تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{إِنَّمَآ أُمِرۡتُ أَنۡ أَعۡبُدَ رَبَّ هَٰذِهِ ٱلۡبَلۡدَةِ ٱلَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُۥ كُلُّ شَيۡءٖۖ وَأُمِرۡتُ أَنۡ أَكُونَ مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ} (91)

ختام سورة النمل

{ إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وله كل شيء وأمرت أن أكون من المسلمين( 91 ) وأن أتلوا القرآن فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فقل إنما أنا من المنذرين( 92 ) وقل الحمد لله سيريكم آياته فتعرفونها وما ربك بغافل عما تعملون( 93 ) }

المفردات :

هذه البلدة : المراد بها مكة .

من المسلمين : من المنقادين لملة التوحيد .

التفسير :

91-{ إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة التي حرمها وله كل شيء وأمرت أن أكون من المسلمين }

تأتي هذه الآيات في ختام السورة فتلخص الفكرة الإسلامية ، والدعوة المحمدية ، في الدعوة إلى إخلاص الوجه لله تعالى وحده لا شريك له ، مع العناية بإخلاص العبادة لله ، والبعد عن الشرك وعبادة الأوثان ، وكان العرب يقيمون في مكة ، ويشاهدون حرمتها وأهميتها ، والله تعالى يذكرهم بفضله عليهم ، في تيسير الأمن والأمان لهم ، فلماذا لا يعبدونه سبحانه وتعالى ؟

ومعنى الآية :

لقد أمرني الله تعالى أن أعبده وحده لا شريك له ، فهو ربنا ورب كل شيء ومليكه ، وهو رب مكة البلد الحرام الذي حرّم مكة ، وحرم العدوان فيها ، وجعلها حرما آمنا ، والله تعالى له كل شيء في الكون ، خلقا وإيجادا ورعاية وحفظا ، فبيده سبحانه ملكوت السماوات والأرض ، وفي آية الكرسي : { وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يئوده حفظهما وهو العلي العظيم } [ البقرة : 255 ] .

{ وأمرت أن أكون من المسلمين } .

الذين أسلموا وجوههم لله ، وانقادوا لشريعة الإسلام مخلصين لله ، راغبين في ثوابه ، راهبين من عقابه .

قال تعالى : { قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين*وأمرت لأن أكون أول المسلمين } [ الزمر : 11 ، 12 ] .

وقال تعالى : { قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين* قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين*لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين*قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون } [ الأنعام : 161-164 ] .

ومن مأثور الدعاء : " اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت عليك توكلت ، وأنت رب العرش العظيم ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ، أعلم أن الله على كل شيء قدير ، وأن الله قد أحاط بكل شيء علما ، وأحصى كل شيء عددا " .

في معنى الآية :

قال تعالى : { أو لم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا ولكن أكثرهم لا يعلمون } [ القصص : 75 ] .

وقال سبحانه وتعالى : { لإيلاف قريش*إيلافهم رحلة الشتاء والصيف*فليعبدوا رب هذا البيت* الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف } [ قريش : 1-4 ] .

وجاء في الصحيحين ، عن ابن عباس ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم فتح مكة : ( إن هذا البلد حرّمه الله يوم خلق السماوات والأرض ، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة ، لا يعضد شوكه ، ولا ينفر صيده ، ولا تلتقط لقطته إلا من عرفها ، ولا يختلى خلاها )28 .

وقال تعالى : { أو لم يروا أنا جعلنا حراما آمنا ويتخطف الناس من حولهم أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله يكفرون } [ العنكبوت : 67 ]

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{إِنَّمَآ أُمِرۡتُ أَنۡ أَعۡبُدَ رَبَّ هَٰذِهِ ٱلۡبَلۡدَةِ ٱلَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُۥ كُلُّ شَيۡءٖۖ وَأُمِرۡتُ أَنۡ أَكُونَ مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ} (91)

أي : قل لهم يا محمد { إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ } أي : مكة المكرمة التي حرمها وأنعم على أهلها فيجب أن يقابلوا ذلك بالشكر والقبول . { وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ } من العلويات والسفليات أتى به لئلا يتوهم اختصاص ربوبيته بالبيت وحده . { وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ } {[598]} أي : أبادر إلى الإسلام ، وقد فعل صلى الله عليه وسلم فإنه أول هذه الأمة إسلاما وأعظمها استسلاما .


[598]:- سبق قلم الشيخ -رحمه الله- فكتب: (وأمرت أن اكون أول المسلمين) وعلى هذا فسر الآية.
 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{إِنَّمَآ أُمِرۡتُ أَنۡ أَعۡبُدَ رَبَّ هَٰذِهِ ٱلۡبَلۡدَةِ ٱلَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُۥ كُلُّ شَيۡءٖۖ وَأُمِرۡتُ أَنۡ أَكُونَ مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ} (91)

قوله تعالى : " إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها " يعني مكة التي عظم الله حرمتها ، أي جعلها حرما آمنا ، لا يسفك فيها دم ، ولا يظلم فيها أحد ، ولا يصاد فيها صيد ، ولا يعضد فيها شجر ، على ما تقدم بيانه في غير موضع . وقرأ ابن عباس : " التي حرمها " نعتا للبلدة وقراءة الجماعة " الذي " وهو في موضع نصب نعت ل " رب " ولو كان بالألف واللام لقلت المحرِّمِها ؛ فإن كانت نعتا للبلدة قلت المحرمة هو ، لا بد من إظهار المضمر مع الألف واللام ؛ لأن الفعل جرى على غير من هو له ، فإن قلت الذي حرمها لم تحتج أن تقول هو . " وله كل شيء " خلقا وملكا " وأمرت أن أكون من المسلمين " أي من المنقادين لأمره ، الموحدين له

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{إِنَّمَآ أُمِرۡتُ أَنۡ أَعۡبُدَ رَبَّ هَٰذِهِ ٱلۡبَلۡدَةِ ٱلَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُۥ كُلُّ شَيۡءٖۖ وَأُمِرۡتُ أَنۡ أَكُونَ مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ} (91)

ولما أتم الدين بذكر الأصول الثلاثة : المبدأ والمعاد والنبوة ، ومقدمات القيامة وأحوالها ، وبعض صفتها وما يكون من أهوالها ، وذلك كمال ما يتعلق بأصول الدين على وجوه مرغبة أتم ترغيب ، مرهبة أعظم ترهيب ، أوجب هذا الترغيب والترهيب لكل سامع أن يقول : فما الذي نعمل ومن نعبد ؟ فأجابه المخاطب بهذا الوحي . المأمور بإبلاغ هذه الجوامع ، الداعي لمن سمعه ، الهادي لم اتبعه ، بأنه لا يرضى له ما رضي لنفسه ، وهو ما أمره به ربه ، فقال : { إنما أمرت } أي بأمر من لا يرد له أمر ، ولا يعد أن يكون بدلاً من قوله { الحمد لله وسلام على عباده الذين اصصفى } فيكون محله نصباً بقل ، وعظم المأمور به بإحلاله محل العمدة فقال : { أن أعبد } أي بجميع ما أمركم به { رب } أي موجب ومدبر وملك ؛ وعين المراد وشخصه وقربة تشريفاً وتكريماً بقوله : { هذه البلدة } أي مكة التي تخرج الدابة منها فيفزع كل من يراها ، ثم تؤمن أهل السعادة ، أخصه بذلك لا أعبد شيئاً مما عدلتموه به سبحانه وادعيتم أنهم شركاء ، وهم من جملة ما خلق ؛ ثم وصف المعبود الذي أمر بعبادة أحد غيره بما يقتضيه وصف الربوبية ، وتعين البلدة التي أشار إليها بأداة القرب لحضورها في الأذهان لعظمتها وشدة الإلف بها وإرادتها بالأرض التي تخرج الدابة منها ، فصارت لذلك بحيث إذا أطلقت البلدة انصرفت إليها وعرف أنها مكة ، فقال : { الذي حرمها } تذكيراً لهم بنعمته سبحانه عليهم وتربيته لهم بأن أسكنهم خير بلاده ، وجعلهم بذلك مهابة في قلوب عباده ، بما ألقى في القلوب من أنها حرم ، لا يسفك بها دم ، ولا يظلم أحد ، ولا يباح بها صيد ، ولا يعضد شجرها ، وخصها بذلك من بين سائر بلاده والناس يتخطفون من حولهم وهم آمنون لا ينالهم شيء من فزعهم وهولهم .

ولما كانت إضافتها إليه إنما هي لمحض التشريف ، قال احتراساً عما لعله يتوهم : { وله كل شيء } أي من غيرها مما أشركتموه به وغيره خلقاً وملكاً وملكاً ، وليس هو كالملوك الذين ليس لهم إلا ما حموه على غيرهم .

ولما كانوا ربما قالوا : ونحن نعبده بعبادة من نرجوه يقربنا إليه زلفى ، عين الدين الذي تكون به العبادة فقال : { وأمرت } أي مع الأمر بالعبادة له وحده ، وعظم المفعول المأمور به بجعله عمدة الكلام بوضعه موضع الفاعل فقال : { أن أكون } أي كوناً هو في غاية الرسوخ { من المسلمين* } أي المنقادين لجميع ما يأمر به كتابه أتم انقياد ، ثابتاً على ذلك غاية الثبات .