تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{هَلۡ يَنظُرُونَ إِلَّآ أَن تَأۡتِيَهُمُ ٱلۡمَلَـٰٓئِكَةُ أَوۡ يَأۡتِيَ رَبُّكَ أَوۡ يَأۡتِيَ بَعۡضُ ءَايَٰتِ رَبِّكَۗ يَوۡمَ يَأۡتِي بَعۡضُ ءَايَٰتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفۡسًا إِيمَٰنُهَا لَمۡ تَكُنۡ ءَامَنَتۡ مِن قَبۡلُ أَوۡ كَسَبَتۡ فِيٓ إِيمَٰنِهَا خَيۡرٗاۗ قُلِ ٱنتَظِرُوٓاْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ} (158)

المفردات :

ينظرون : ينتظرون .

التفسير :

هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة . . . الآية .

أي : ماذا ينتظر هؤلاء المشركون بعد أن قدمنا لهم كل الدلائل والبينات الداعية إلى الإيمان .

إنهم سيظلون في غيهم إلى أن تنزل عليهم ملائكة الموت فتقبض أرواحهم .

أو يأتي ربك . يوم القيامة ؛ لفصل القضاء بينهم .

أو يأتي بعض آيات ربك .

أي : أمارات الساعة الدالة على مجيئها .

أو المراد : الآيات والمعجزات التي اقترحوها على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلمكما ورد في قوله تعالى : وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا * أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا * أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلا * أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن برقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا . ( الإسراء : 90 –93 ) .

والراجح أن المراد بآيات الله هنا : هو العلامات الصغرى والكبرى ليوم القيامة .

قال أبو السعود في تفسير الآية : وقيل إن المراد . بإتيانه تعالى : إتيان كل آياته بمعنى : آيات القيامة ، والهلاك الكلي بقرينة ما بعده من إتيان بعض آياته تعالى على أن المراد به :

أشراط الساعة التي هي الدخان ، ودابة الأرض ، وخسف بالمشرق ، وخسف بالمغرب ، وخسف بجزيرة العرب ، والدجال ، وطلوع الشمس من مغربها ، ويأجوج ومأجوج ، ونزول عيسى عليه السلام ، ونار تخرج من عدن ، كما نطق به الحديث الشريف المشهور ( 17 ) .

يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفس إيمانها إن لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا .

أي : عند مجيء أشراط الساعة وعلاماتها ، يذهب التكليف فلا ينفع الإيمان حينئذ نفسا كافرة ، لم تكن آمنت قبل ظهورها ، ولا ينفع العمل الصالح نفسا مؤمنة تعمله عند ظهور هذه الأشراط ؛ لأن وقت التكليف الاختياري قد فات . ووجود الإنسان في هذه الدنيا أساسه الاختيار والابتلاء والامتحان . فإذا عمل في مرحلة التكليف الاختياري قبل عمله ، أما إذا عمل بعد ظهور علامات الموت أو علامات القيامة فلا يقبل منه .

من كلام المفسرين

قال الطبري :

معنى الآية : لا ينفع كافرا لم يكن آمن قبل الطلوع – أي : طلوع الشمس من مغربها – إيمان بعد الطلوع ، ولا ينفع مؤمنا لم يكن عمل صالحا قبل الطلوع عمل بعد الطلوع ؛ لأن حكم الإيمان والعمل الصالح حينئذ . حكم من آمن أو عمل عند الغرغرة ، وذلك لا يفيد شيئا ، كما قال تعالى : فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا . ( غافر : 85 ) .

وكما ثبت في الحديث الصحيح : ( إن الله قبل توبة العبد ما لم يغرغر ) . وقال الشوكاني في فتح القدير :

يوم يأتي بعض آيات ربك . يوم تأتي الآيات التي اقترحوها ، وهي التي تضطرهم إلى الإيمان ، كطلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة التي تكلمهم .

لا ينفع نفس إيمانها . لارتفاع التكليف بذلك ؛ لأن الكل يرون الحق رأي العين فيؤمنون جميعا ، فلا ينفعهم حينئذ الإيمان .

لم تكن آمنت من قبل . أي : من قبل مجيء بعض الآيات فأما التي قد كانت آمنت من قبل مجيء بعض الآيات ؛ فإيمانها ينفعها .

أو كسبت في إيمانها خيرا .

بعمل صالح قدمته ، فمن آمن من قبل فقط ولم يكسب خيرا في إيمانه أو كسب خيرا ولم يؤمن ؛ فإن ذلك غير نافعة .

قال رسوا الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها ، فإذا طلعت ورآها الناس أمنوا أجمعون ، فذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها – ثم قرأ الآية - ) ( 18 ) .

قل انتظروا إنا منتظرون .

وهذا تهديد للمشركين .

أي : قل لهم يا محمد : انتظروا ما تنتظرونه من إتيان الأمور الثلاثة وهي : ( الملائكة ، أو ربك ، أو بعض آيات ربك ) لتروا أي شيء تنتظرون ، فإنا منتظرون معكم ؛ لنشاهد ما يحل بكم من سوء العاقبة .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{هَلۡ يَنظُرُونَ إِلَّآ أَن تَأۡتِيَهُمُ ٱلۡمَلَـٰٓئِكَةُ أَوۡ يَأۡتِيَ رَبُّكَ أَوۡ يَأۡتِيَ بَعۡضُ ءَايَٰتِ رَبِّكَۗ يَوۡمَ يَأۡتِي بَعۡضُ ءَايَٰتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفۡسًا إِيمَٰنُهَا لَمۡ تَكُنۡ ءَامَنَتۡ مِن قَبۡلُ أَوۡ كَسَبَتۡ فِيٓ إِيمَٰنِهَا خَيۡرٗاۗ قُلِ ٱنتَظِرُوٓاْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ} (158)

{ 158 } { هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ }

يقول تعالى : هل ينظر هؤلاء الذين استمر ظلمهم وعنادهم ، { إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ } مقدمات العذاب ، ومقدمات الآخرة بأن تأتيهم { الْمَلَائِكَةِ } لقبض أرواحهم ، فإنهم إذا وصلوا إلى تلك الحال ، لم ينفعهم الإيمان ولا صالح الأعمال . { أَوْ يَأْتِيَ

رَبُّكَ } لفصل القضاء بين العباد ، ومجازاة المحسنين والمسيئين . { أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ } الدالة على قرب الساعة .

{ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ } الخارقة للعادة ، التي يعلم بها أن الساعة قد دنت ، وأن القيامة قد اقتربت . { لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا } أي : إذا وجد بعض آيات الله لم ينفع الكافر إيمانه أن آمن ، ولا المؤمنَ المقصر أن يزداد خيرُه بعد ذلك ، بل ينفعه ما كان معه من الإيمان قبل ذلك ، وما كان له من الخير المرجوِّ قبل أن يأتي بعض الآيات .

والحكمة في هذا ظاهرة ، فإنه إنما كان الإيمان ينفع إذا كان إيمانا بالغيب ، وكان اختيارا من العبد ، فأما إذا وجدت الآيات صار الأمر شهادة ، ولم يبق للإيمان فائدة ، لأنه يشبه الإيمان الضروري ، كإيمان الغريق والحريق ونحوهما ، ممن إذا رأى الموت ، أقلع عما هو فيه كما قال تعالى : { فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ }

وقد تكاثرت الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن المراد ببعض آيات الله ، طلوع الشمس من مغربها ، وأن الناس إذا رأوها ، آمنوا ، فلم ينفعهم إيمانهم ، ويُغلق حينئذ بابُ التوبة .

ولما كان هذا وعيدا للمكذبين بالرسول صلى الله عليه وسلم ، منتظرا ، وهم ينتظرون بالنبي صلى الله عليه وسلم وأتباعه قوارع الدهر ومصائب الأمور ، قال : { قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ } فستعلمون أينا أحق بالأمن .

وفي هذه الآية دليل لمذهب أهل السنة والجماعة في إثبات الأفعال الاختيارية لله تعالى ، كالاستواء والنزول ، والإتيان لله تبارك وتعالى ، من غير تشبيه له بصفات المخلوقين .

وفي الكتاب والسنة من هذا شيء كثير ، وفيه أن من جملة أشراط الساعة طلوع الشمس من مغربها . وأن الله تعالى حكيم قد جرت عادته وسنته ، أن الإيمان إنما ينفع إذا كان اختياريا لا اضطراريا ، كما تقدم .

وأن الإنسان يكتسب الخير بإيمانه . فالطاعة والبر والتقوى إنما تنفع وتنمو إذا كان مع العبد الإيمان . فإذا خلا القلب من الإيمان لم ينفعه شيء من ذلك .

 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{هَلۡ يَنظُرُونَ إِلَّآ أَن تَأۡتِيَهُمُ ٱلۡمَلَـٰٓئِكَةُ أَوۡ يَأۡتِيَ رَبُّكَ أَوۡ يَأۡتِيَ بَعۡضُ ءَايَٰتِ رَبِّكَۗ يَوۡمَ يَأۡتِي بَعۡضُ ءَايَٰتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفۡسًا إِيمَٰنُهَا لَمۡ تَكُنۡ ءَامَنَتۡ مِن قَبۡلُ أَوۡ كَسَبَتۡ فِيٓ إِيمَٰنِهَا خَيۡرٗاۗ قُلِ ٱنتَظِرُوٓاْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ} (158)

{ هل ينظرون } الآية تقدمت نظيرتها في البقرة { بعض آيات ربك } أشراط الساعة كطلوع الشمس من مغربها فحينئذ لا يقبل إيمان كافر ولا توبة عاص ، فقوله : { لا ينفع نفسا إيمانها } : يعني أن إيمان الكافر لا ينفعه حينئذ . وقوله : { أو كسبت في إيمانها خيرا } : يعني أن من كان مؤمنا ولم يكسب حسنات قبل ظهور تلك الآيات ، ثم تاب إذا ظهرت : لم ينفعه لأن باب التوبة يغلق حينئذ .

{ قل انتظروا } وعيد .