{ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ 112وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ 113 } .
فاستقم كما أمرت : نفذ ما أمرناك به دون ميل عنه بزيادة أو نقص .
ولا تطغوا : لا تتجاوزوا الحد الذي أمرتم به ، وذلك بالإفراط أو التفريط .
112 { فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } .
ألزم أيها الرسول صلى الله عليه وسلم طريق الاستقامة على أمر الله ، والالتزام بأوامره ، واجتناب نواهيه ، أنت ومن آمن بك ، وصدق دعوتك ، ولا تحيدوا عن الحق ، ولا تميلوا عن أوامر الشرع ؛ إن الله تعالى مطلع عليكم ، بصير بأعمالكم ، خبير بنوازع نفوسكم ، وسيجازيكم أعدل الجزاء .
وليس معنى الآية أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن مستقيما ؛ بل معناه : دم على الاستقامة ؛ أنت ومن معك من المؤمنين ، واستمر عليها ، فمن أطاع الله ؛ يسر الله له أسباب النصر ، ولما نزلت هذه الآية ؛ لزم النبي صلى الله عليه وسلم الطاعة ، وشمر عن ساعد الجد ، بل وعجل عليه الشيب ، وقيل : أوانه .
أخرج الترمذي : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " شيبتني هود والواقعة وأخواتهما " . 69
أراد قوله تعالى : { فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } .
وأخرج ابن حاتم وأبو الشيخ : عن الحسن أنه قال : لما نزلت هذه الآية قال صلى الله عليه وسلم : ( شمّروا شمّروا ) وما رؤى بعدها ضاحكا ، وعن ابن عباس : قال : ما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم آية أشق من هذه الآية .
هي السير المستقيم ، وهي التزام الجانب المعتدل في الدين ، والسير على هدى القرآن وسنة الرسول الأمين ، وفي صحيح مسلم : عن سفيان بن عبد الله الثقفي قال : قلت : يا رسول الله ، قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك ، قال : " قل آمنت بالله ثم استقم " . 70
والدعوة إلى الاستقامة وتجنب الطغيان هدف تربوي ودليل علمي ، وصّى به القرآن والسنة ؛ قال تعالى : { فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم } . ( الشورى : 15 ) ، وقال عز شأنه : { إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَ أَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ *نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ *نُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ } . ( فصلت : 30 32 ) .
والاستقامة تتسع لتكون منهج حياة إسلامية متكاملة ؛ فتقضي توحيد الله في ذاته ، وصفاته ، والإيمان بالغيب من جنة ونار وبعث وحساب وجزاء ، وملائكة وعرش ، والتزام ما أمر به القرآن في نطاق العبادات والمعاملات ، وهي درجة عليا وعسيرة ، إلا على من جاهد نفسه ، وترتفع عن أهوائه وشهواته ، وقد أمر بها موسى وهارون بقوله تعالى : { قد أجيبت دعوتكما فاستقيما ولا تتبعان سبيل الذي لا يعلمون } . ( يونس : 89 ) .
مما ييسر الاستقامة : الالتزام بتوجيه الله تعالى من فعل الواجبات ، وترك المحرمات ، قال تعالى : { ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج } . ( المائدة : 6 ) .
وقال صلى الله عليه وسلم : " يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا " . 71
وروى البخاري عن أبي هريرة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الدين يسر ، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه ، فسددوا وقاربوا ، واستعينوا بالغدوة والراحة ، وشيء من الدلجة ) . 72
وكانت عبادة الرسول صلى الله عليه وسلم وسطا لا إفراط ولا تفريط ، مراعاة للطاقة البشرية لأمته ، أخرج مسلم عن جابر بن سمرة قال : ( كنت أصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم فكانت صلاته قصدا ، وخطبته قصدا ) . 73
ثم لما أخبر بعدم استقامتهم ، التي أوجبت اختلافهم وافتراقهم ، أمر نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم ، ومن معه ، من المؤمنين ، أن يستقيموا كما أمروا ، فيسلكوا ما شرعه الله من الشرائع ، ويعتقدوا ما أخبر الله به من العقائد الصحيحة ، ولا يزيغوا عن ذلك يمنة ولا يسرة ، ويدوموا على ذلك ، ولا يطغوا بأن يتجاوزوا ما حده الله لهم من الاستقامة .
وقوله : { إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ْ } أي : لا يخفى عليه من أعمالكم شيء ، وسيجازيكم عليها ، ففيه ترغيب لسلوك الاستقامة ، وترهيب من ضدها ، ولهذا حذرهم عن الميل إلى من تعدى الاستقامة فقال : { وَلَا تَرْكَنُوا ْ }
ثم أمر الله - تعالى - رسوله - صلى الله عليه وسلم - وأتباعه بالتزام الصرام المستقيم فقال - سبحانه - : { فاستقم كَمَآ أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } .
والفاء للتفريع على ما تقدم من الأوامر والنواهى .
والاستقامة - كما يقول القرطبى - هي الاستمرار فى جهة واحدة من غير أخذ فى جهة اليمين والشمال . . .
والطغيان : مجاوزة الحد . ومنه طغى الماء ، أى ارتفع وتجاوز الحدود المناسبة .
والمعنى : لقد علمت - أيها الرسول الكريم - حال السعداء وحال الأشقياء ، وعرفت أن كل مكلف سيوفى جزاء أعماله .
وما دام الأمر كذلك فالزم أنت ومن معك من المؤمنين طريق الاستقامة على الحق ، وداوموا على ذلك كما أمركم الله ، بدون إفراط أو تفريط ، واحذروا أن تتجاوزوا حدود الاعتدال فى كل أقوالكم وأعمالكم .
وما دام الأمر كذلك فالزم أنت ومن معك من المؤمنين طريق الاستقامة على الحق ، وداوموا على ذلك كما أمركم الله ، بدون إفراط أو تفريط ، واحذروا أن تتجاوزوا حدود الاعتدال فى كل أقوالكم وأعمالكم .
ووجه - سبحانه - الأمر بالاستقامة إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - تنويها بشأنه ، وليبنى عليه قوله - { كَمَآ أُمِرْتَ } ، فيشي بذلك إلى أنه - عليه الصلاة والسلام - هو وحده المتلقى للأوامر الشرعية من الله - تعالى - .
وقد جمع قوله - تعالى - { فاستقم كَمَآ أُمِرْتَ } أصول الإِصلاح الدينى وفروعه ، كما جمع قوله - تعالى - " ولا تطغوا " أصول النهى عن المفاسد وفروعه ، فكانت الآية الكريمة بذلك جامعة لإِقامة المصالح ولدرء المفاسد .
قال الإِمام ابن كثير ما ملخصه : يأمر الله - تعالى - رسوله وعباده المؤمنين فى هذه الآية بالثبات والدوام على الاستقامة ، لأن ذلك من العون على النصر على الأعداء ، وينهاهم عن الطغيان وهو البغى ، لأنه مصرعه حتى ولو كان على مشرك .
وقال الآلوسى : والاستقامة كلمة جامعة لكل ما يتعلق بالعلم والعمل وسائر الأخلاق .
أخرج ابن أبى حاتم وأبو الشيخ عن الحسن أنه قال ، لما نزلت هذه الآية قال - صلى الله عليه وسلم -
" شمروا شمروا ، وما رؤى بعد ضاحكا " .
وعن ابن عباس قال : ما نزلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " آية أشد من هذه الآية ولا أشق " .
وفى صحيح مسلم عن سفيان عن عبد الله الثقفى قال : " قلت يا رسول الله ، قل لى فى الإِسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك . قال : " قل آمنت بالله ثم استقم " " .
وجملة { إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } تعليل للأمر بالاستقامة وللنهى عن الطغيان .
أى : الزموا المنهج القويم ، وابتعدوا عن الطغيان ، لأنه - سبحانه - مطلع على أعمالكم اطلاع المبصر ، العليم بظواهرها وبواطنها ، وسيجازيكم يوم القيامة عليها بما تستحقون من ثواب وعقاب .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.