تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَٱلۡكِتَٰبِ ٱلَّذِي نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَٱلۡكِتَٰبِ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ مِن قَبۡلُۚ وَمَن يَكۡفُرۡ بِٱللَّهِ وَمَلَـٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ فَقَدۡ ضَلَّ ضَلَٰلَۢا بَعِيدًا} (136)

136_ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ . . . الآية

يخاطب الله تعالى بهذه الآية أهل الكتاب فقد كان لهم نوع من الإيمان والتصديق ولكنه إيمان غير كامل . فقد آمن اليهود بموسى وبالتوراة وكفروا بعيسى وبالإنجيل ، كما آمن النصارى بموسى وبعيسى وكفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم .

قال الطبري في تفسير الآية :

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ . بمن قبل محمد من الأنبياء والرسل ، وصدقوا بما جاءهم به من عند الله . .

آمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِه . ِ صدقوا بالله وبمحمد رسوله ، أنه لله رسول ، مرسل إليكم وإلى سائر الأمم قبلكم .

وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ . وصدقوا بما جاءكم به محمد من الكتاب الذي نزله الله عليه وهو القرآن الكريم .

وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ . وآمنوا بالكتاب الذي أنزل الله من قبل القرآن وهو التوراة والإنجيل .

وقال ابن كثير : وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ . . جنس يشمل جميع الكتب المتقدمة ، وقال في القرآن نزل : لأنه نزل منجما على الوقائع بحسب ما يحتاج إليه العباد في معاشهم ومعادهم .

وأما الكتب السابقة فكانت تنزل جملة واحدة ؛ لهذا قال تعالى : وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ .

وَمَن يَكْفُرْ بِاللّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ . . . ومن يكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء من عند الله ، فقد كفر بجميع ما أمر الله به ؛ لأنه فرق بين الرسل وقال : نؤمن ببعض ونكفر ببعض . . وهذا خروج عن دين الله وهدية واتباع للضلال والهلاك .

فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا . . . فقد بعد الحق بعدا سحيقا ؛ لأن الخروج عن دين الله وهدية يتبعه الهلاك والضلال والبوار .

ومن المسفرين من قال : معنى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ . أي : استمرار واثبتوا على إيمانكم بالله ورسوله بالقرآن الكريم وبالكتب السماوية السابقة على القرآن وهي : الثوراة ، والإنجيل ، والزبور ، وإلى هذا المعنى ذهب الإمام ابن كثير في فسيره حيث قال : يأمر الله تعالى عباده المؤمنين بالدخول في جميع شرائع الإيمان وشعبه وأركانه ودعائمه ، وليس هذا من باب تحصيل بل من باب تكميل الكامل وتتقريره وتثبيته والإستمرار عليه كما يقول المؤمن في كل صلاة : آهدنا الصراط المستقيم .

أي : بصرنا فيه وزدنا هدى وثبتنا عليه ، فأمرهم بالإيمان به وبرسله كما قال تعالى :

يأيها الذين ءامنوا اتقوا الله وءامنوا برسوله . ( الحديد : 28 ) .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَٱلۡكِتَٰبِ ٱلَّذِي نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَٱلۡكِتَٰبِ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ مِن قَبۡلُۚ وَمَن يَكۡفُرۡ بِٱللَّهِ وَمَلَـٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ فَقَدۡ ضَلَّ ضَلَٰلَۢا بَعِيدًا} (136)

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا ْ }

اعلم أن الأمر إما أن يوجه إلى من لم يدخل في الشيء ولم يتصف بشيء منه ، فهذا يكون أمرا له في الدخول فيه ، وذلك كأمر من ليس بمؤمن بالإيمان ، كقوله تعالى : { يَأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُمْ ْ } الآية .

وإما أن يوجه إلى من دخل في الشيء فهذا يكون أمره ليصحح ما وجد منه ويحصل ما لم يوجد ، ومنه ما ذكره الله في هذه الآية من أمر المؤمنين بالإيمان ، فإن ذلك يقتضي أمرهم بما يصحح إيمانهم من الإخلاص والصدق ، وتجنب المفسدات والتوبة من جميع المنقصات .

ويقتضي أيضا الأمر بما لم يوجد من المؤمن من علوم الإيمان وأعماله ، فإنه كلما وصل إليه نص وفهم معناه واعتقده فإن ذلك من الإيمان المأمور به .

وكذلك سائر الأعمال الظاهرة والباطنة ، كلها من الإيمان كما دلت على ذلك النصوص الكثيرة ، وأجمع عليه سلف الأمة .

ثم الاستمرار على ذلك والثبات عليه إلى الممات كما قال تعالى : { يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ْ } وأمر هنا بالإيمان به وبرسوله ، وبالقرآن وبالكتب المتقدمة ، فهذا كله من الإيمان الواجب الذي لا يكون العبد مؤمنا إلا به ، إجمالا فيما لم يصل إليه تفصيله وتفصيلا فيما علم من ذلك بالتفصيل ، فمن آمن هذا الإيمان المأمور به ، فقد اهتدى وأنجح . { وَمَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا ْ } وأي ضلال أبعد من ضلال من ترك طريق الهدى المستقيم ، وسلك الطريق الموصلة له إلى العذاب الأليم ؟ "

واعلم أن الكفر بشيء من هذه المذكورات كالكفر بجميعها ، لتلازمها وامتناع وجود الإيمان ببعضها دون بعض ، ثم قال :