وليأخذوا حذرهم : وليكونوا متيقظين للعدو ، محترسين منه
فيميلون عليكم : فيهجمون عليكم .
ميلة واحدة : هجمة واحدة يقضون بها عليكم ، فلا يحتاجون بعدها إلى هجمة أخرى .
102-وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ . . . الآية
لما بين الله حكم القصر في السفر عند الخوف عقبه ببيان كيفية صلاة الخوف .
روى الدارقطني ، عن أبي عياش الزرقى ، قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعسفان ، فاستقبلنا المشركون عليهم خالد بن الوليد ، وهم بيننا وبين القبلة ، فصلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر . فقالوا : لقد كانوا على حال لو أصبنا غرتهم ، ثم قالوا : يأتي عليهم صلاة هي أحب إليهم من أبنائهم وأنفسهم ، قال : فنزل جبريل عليه السلام- بهذ ه الآية بين الظهر والعصر : وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ {[83]} .
ومعنى : وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ : إذا أردت أن تصلي بهم إماما ، فلتصل طائفة منهم معك ، بعد أن يجعلهم طائفتين ، ولتقف الطائفة الأخرى تجاه العدو ؛ لمراقبته ، وحراسة المسلمين منه . وليأخذوا أسلحتهم : أي : ولتأخذ الطائفة التي تصلي معك أسلحتهم ؛ ليتقوا بها العدو عند المفاجأة . فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ . أي : فإذا فرغت الطائفة التي تصلي معك من سجود الركعة الأولى ؛ فلينصرفوا للحراسة خلفكم . لْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ : أي : ولتأت الطائفة الأخرى التي كانت في مواجهة العدو للحراسة والمراقبة ، والتي لم تصل بعد ، فليصلوا معك الركعة الثانية ، وهي الأولى لهم .
وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ : أي : يجب أن يكونوا دائما متيقظين لمخادعات العدو ، وليأخذوا أسلحتهم معهم ؛ ليتقوه بها إن بادءوهم ؛ لأن الأعداء يتمنون أن ينالوا منكم غرة في صلاتكم ، فيحملوا عليكم حملة واحدة : منتهزين فرصة انشغالكم بالصلاة . كما قال تعالى : وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً : والأمتعة : ما يتمتع به المحارب من لوازمه في السفر .
والأمر هنا : للوجوب ؛ لقوله تعالى بعده :
وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ : أي : ولا إثم عليكم في أن تتركوا أسلحتكم عندما يكون بكم تأذ من المطر أو المرض . وهذه الرخصة لا تعطى إلا في حال العذر الذي بينه الله في الآية في قوله تعالى : وَخُذُواْ حِذْرَكُم . أي كونوا على حذر دائم ، وبخاصة في تلك الحالة التي وضعتم فيها أسلحتهم .
إِنَّ اللّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا : يهينهم ويخزيهم ويذلهم ، يتحقق بعضه على أيديكم بالنصر عليهم ؛ إذا اتبعتم النصيحة ، ونهضتم بالتكاليف ، و كنتم دائما على صلة بالله ، وفي موقف اليقظة والاستعداد بما تستطيعون من قوة ، ويتحقق بعضه الآخر بالعذاب الذي يلاقونه يوم القيامة من الله بسبب كفرهم ومحاربتهم أولياءه . فاهتموا بأموركم ولا تهملوا مباشرة الأسباب .
هذا نموذج من نماذج تأدية الصلاة في الميدان حين التربص والتهيؤ .
وقد دلت الآية على أهمية الصلاة وضرورتها ، وما للجماعة فيها من ميزة ومنزلة ، حتى في أشد حالات الخوف .
فالصلاة هي المدد الروحي الحافز للعزائم على النصر ؛ إذ هي صلة بالله رب العالمين ، القادر على كل شيء ، وهو مالك الأسباب جميعا للنصر وغيره . وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ . ( آل عمران : 126 )
فعلى المسلمين أن يحرصوا على أداء الصلوات ، استدرارا لعون الله . وفي الحروب الحديثة عليهم تأدية الصلاة بالكيفية التي تناسب وضعهم من العدو ، بحيث لا يعرض أمنهم للخطر .
وقد بين الشرع طريقتها في كل حال .
ومنها : أنه إذا التحم الجيشان ، فللجندي أن يصلي مستقبل القبلة أو غير مستقبلها ، وعلى أية كيفية ممكنة ولو بالإيماء .
وفي ذلك يقول الله تعالى : فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا . ( البقرة : 239 )
{ وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ } أي : صليت بهم صلاة تقيمها وتتم ما يجب فيها ويلزم ، فعلمهم ما ينبغي لك ولهم فعله .
ثم فسَّر ذلك بقوله : { فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ } أي : وطائفة قائمة بإزاء العدو كما يدل على ذلك ما يأتي : { فَإِذَا سَجَدُوا } أي : الذين معك أي : أكملوا صلاتهم وعبر عن الصلاة بالسجود ليدل على فضل السجود ، وأنه ركن من أركانها ، بل هو أعظم أركانها .
{ فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا } وهم الطائفة الذين قاموا إزاء العدو { فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ } ودل ذلك على أن الإمام يبقى بعد انصراف الطائفة الأولى منتظرا للطائفة الثانية ، فإذا حضروا صلى بهم ما بقي من صلاته ثم جلس ينتظرهم حتى يكملوا صلاتهم ، ثم يسلم بهم وهذا أحد الوجوه في صلاة الخوف .
فإنها صحت عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه كثيرة كلها جائزة ، وهذه الآية تدل على أن صلاة الجماعة فرض عين من وجهين :
أحدهما : أن الله تعالى أمر بها في هذه الحالة الشديدة ، وقت اشتداد الخوف من الأعداء وحذر مهاجمتهم ، فإذا أوجبها في هذه الحالة الشديدة فإيجابها في حالة الطمأنينة والأمن من باب أَوْلَى وأحرى .
والثاني : أن المصلين صلاة الخوف يتركون فيها كثيرا من الشروط واللوازم ، ويعفى فيها عن كثير من الأفعال المبطلة في غيرها ، وما ذاك إلا لتأكد وجوب الجماعة ، لأنه لا تعارض بين واجب ومستحب ، فلولا وجوب الجماعة لم تترك هذه الأمور اللازمة لأجلها .
وتدل الآية الكريمة على أن الأولى والأفضل أن يصلوا بإمام واحد . ولو تضمن ذلك الإخلال بشيء لا يخل به لو صلوها بعدة أئمة ، وذلك لأجل اجتماع كلمة المسلمين واتفاقهم وعدم تفرق كلمتهم ، وليكون ذلك أوقع هيبة في قلوب أعدائهم ، وأمر تعالى بأخذ السلاح والحذر في صلاة الخوف ، وهذا وإن كان فيه حركة واشتغال عن بعض أحوال الصلاة فإن فيه مصلحة راجحة وهو الجمع بين الصلاة والجهاد ، والحذر من الأعداء الحريصين غاية الحرص على الإيقاع بالمسلمين والميل عليهم وعلى أمتعتهم ، ولهذا قال تعالى : { وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً }
ثم إن الله عذر من له عذر من مرض أو مطر أن يضع سلاحه ، ولكن مع أخذ الحذر فقال : { وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا }
ومن العذاب المهين ما أمر الله به حزبه المؤمنين وأنصار دينه الموحدين من قتلهم وقتالهم حيثما ثقفوهم ، ويأخذوهم ويحصروهم ، ويقعدوا لهم كل مرصد ، ويحذروهم في جميع الأحوال ، ولا يغفلوا عنهم ، خشية أن ينال الكفار بعض مطلوبهم فيهم .
فلله أعظم حمد وثناء على ما مَنَّ به على المؤمنين ، وأيَّدَهم بمعونته وتعاليمه التي لو سلكوها على وجه الكمال لم تهزم لهم راية ، ولم يظهر عليهم عدو في وقت من الأوقات .
وفي قوله : { فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ } يدل على أن هذه الطائفة تكمل جميع صلاتها قبل ذهابهم إلى موضع الحارسين . وأن الرسول صلى الله عليه وسلم يثبت منتظرا للطائفة الأخرى قبل السلام ، لأنه أولا ذكر أن الطائفة تقوم معه ، فأخبر عن مصاحبتهم له . ثم أضاف الفعل بعْدُ إليهم دون الرسول ، فدل ذلك على ما ذكرناه .
وفي قوله : { وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ } دليل على أن الطائفة الأولى قد صلوا ، وأن جميع صلاة الطائفة الثانية تكون مع الإمام حقيقة في ركعتهم الأولى ، وحكما في ركعتهم الأخيرة ، فيستلزم ذلك انتظار الإمام إياهم حتى يكملوا صلاتهم ، ثم يسلم بهم ، وهذا ظاهر للمتأمل .
{ وإذا كنت فيهم } الآية في صلاة الخوف ، وظاهرها يقتضي أنها لا تصلى بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه شرط كونه فيهم ، وبذلك قال أبو يوسف ، وأجازها الجمهور بعده صلى الله عليه وسلم ، لأنهم رأوا أن الخطاب له يتناول أمته ، وقد فعلها الصحابة بعده صلى الله عليه وسلم ، واختلف الناس في صلاة الخوف على عشرة أقوال ، لاختلاف الأحاديث فيها ، ولسنا نضطر إلى ذكرها فإن تفسيرها لا يتوقف على ذلك ، وكانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم لصلاة الخوف في غزوة ذات الرقاع .
{ فلتقم طائفة منهم معك } يقسم الإمام المسلمين على طائفتين فيصلي بالأولى نصف الصلاة ، وتقف الأخرى تحرس ثم يصلى بالثانية بقية الصلاة وتقف الأولى تحرس ، واختلف هل تتم كل طائفة صلاتها وهو مذهب الجمهور ، أم لا ؟ وعلى القول بالإتمام : اختلف هل يتمونها في أثر صلاتهم مع الإمام أو بعد ذلك .
{ وليأخذوا أسلحتهم } اختلفوا في المأمور بأخذ الأسلحة ، فقيل : الطائفة المصلية وقيل : الحارسة والأول أرجح ، لأنه قد قال بعد ذلك في الطائفة الأخرى : وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ، ويدل ذلك على أنهم إن قوتلوا وهم في الصلاة : جاز لهم أن يقاتلوا من قاتلهم ، وإلا لم يكن لأخذ الأسلحة معنى إذا لم يدفعوا بها من قاتلهم .
{ فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم } الضمير في قوله :{ فإذا سجدوا } للمصلين ، والمعنى إذا سجدوا معك في الركعة الأولى ، وقيل : إذا سجدوا في ركعة القضاء ، والضمير في قوله :{ فليكونوا من ورائكم } : يحتمل أن يكون للذين سجدوا : أي إذا سجدوا فليقوموا وليرجعوا وراءكم ، وعلى هذا إن كان السجود في الركعة الأولى فيقتضي ذلك أنهم يقومون للحرابة بعد انقضاء الركعة الأولى ، ثم يحتمل بعد ذلك أن يقضوا بقية صلاتهم أو لا يقضونها ، وإن كان السجود في ركعة القضاء ، فيقتضي ذلك أنهم لا يقومون للحراسة إلا بعد القضاء ، وهو مذهب مالك والشافعي ، ويحتمل أن يكون الضمير في قوله :{ فليكونوا } للطائفة الأخرى أن يقفوا وراء المصلين يحرسونهم .
{ ولتأت طائفة أخرى } يعني الطائفة الحارسة { ود الذين كفروا } الآية : إخبار عما جرى في غزوة ذات الرقاع ، من عزم الكفار على الإيقاع بالمسلمين إذا اشتغلوا بصلاتهم ، فنزل جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم ، وأخبره بذلك ، وشرعت صلاة الخوف حذرا من الكفار ، وفي قوله :{ ميلة واحدة } : مبالغة أي مفاضلة لا يحتاج منها إلى ثانية .
{ ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر } الآية : نزلت بسبب عبد الرحمن بن عوف ، كان مريضا فوضع سلاحه فعنفه بعض الناس ، فرخص الله في وضع السلاح في حال المرض والمطر ، ويقاس عليهما كل عذر يحدث في ذلك الوقت .
{ إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا } إن قيل : كيف طابق الأمر بالحذر للعذاب المهين ؟ فالجواب أن الأمر بالحذر من العدو : يقتضي توهم قوتهم وعزتهم ، فنفى ذلك الوهم بالإخبار أن الله يهينهم ولا ينصرهم لتقوى قلوب المؤمنين ، قال ذلك الزمخشري وإنما يصح ذلك إذا كان العذاب المهين في الدنيا ، والأظهر أنه في الآخرة .