تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَٰبَتۡهُم مُّصِيبَةٞ قَالُوٓاْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيۡهِ رَٰجِعُونَ} (156)

{ الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون } .

155

التفسير :

والمعنى : الذين من صفتهم أنهم إذا نزلت بهم مصيبة في أنفسهم أو أموالهم أو أولادهم أو غير ذلك ، قالوا بألسنتهم وقلوبهم على سبيل التسليم المطلق لقضاء الله وقدره . إنا لله . أي إنا لله ملكا وعبودية والمالك يتصرف في ملكه ويقبله من حال إلى حال كيف يشاء .

وإنا إليه راجعون : وإنا إليه صائرون يوم القيامة فيجازينا على ما أمرنا به من الصبر والتسليم لقضائه عند نزول الشدائد التي ليس في استطاعتنا دفعها .

قال الطبري :

جعل الله هذه الكلمات وهي قوله تعالى : إنا لله وإنا إليه راجعون . ملجأ لذوي المصائب وعصمة للممتحنين ، لما جمعت من المعاني المباركة ، فإن قوله : إنا لله توحيد وإقرار بالعبودية والملك ، وقوله : وإنا إليه راجعون إقرار بالهلاك على أنفسنا والبعث من قبورنا ، واليقين أن رجوع الأمر كله إليه كما هو له .

قال سعيد بن جبير : لم تعط هذه الكلمات نبيا قبل نبينا ولو عرفها يعقوب لما قال : يا أسفي على يوسف( 24 ) .

وربما حزن الإنسان لفقد حبيب أو بكى لفراقه ، وهذه رحمة وعاطفة فطرية في ألإنسان . ولكن المحرم هو الجزع المفضي إلى إنكار حكمة الله فيما نزل به من بأساء أو ضراء ، أو إلى فعل ما حرمه الإسلام من نحو النياحة وشق الجيوب ، ولطم الجدود .

وقد ورد في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم بكى عند موت ابنه إبراهيم وقال :

«العين تدمع ، والقلب يحزن ، ولا نقول إلا ما يرضى ربنا ، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون » .

ثم يبين سبحانه ما أعده للصابرين من اجر جزيل فقال :

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَٰبَتۡهُم مُّصِيبَةٞ قَالُوٓاْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيۡهِ رَٰجِعُونَ} (156)

ثم وصفهم بقوله : { الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ } وهي كل ما يؤلم القلب أو البدن أو كليهما مما تقدم ذكره .

{ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ } أي : مملوكون لله ، مدبرون تحت أمره وتصريفه ، فليس لنا من أنفسنا وأموالنا شيء ، فإذا ابتلانا بشيء منها ، فقد تصرف أرحم الراحمين ، بمماليكه وأموالهم ، فلا اعتراض عليه ، بل من كمال عبودية العبد ، علمه ، بأن وقوع البلية من المالك الحكيم ، الذي أرحم بعبده من نفسه ، فيوجب له ذلك ، الرضا عن الله ، والشكر له على تدبيره ، لما هو خير لعبده ، وإن لم يشعر بذلك ، ومع أننا مملوكون لله ، فإنا إليه راجعون يوم المعاد ، فمجاز كل عامل بعمله ، فإن صبرنا واحتسبنا وجدنا أجرنا موفورا عنده ، وإن جزعنا وسخطنا ، لم يكن حظنا إلا السخط وفوات الأجر ، فكون العبد لله ، وراجع إليه ، من أقوى أسباب الصبر .