تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى ٱلۡغَضَبُ أَخَذَ ٱلۡأَلۡوَاحَۖ وَفِي نُسۡخَتِهَا هُدٗى وَرَحۡمَةٞ لِّلَّذِينَ هُمۡ لِرَبِّهِمۡ يَرۡهَبُونَ} (154)

{ 154 – وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ } .

في هذا التعبير القرآني بلاغة وبيان ، كأن الغضب كان يغريه بالاندفاع إلى معاقبة أخيه وتسفيه قومه ، فلما هدأ غضبه وسكن ؛ عاد إلى طبيعته ، وكان موسى سريع الغضب ، سريع العودة إلى الهدوء ، فلما عرف من أخيه أنه لم يقصّر في أداء الرسالة ، وأن الموقف كان أعتى منه وأكبر ؛ هدأ غضبه ، وعاد إلى الألواح فأخذها وبدأ يقرؤها ويشرحها ، وفيها الهداية والتشريع والرحمة والفضل للمؤمنين .

جاء في ظلال القرآن :

" والتعبير القرآني يشخص الغضب فكأنما هو حي ، وكأنما هو مسلط على موسى يدفعه ويحركه . . . حتى إذا سكت عنه ، وتركه لشأنه ؛ عاد إلى نفيه ، فأخذ الألواح التي كان قد ألقاها بسبب دفع الغضب له وسيطرته عليه .

ثم يقرر السياق مرة أخرى إن في هذه الألواح هدى ورحمة لمن يخشون ربهم ويرهبونه . . .

ورهبة الله وخشيته ؛ هي التي تفتح القلوب للهدى ، وتوقظها من الغفلة ، وتهيئها للاستجابة والاستقامة إن الله خالق هذه القلوب ، هو الذي يقرر هذه الحقيقة ، ومن أعلم بالقلوب من رب القلوب ؟ ! 30 "

فقه الحياة أو الأحكام :

الحلم سيد الأخلاق ، فحينما هدأت نفس موسى وعاد إلى أناته وحلمه ، أخذ بتدارس الألواح ، فوجد فيها الرشاد والهداية ، لمن كان يخاف ربه ويخشى عقابه . . .

وتلك هي فترة الاستقرار في حياة موسى على ما يظهر لنا ، بعد أن مر بتقلبات وأحوال شديدة التأثير ، كاد بها يخسر إيمان قومه برسالته إلى الأبد ، لولا عودته إلى النصح والإرشاد بما ورد في هذه الألواح ، أو بما ورد في التوراة31 .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى ٱلۡغَضَبُ أَخَذَ ٱلۡأَلۡوَاحَۖ وَفِي نُسۡخَتِهَا هُدٗى وَرَحۡمَةٞ لِّلَّذِينَ هُمۡ لِرَبِّهِمۡ يَرۡهَبُونَ} (154)

قوله تعالى : " ولما سكت عن موسى الغضب " أي سكن . وكذلك قرأها معاوية بن قرة " سكن " بالنون . وأصل السكوت السكون والإمساك . يقال : جرى الوادي ثلاثا ثم سكن ، أي أمسك عن الجري . وقال عكرمة : سكت موسى عن الغضب ، فهو من المقلوب . كقولك : أدخلت الأصبع في الخاتم وأدخلت الخاتم في الأصبع . وأدخلت القلنسوة في رأسي ، وأدخلت رأسي في القلنسوة . " أخذ الألواح " التي ألقاها . " وفي نسختها هدى ورحمة " أي " هدى " من الضلالة ، " ورحمة " أي من العذاب . والنسخ : نقل ما في كتاب إلى كتاب آخر . ويقال للأصل الذي كتبت منه : نسخة ، وللفرع نسخة . فقيل : لما تكسرت الألواح صام موسى أربعين يوما ، فردت عليه وأعيدت له تلك الألواح في لوحين ، ولم يفقد منها شيئا . ذكره ابن عباس . قال القشيري : فعلى هذا " وفي نسختها " أي وفيما نسخ من الألواح المتكسرة ونقل إلى الألواح الجديدة هدى ورحمة . وقال عطاء : وفيما بقي منها . وذلك أنه لم يبق منها إلا سبعها ، وذهب ستة أسباعها . ولكن لم يذهب من الحدود والأحكام شيء . وقيل : المعنى " وفي نسختها " أي وفيما نسخ له منها من اللوح المحفوظ هدى . وقيل : المعنى وفيما كتب له فيها هدى ورحمة ، فلا يحتاج إلى أصل ينقل عنه . وهذا كما يقال : انسخ ما يقول فلان ، أي أثبته في كتابك .

قوله تعالى : " للذين هم لربهم يرهبون " أي يخافون . وفي اللام ثلاثة أقوال : قول الكوفيين هي زائدة . قال الكسائي : حدثني من سمع الفرزدق يقول : نقدت لها مائة درهم ، بمعنى نقدتها . وقيل : هي لام أجل ؛ المعنى : والذين هم من أجل ربهم يرهبون لا رياء ولا سمعة . عن الأخفش . وقال محمد بن يزيد : هي متعلقة بمصدر . المعنى : للذين هم رهبتهم لربهم . وقيل : لما تقدم المفعول حسن دخول اللام . كقوله : " إن كنتم للرؤيا تعبرون{[7388]} " [ يوسف : 43 ] . فلما تقدم المعمول وهو المفعول ضعف عمل الفعل فصار بمنزلة ما لا يتعدى .


[7388]:راجع ج 9 ص 198.