تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{قَالَتۡ إِحۡدَىٰهُمَا يَـٰٓأَبَتِ ٱسۡتَـٔۡجِرۡهُۖ إِنَّ خَيۡرَ مَنِ ٱسۡتَـٔۡجَرۡتَ ٱلۡقَوِيُّ ٱلۡأَمِينُ} (26)

-{ قالت إحداهما يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين } .

أرسل الشيخ إحدى ابنتيه لدعوة موسى إلى الضيافة ، فلما حضر وقصّ عليه قصته ، طمأنه وهدأه ورحب به ، فقالت إحداهما [ والراجح أنها هي التي ذهبت إلى موسى لدعوته ] : { يا أبت استأجره } على رعي الغنم ، فإنه يجمع أفضل الخصال ، وهي : القوة والأمانة .

فالقوة : تعين الإنسان على أداء العمل كاملا ، وتشمل الخبرة والمعرفة .

والأمانة : تشمل المحافظة والعفة والاستقامة وعدم الخيانة ، وهي شروط لازمة لمن يقوم بالعمل ، أو يلي شؤون الدولة ، بيد أنه في بعض الأعمال كالحرب نقدم القوة ، وفي بعض الأعمال كالاقتصاد والمالية وسياسة المال نقدم الأمانة .

ومن كلام عمر رضي الله عنه : إلى الله أشكو قوة الفاجر وعجز الثقة .

أحيانا يكون الفاجر قويا شجاعا ، ويكون الثقة الأمين ضعيفا أو مترددا ، فإذا اجتمعا في شخص كان أهلا لولاية العمل المناسب له ، وفي السياسة الشرعية نجد أن من صفات الحاكم العادل الحكم بالعدل ، والشورى ، واختيار الأمناء الثقات ، لأنه لا يستطيع أن يتولى جميع شؤون الدولة بنفسه ، فلا بد له من مساعدين ، فينبغي أن يتوخى فيهم الكفاءة ، وتكون بالقوة والأمانة ، فلا يولّي شخصا لقرابته ، أو لمصلحة تعود على الحاكم .

وفي الحديث النبوي الشريف : ( من ولّى رجلا شيئا من أمر المسلمين ، وهو يعلم أن في المسلمين من هو أكفأ منه ، فقد خان الله ورسوله وجماعة المسلمين )viii .

غيرة محمودة

روى أن شعيبا قال لابنته : وما أعلمك بقوته وأمانته ؟ فقالت : رفع الصخرة من على البئر ولا يطيق حملها إلا عشرة رجال ، وإني لما جئت معه تقدمت أمامه ، فقال لي : كوني من ورائي ودُلّيني على الطريق ، ولما أتيته خفض بصره فلم ينظر إليّ ، فرغب شعيب في مصاهرته وتزويجه بإحدى ابنتيه .

روى ابن كثير ، والزمخشري ، عن ابن مسعود ، قال : أفرس الناس ثلاثة : بنت شعيب حين قالت :

{ إن خير من استأجرت القوي الأمين } وصاحب يوسف حين قال : { أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا } [ يوسف : 21 ] وأبو بكر في عمر ، أي : في اختياره وترشيحه ليكون خليفة بعده .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{قَالَتۡ إِحۡدَىٰهُمَا يَـٰٓأَبَتِ ٱسۡتَـٔۡجِرۡهُۖ إِنَّ خَيۡرَ مَنِ ٱسۡتَـٔۡجَرۡتَ ٱلۡقَوِيُّ ٱلۡأَمِينُ} (26)

{ قَالَتْ إِحْدَاهُمَا } أي : إحدى ابنتيه { يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ } أي : اجعله أجيرا عندك ، يرعى الغنم ويسقيها ، { إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ } أي : إن موسى أولى من استؤجر ، فإنه جمع القوة والأمانة ، وخير أجير استؤجر ، من جمعهما ، أي : القوة والقدرة على ما استؤجر عليه ، والأمانة فيه بعدم الخيانة ، وهذان الوصفان ، ينبغي اعتبارهما في كل من يتولى للإنسان عملا ، بإجارة أو غيرها .

فإن الخلل لا يكون إلا بفقدهما أو فقد إحداهما ، وأما باجتماعهما ، فإن العمل يتم ويكمل ، وإنما قالت ذلك ، لأنها شاهدت من قوة موسى عند السقي لهما ونشاطه ، ما عرفت به قوته ، وشاهدت من أمانته وديانته ، وأنه رحمهما في حالة لا يرجى نفعهما ، وإنما قصده [ بذلك ] وجه اللّه تعالى .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{قَالَتۡ إِحۡدَىٰهُمَا يَـٰٓأَبَتِ ٱسۡتَـٔۡجِرۡهُۖ إِنَّ خَيۡرَ مَنِ ٱسۡتَـٔۡجَرۡتَ ٱلۡقَوِيُّ ٱلۡأَمِينُ} (26)

الخامسة- قوله تعالى : " قالت إحداهما يا أبت استأجره " دليل على أن الإجارة كانت عندهم مشروعة معلومة ، وكذلك كانت في كل ملة وهي من ضرورة الخليقة ، ومصلحة الخلطة بين الناس ، خلاف للأصم حيث كان عن سماعها أصم .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{قَالَتۡ إِحۡدَىٰهُمَا يَـٰٓأَبَتِ ٱسۡتَـٔۡجِرۡهُۖ إِنَّ خَيۡرَ مَنِ ٱسۡتَـٔۡجَرۡتَ ٱلۡقَوِيُّ ٱلۡأَمِينُ} (26)

ولما اقتضى هذا القول أنه آواه إليه ، علمت انتباه مضمونه ، وكانتا قد رأتا من كفايته وديانته ما يرغب في عشرته ، فتشوفت النفس إلى حالهما حينئذ ، فقال مستأنفاً لذلك : { قالت إحداهما } أي المرأتين . قيل : وهي التي دعته إلى أبيها مشيرة بالنداء بأداة البعد إلى استصغارها لنفسها وجلالة أبيها : { يا أبت استأجره } ليكفينا ما يهمنا ؛ ثم عللت قولها فقالت مؤكدة إظهاراً لرغبتها في الخير واغتباطها به : { إن خير من استأجرت } لشيء من الأشياء { القوي } وهو هذا لما رأيناه من قوته في السقي { الأمين* } لما تفرسنا فيه من حيائه ، وعفته في نظره ومقاله وفعاله ، وسائر أحواله ؛ قال أبو حيان : وقولها قول حكيم جامع ، لأنه إذا اجتمعت الأمانة والكفاية في القائم بأمر فقد تم المقصود .