تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{لَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ فَقَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥٓ إِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٖ} (59)

التفسير :

لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم .

تمهيد :

سورة الأعراف مكية حافلة بالدعوة إلى الله ، وإنذار المكذبين ، وسوق الأدلة الباهرة على مظاهر القدرة الإلهية ، وقد تفننت في طرق هذه الدعوة . وفيما سبق من آيات لفتت الأنظار إلى آثار رحمة الله ، في خلق الكون وإعمار الأرض ، وإرسال الرسل ، وتسخير السحاب والمطر ، وهداية من عنده استعداد للهداية .

وفي الأجزاء الباقية من السورة تتحدث عن رسالات الأنبياء السابقين ، حديثا وسطا بين الإيجاز والإسهاب ، فتتحدث عن رسل الله نوح ، وهود ، وصالح ، ولوط ، وشعيب ، ثم تتحدث حديثا طويلا عن موسى وجهاده مع بني إسرائيل .

والقصص في القرآن الكريم يخدم فكرة السورة ، ويؤكدها ، ويعرضها بطريق آخر ، هو طريق لفت النظر إلى القدوة والأسوة ، فإذا كذب قوم نوح نوحا ثم أصابهم الطوفان بالغرق ، فإن هذه رسالة موجهة إلى أهل مكة تدعوهم إلى الإيمان ، وتحذرهم عاقبة الكفر والطغيان .

كذلك في هذا القصص مواساة للرسول وللمؤمنين ، وبيان أنم طريق الدعوات حافل بالمخاطر والتضحيات ، ولكن العاقبة للمتقين ، والهلاك للظالمين ، ففي سائر هذا القصص ينجى الله الرسل ويهلك المكذبين .

قال تعالى : حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجى من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجريمن . ( يوسف : 110 )

لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره . . . . . . . الآية .

نوح عليه السلام أول الرسل إلى أهل الأرض بعد آدم ، وكان بأرض العراق ، وقيل : إن إدريس قبل نوح .

وكان قوم نوح يعبدون الأصنام فأرسل الله إليهم نوحا ؛ ليدلهم على طريق الرشاد .

جاء في تفسير ابن كثير لهذه الآيات : قال عبد الله بن عباس وغير واحد من علماء التفسير : كان أول ما عبدت الأصنام : أن قوما صالحين ماتوا ، فبنى قومهم عليهم مساجد ، وصوروا صورا أولئك الصالحين فيها ؛ ليتذكروا حالهم وعبادتهم ، فيتشبهوا بهم ، فلما طال الزمان جعلوا أجسادا على تلك الصور ، فلما تمادى الزمان عبدوا تلك الأصنام ، وسموها بأسماء أولئك الصالحين : ودا ، وسواعا ، ويغوث ، ويعوق ، ونسرا .

فلما تفاقم الأمر : بعث الله – تعالى – رسوله نوحا فأمرهم بعبادة الله وحده لا شريك له . اه .

وقد عرضت قصة نوح في عدد من السور التي عرضت لذكر الأنبياء ، كما ذكر في سورة خاصة به وقد ذكر نوح في القرآن في ثلاثة وأربعين موضعا . فهو نموذج لدعوة طويلة .

جاء في تفسير أبي السعود ما يأتي :

ونوح هو ابن لمك بن متوشلح بن أخنوخ وهو إدريس النبي عليهما السلام .

قال ابن عباس : بعث نوح على رأس أربعين سنة من عمره ولبث يدعو قومه 950 سنة وعاش بعد الطوفان 250 سنة فكان عمره 1240 ألفا ومائتين وأربعين سنة .

وقد افتن نوح في عرض أدلة التوحيد ، بيد أن قومه احتجوا عليه بأن أتباعه من الفقراء والأراذل ، واشترطوا عليه أن يبعد الفقراء والسوقة من الناس إن أراد أن يدخل الأغنياء والعظماء في دعوته ، ولكن نوحا شرح لهم أن هداية السماء عامة للناس ، وبأي وجه يطرد الفقراء بعد أن آمنوا بالله واتبعوا هدى السماء ؟ .

فقال قومه : يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين . ( هو : 32 ) .

ودعا نوح ربه أن يهلك الكافرين ، فأمره الله أن يصنع سفينة النجاة ، وأن يحمل معه من كل زوجين اثنين ، كما يحمل معه من آمن به ، وكان عدد المؤمنين قليل ( قيل : كانوا أربعين رجلا وأربعين امرأة ، وقيل تسعة : أبناؤه الثلاثة وستة ممن آمن به ) ( 65 ) .

ولما جاء الطوفان أغرق الله الكافرين ونجى الله نوحا ومن معه من المؤمنين .

لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره .

أرسل الله نوحا إلى قومه وعشيرته وأقاربه ومن يقيم بينهم ، فقد يقيم الرجل بينهم الأجانب فيسميهم قومه مجازا للمجاورة .

فدعاهم نوح إلى عبادة الله وحده فهو سبحانه المستحق للعبادة وليس هناك إله سواه .

أي : اعبدوه ؛ لأنه لم يكن لكم إله غيره حتى يستحق منكم أن يكون معبودا .

إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم .

أي : إن لم تعبدوه ؛ أخاف عليكم عذاب يوم القيامة ، أو عذاب يوم الطوفان .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{لَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ فَقَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥٓ إِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٖ} (59)

{ 59 - 64 } { لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ }{[313]}

إلى آخر القصة  لما ذكر تعالى من أدلة توحيده جملة صالحة ، أيد ذلك بذكر ما جرى للأنبياء الداعين إلى توحيده مع أممهم المنكرين لذلك ، وكيف أيد اللّه أهل التوحيد ، وأهلك من عاندهم ولم يَنْقَدْ لهم ، وكيف اتفقت دعوة المرسلين على دين واحد ومعتقد واحد ، فقال عن نوح - أول المرسلين - : { لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ } يدعوهم إلى عبادة اللّه وحده ، حين كانوا يعبدون الأوثان { فَقَالَ } لهم : { يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ } أي : وحده { مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ } لأنه الخالق الرازق المدبِّر لجميع الأمور ، وما سواه مخلوق مدبَّر ، ليس له من الأمر شيء ، ثم خوفهم إن لم يطيعوه عذاب اللّه ، فقال : { إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } وهذا من نصحه عليه الصلاة والسلام وشفقته عليهم ، حيث خاف عليهم العذاب الأبدي ، والشقاء السرمدي ، كإخوانه من المرسلين الذين يشفقون على الخلق أعظم من شفقة آبائهم وأمهاتهم ، فلما قال لهم هذه المقالة ، ردوا عليه أقبح رد .


[313]:- في ب: ذكر الآيات كاملة.
 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{لَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ فَقَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥٓ إِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٖ} (59)

{ من إله غيره } قرأ الكسائي بالخفض حيث وقع على اللفظ ، وقرأ غيره بالرفع على الموضع .

{ عذاب يوم عظيم } يعني يوم القيامة أو يوم هلاكهم .