بينهما ( بلا ) . ومن نصب جعل " أن " ناصبة للفعل ، وبقي حسب على بابه من الشك وغيره . قال سيبويه : حسبت ألا يقول ذلك ، أي حسبت أنه قال ذلك . وإن شئت نصبت ، قال النحاس : والرفع عند النحويين في حسب وأخواتها أجود ، كما قال{[5811]} :

ألا زعمت بَسْبَاسَةُ اليومَ أنَّنِي *** كبرتُ وألا يشهدُ اللَّهْوَ أمثَالِي

وإنما صار الرفع أجود ؛ لأن حسب وأخواتها بمنزلة العلم لأنه{[5812]} شيء ثابت .

قوله تعالى : " فعموا " أي عن الهدى . " وصموا " أي عن سماع الحق ؛ لأنهم لم ينتفعوا بما رأوه ولا سمعوه . " ثم تاب الله عليهم " في الكلام إضمار ، أي أوقعت بهم الفتنة فتابوا فتاب الله عليهم بكشف القحط ، أو بإرسال محمد صلى الله عليه وسلم يخبرهم بأن الله يتوب عليهم إن آمنوا ، فهذا بيان " تاب الله عليهم " أي يتوب عليهم إن آمنوا وصدقوا لا أنهم تابوا على الحقيقة . " ثم عموا وصموا كثير منهم " أي عمي كثير منهم وصم بعد تبين الحق لهم بمحمد عليه الصلاة والسلام ، فارتفع " كثير " على البدل من الواو . وقال الأخفش سعيد : كما تقول رأيت قومك ثلثيهم . وإن شئت كان على إضمار مبتدأ أي العمي والصم كثير منهم . وإن شئت كان التقدير العمي والصم منهم كثير . وجواب رابع أن يكون على لغة من قال : ( أكلوني البراغيث ) وعليه قول الشاعر{[5813]} :

ولكن ديافيٌّ أبوه وأمه *** بِحَوْرَانَ يعصرن السليطَ أقَارِبُهْ

ومن هذا المعنى قوله : " وأسروا النجوى{[5814]} الذين ظلموا " [ الأنبياء : 3 ] . ويجوز في غير القرآن ( كثيرا ) بالنصب يكون نعتا لمصدر محذوف .


[5811]:البيت لامرئ القيس ويروى في ديوانه (ألا يحسن اللهو) وبسباسة امرأة من بني أسد.
[5812]:في ج و ع: في أنه.
[5813]:البيت للفرزدق يهجو عمرو بن عفراء. ودياف قرية بالشام، وقيل: بالجزيرة، وأهلها نبط الشام، والسلط: الزيت.
[5814]:راجع ج 11 ص 268.