{ إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( 111 ) }
فاستبشروا : أي : فافرحوا غاية الفرح .
111 { إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ . . . } الآية .
«نزلت هذه الآية في بيعة العقبة الثانية وهي بيعة العقبة الكبرى ، وفيها زاد الأنصار على سبعين ، واجتمعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم : عند العقبة ؛ فقال عبد الله بن رواحة : اشترط يا رسول الله لربك ولنفسك ما شئت ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا ، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم ) قالوا : فإذا فعلنا ذلك فما لنا . . . ؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( الجنة ) قالوا : ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل ! 143 فنزلت هذه الآية ثم هي عامة في كل مجاهد في سبيل الله من أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة » ا ه .
والمعنى : إن الله اشترى من المؤمنين الأنفس والأموال بثمن هو الجنة ، أي : مثل الله إثابتهم بالجنة ؛ على بذل أنفسهم وأموالهم في سبيله بصفة الشراء .
«الآية الكريمة ترغيب للمؤمنين في الجهاد ، وقد بولغ في ذلك على وجه لا مزيد عليه ، حيث عبر عن قبول الله تعالى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم التي بذلوها في سبيله ، وإثابته إياهم بمقابلتها بالجنة : بالشراء على طريقة الاستعارة التبعية ، ثم جعل المبيع الذي هو العمدة والمقصد في العقد ، أنفس المؤمنين وأموالهم ، والثمن الذي هو الوسيلة في الصفقة : الجنة » ا ه .
وفي الآية حث وتحريض على الجهاد في سبيل الله ، وبذل النفس والمال دفاعا عن الإسلام وأهله ، وقد وردت آيات كثيرة في الحث على الجهاد والتحريض عليه ، وبيان فضله وثوابه ، وبيان فضل الشهداء عند ربهم ، وتعددت طرق الحث والتحريض على الجهاد ، وقد أكد الله ثواب المجاهدين بمؤكدات عدة ؛ ذلك أن الله سبحانه هو الخالق وهو الرزاق ، فهو الذي خلق الأنفس وأعطى الأموال ، ثم رغب في بذل هذه الأموال على أحسن وجه ، وأبلغه ؛ لأنه أبرزه في صورة عقد عقده رب العزة ، وثمنه مالا عين رأت ، ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر .
«وأكد الله منحه الثواب والجنة بمؤكدات عشرة هي : كون المشتري هو الله ، وإيصال الثواب بالبيع والشراء ، وذلك حق مؤكد ، وقوله : { وعدا عليه حقا } ، ووعد الله حق ، وإثابته في الكتب الكبرى : التوراة ، والإنجيل ، والقرآن ، وهذا يتضمن إشهاد جميع الكتب ، وجميع الرسل والأنبياء ، على هذه المبايعة » .
وقوله : { ومن أوفى بعهده من الله } . وهو غاية في التأكيد .
وقوله : { فاستبشروا ببيعكم } . وهو أيضا مبالغة في التأكيد ، وقوله : { وذلك هو الفوز } . وقوله : { العظيم } . 144
من تفسير الشوكاني في فتح القدير :
{ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم } .
لما شرح الله تعالى فضائح المنافقين ، بين هنا فضيلة الجهاد ، فهؤلاء المجاهدين باعوا أنفسهم من الله بالجنة ، فجادوا بأنفسهم ، وجادوا بالأموال في الجهاد ، وجاد الله عليهم بالجنة .
{ يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون } .
يقدمون على قتل الكفار في الحرب ، ويبذلون أنفسهم في ذلك ، فإن فعلوا ؛ فقد استحقوا الجنة ، وإن لم يقع القتل عليهم ، بعد التعرض للموت بالإقدام على الكفار .
{ وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن } .
إخبار من الله سبحانه أن استحقاق المجاهدين الجنة ، قد ثبت الوعد به من الله في كتبه المنزلة : التوراة ، الإنجيل ، كما وقع في القرآن .
{ ومن أوفى بعهده من الله } . لا أحد ، وهو صادق الوعد ، لا يخلف الميعاد .
{ فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به } . أظهروا السرور بهذا البيع ؛ فقد ربحتم فيه ربحا عظيما لم يربحه أحد من الناس إلا من فعل مثل فعلكم . 145
{ وذلك هو الفوز العظيم } . ففيه ظفر المجاهد بالنعيم المقيم ، ورضوان الله رب العالمين ؛ ولا فوز أعظم من ذلك .
قال الحسن البصري : أنفس هو خالقها ، وأموال هو رازقها ؛ ثم يكافئنا عليها متى بذلناها في سبيله بالجنة .
{ 111 } { إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ }
يخبر تعالى خبرا صدقا ، ويعد وعدا حقا بمبايعة عظيمة ، ومعاوضة جسيمة ، وهو أنه { اشْتَرَى ْ } بنفسه الكريمة { مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ ْ } فهي المثمن والسلعة المبيعة .
{ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ْ } التي فيها ما تشتهيه الأنفس ، وتلذ الأعين من أنواع اللذات والأفراح ، والمسرات ، والحور الحسان ، والمنازل الأنيقات .
وصفة العقد والمبايعة ، بأن يبذلوا للّه نفوسهم وأموالهم في جهاد أعدائه ، لإعلاء كلمته وإظهار دينه ف { يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ْ } فهذا العقد والمبايعة ، قد صدرت من اللّه مؤكدة بأنواع التأكيدات .
{ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ ْ } التي هي أشرف الكتب التي طرقت العالم ، وأعلاها ، وأكملها ، وجاء بها أكمل الرسل أولو العزم ، وكلها اتفقت على هذا الوعد الصادق .
{ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا ْ } أيها المؤمنون القائمون بما وعدكم اللّه ، { بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ ْ } أي : لتفرحوا بذلك ، وليبشر بعضكم بعضا ، ويحث بعضكم بعضا .
{ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ْ } الذي لا فوز أكبر منه ، ولا أجل ، لأنه يتضمن السعادة الأبدية ، والنعيم المقيم ، والرضا من اللّه الذي هو أكبر من نعيم الجنات ، وإذا أردت أن تعرف مقدار الصفقة ، فانظر إلى المشتري من هو ؟ وهو اللّه جل جلاله ، وإلى العوض ، وهو أكبر الأعواض وأجلها ، جنات النعيم ، وإلى الثمن المبذول فيها ، وهو النفس ، والمال ، الذي هو أحب الأشياء للإنسان .
وإلى من جرى على يديه عقد هذا التبايع ، وهو أشرف الرسل ، وبأي كتاب رقم ، وهي كتب اللّه الكبار المنزلة على أفضل الخلق .
وبعد أن بين - سبحانه - أنواع المتخلفين عن غزوة تبوك ، تبع ذلك بالترغيب في الجهاد وفى بيان فضله فقال - تعالى - : { إِنَّ الله اشترى . . } .
قال الفخر الرازى : أعلم الله - تعالى - لما شرع في شرح فضائح المنافقين وقبائحهم لسبب تخلفهم عن غزوة تبوك ، فلما تمم ذلك الشرح والبيان وذكر أقسامهم وفرع كل قسم ما كان لائقا به ، عاد إلى بيان فضيلة الجهاد وحيقته فقال - تعالى - : { إِنَّ الله اشترى مِنَ المؤمنين } الآية .
وقال القرطبى : " نزلت هذه الآية في البيعة الثانية ، وهى بيعة العقبة الكبرى وهى التي أناف فيها رجال الأنصار على السبعين ، وذلك أنهم اجتمعوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند العقبة ، فقال عبد الله بن رواحة للنبى - صلى الله عليه وسلم - : اشترط لربك ولنفسك ما شئت ، فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - : أشترط لربى أن تعبدوه ولا تشكروا به شيئا ، وأشترط لنفسى أن تمنعونى مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم قالوا : فإذا فعلنا فمالنا ؟ قال :
" لكم الجنة " قالوا : ربح البيع ، لا نقيل ولا نستقبل فنزلت هذه الآية " .
ثم هي بعد ذلك عامة في كل مجاهد في سبيل الله من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة . تثميل للثواب الذي منحه الله - تعالى - للمجاهدين في سبيله .
فقد صور - سبحانه - جهاد المؤمنين ، وبذل أموالهم وأنفسهم فيه ، وإثابته - سبحانه - لهم على ذلك بالجنة ، صور كل ذلك بالبيع والشراء .
أى : أن الله - تعالى - وهو المالك لكل شئ ، قد اشترى من المجاهدين أنسهم وأموالهم التي بذلوها في سبيله ، وأعطاهم في مقابل ذلك الجنة .
قال أبو السعود : الآية الكريمة ترغيب للمؤمنين في الجهاد . . وقد بلوغ في ذلك على وجه لا مزيد عليه ، حيث عبّر عن قبول الله - تعالى - من المؤمنين أنفسهم وأموالهم التي بذلوا في سبيله - تعالى - وإثباته إياهم بمقابلتها الجنة بالشراء على طريقة الاستعارة التبعية . ثم جعل المبيع الذي هو العمدة والمقصد في العقد : أنفس المؤمنين وأموالهم ، والثمن الذي هو الوسيلة في الصفقة : الجنة .
ولم يجعل الأمر على العكس بأن يقال : إن الله باع الجنة من المؤمنين بأنفسهم وأموالهم ؛ ليدل على أن المقصد في العقد هو الجنة ، وما بله المؤمنون في مقابلتها من الأنفس والأمول وسيلة إليها ، إيذانا بتعليق كمال العناية بهم وبأوالهم .
ثم إن لم يقل " بالجنة " بل قل : { بِأَنَّ لَهُمُ الجنة } مبالغة في تقرير وصول الثمن إليهم " واختصاصه بهم " فكأنه قيل : بالجنة الثابتة لهم ، المختصة بهم .
وقوله : { يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الله فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ } جملة مستأنفة جئ بها لبيان الوسيلة التي توصلهم إلى الجنة وهى القتال في سبيل الله .
أى : أنهم يقاتلون في سبيل الله ، فمنهم من يقتل أعداء الله ، ومنهم من يقتل على أيدى هؤلاء الأعداء ، وكلا الفريقين القاتل والمقتول جزاؤه الجنة .
وقرأ حمزة والكسائى " فيقتلون ويقتلون " بتقديم الفعل المبنى للمفعول على الفعل المبنى للفاعل .
وهذه القراءة فيها إشارة إلا أن حرص هؤلاء المؤمنين الصادقين على الاستشهاد أشد من حرصهم على النجاة من القتل ؛ لأن هذا الاستشهاد يوصلهم إلى جنة عرضها السماوات والأرض ، وإلى الحياة الباقية الدائمة . .
وقوله : { وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التوراة والإنجيل والقرآن } تأكيد للثمن الذي وعدهم الله به .
أى : أن هذه الجنة التي هي جزاء المجاهدين ، قد جعلها - سبحانه - تفضلا منه وكرما ، حقا لهم عليه ، وأثبت لهم ذلك في الكتب السماوية التي أنزلها على رسله .
قال الآلوسى ما ملخصه : قوله : " وعدا عليه " مصدر مؤكد لمضمون الجملة وقوله " حقا " نعت له ، وقوله " عليه " في موضع الحال من قوله " حقا " لتقدمه عليه ، وقوله : { فِي التوراة والإنجيل والقرآن } متعلق بمذحوف وقع نعتا لقوله " وعدا " أيضاً .
أى : وعدا مثبتاً في التوراة والإِنجيل كما هو مثبت في القرآن فالمراد إلحاق مالا يعرف بما يعرف . إذ من المعلوم ثبوت هذا الحكم في القرآن . ثم إن ما في الكتابين إما أن يكون أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - اشترى الله منهم أنفسهم وأموالهم بذلك ، أو أن من جاهد بنفسه وماله . من حقه ذلك ، وفى كلا الأمرين ثبوت موافق لما في القرآن . .
وقوله : { وَمَنْ أوفى بِعَهْدِهِ مِنَ الله } جملة معترضة مسوقة لتأكيد مضمون ما قبلها من حقية الوعد وتقريره : والاستفهام للنفى .
أى : لا أحد أوفى بعهده من الله - تعالى - لأنه إذا كان خلف الوعد لا يكاد يصدر من كرام الخلق مع إمكان صدوره منهم ، فكيف يكون الحال من جانب الخالق - عز وجل - المنزه عن كل نقص ، المتصف بكل كمال .
وقوله : { فاستبشروا بِبَيْعِكُمُ الذي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الفوز العظيم } تحريض على القتال ، وإعلام لهم بأنهم رابحون في هذه الصفقة .
والاستبشار : الشعور بفرح البشرى ، شعورا تنبسط له أسارير الوجه .
أى : إذا كان الأمر كذلك فافرحوا ببيعكم الذي بايعتم به غاية الفرح ، وارضوا به نهاية الرضى ، فإن ذلك البيع هو الفوز العظيم الذي لا فوز أعظم منه .
قال بعض العلماء : ولا ترى ترغيبا في الجهاد أحسن ولا أبلغ من هذه الآية لأنه أبرزه في صورة عقد عقده رب العزة ، وثمنه مالا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ، ولم يجعل المقعود عليه كونهم مقتولين فقط بل إذا كانوا قاتلين أيضاً لإعلاء كلمته ، ونصر دينه ، وجعله مسجلا في الكتب السماوية ، وناهيك به من صك .
وجعل وعده حقاً ، ولا أحد أوفى من وعده فنسيئته أقوى من نقد غيره ، وأشار إلى ما فيه من الربح والفوز العظيم وهو استعارة تمثيلية ، حيث صور جهاد المؤمنين ، وبذل أموالهم وأنفسهم فيه وإثباة الله لهم على ذلك الجنة ، بالبيع والشراء وأتى بقوله : " يقاتلون " . . بيانا لمكان التسليم وهو المعركة وإليه الإِشارة بقوله - صلى الله عليه وسلم - " الجنة تحت ظلال السيوف " ، ثم أمضاه بقوله { وَذَلِكَ هُوَ الفوز العظيم } .
ويروى عن الحسن البصرى أنه قرأ هذه الآية فقال : انظروا إلى كرم الله . تعالى . أنفس هو خالقها ، وأموال هو رازقها ، ثم يكافئنا عليها متى بذلناها في سبيله بالجنة .