نشوزا : أي ترفعا {[119]}
أو إعراضا : أي : ميلا وعدم اهتمام .
وأحضرت الأنفس الشح : أي : جعل الشح حاضرا في الأنفس ملازما لها ، والشح : البخل الشديد .
128- وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا . . . الآية .
رسم القرآن الكريم سبيل الحياة الزوجية ، وآداب العشرة بين الزوجين في الخلاف والوفاق .
وقد رعى القرآن فطرة الإنسان فالله خالق الإنسان وهو أعلم به ، وقد تكبر الزوجة ، أو يزهد الرجل فيها ، أو يعزم على طلاقها ، وترى الزوجة أنها في حاجة إلى بقائها في عصمة الزوج وجواره ؛ فتتنازل له عن شيء من مهرها أو عن بعض حقوقها في المبيت ، فإذا فعلت ذلك جاز للزوج أن يقبل ذلك . ويجب ألا يتمادى في الظلم بل يكون عادلا مع تنازل الزوج .
وفي الصحيحين من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة : قالت : لما كبرت سودة بنت زمعة وهبت يومها لعائشة فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقسم لها بيوم سودة {[120]} .
وفي صحيح البخاري : عن هشام عن أبيه عروة قال : " لما أنزل الله في سودة وأشباهها : وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا . وذلك أن سودة كانت امرأة قد أسنت ففرقت أن يفارقها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وضنت بمكانها منه ، وعرفت من حب رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة و منزلتها منه ؛ فوهبت يومها من رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة فقبل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم {[121]} وكذلك رواه داود ، والحاكم في مستدركه .
وقال البخاري : حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة :
وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا . . . قالت : الرجل تكون عنده المرأة المسنة ليس بمستكثر منها يريد أن يفارقها فتقول : أجعلك من شأني في حل فنزلت هذه الآية .
وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا {[122]}
معنى الآية : إذا رأت الزوجة من زوجها تغييرا في معاملته أو انصرافا عنها و إعراضا .
وأمارات النشوز : الغلظة والجفاء .
و أمارات الاعراض : أن يقلل من محادثتها و مؤانستها ، وأن يتساهل في تحقيق رغباتها ؛ إما لدمامتها ، أو لكبر سنها ، أو لغير ذلك .
فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا . . . أي : فلا إثم على الزوجة فيما تفعله ؛ لإصلاح ما بينها وبين زوجها ، من إعفائه من صداقها أو نفقتها أو بعضهما ، أو من مسكن أو كسوة ، أو فيما تعطيه من مالها ، أو فيما تنزل له عنه من نصيبها في القسم ، تستعطفه بذلك ، وتستديم المقام في عصمته والتمسك بالعقد الذي بينه وبينها من النكاح ، ولا إثم على الزوج في قبول ذلك منها ، فإن ذلك لا يعتبر رشوة حتى يتحرجا منها ، بل يعتبر سبيلا إلى عودة المودة واستمرار الزوجية بينهما ، وذلك أسمى في نظر الدين من تلك الماديات اليسيرة التي تعينت لعودة المودة بينهما .
روى أبو داود والطيالسى عن ابن عباس :
" فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز " .
قال الطبري : يعني : والصلح يترك بعض الحق استدامة للحرمة وتمسكا بعقد النكاح ، خير من طلب الفرقة والطلاق {[123]} .
وروى أبو داود وابن ماجه عن عبد الله بن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أبغض الحلال إلى الله الطلاق " {[124]}
سأل رجل الإمام عليا عن قول الله عز وجل .
وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا . . . فقال : يكون الرجل عنده المرأة فتنبو عيناه عنها . من دمامتها ، أو كبرها ، أو سوء خلقها ، أو قذرها ، فتكره فراقه ، فإن وضعت له شيئا من مهرها حل له وإن جعلت له من أيامها فلا حرج {[125]} .
وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّح . . .
قال الطبري : أحضرت أنفس النساء الشح بأنصبائهن من من أزواجهن في الأيام والنفقة ، فتاويل الكلام : وأحضرت أنفس النساء أهواءهن ؛ من فرط الحرص على حقوقهن من أزواجهن والشح بذلك على ضرائرهن .
من المفسرين من قال : عني بذلك .
" وأحضرت أنفس الرجال والنساء الشح " .
وجعل البخل والحرص على النفع الذاتي ، حاضرا في الأنفس ملازما لها ، لا يغيب عنها ؛ لأنه من طبعها ، فلذا لا تكاد الزوجة تفرط في حقوقها عند الزوج ، ولا يكاد الزوج يجود بالإنفاق وحسن المعاشرة لمن لا يريدها .
وإذا كان ذلك هو ما فطرت عليه النفوس ، فينبغي- لكل من الزوجين- أن يقدر حرص الآخر على مصلحته ، فلا يهدرها تماما ، فترضى الزوجة حرص الزوج بالبذل والتضحية ، ويرضى الزوج حرص الزوجة فلا يقسو عليها في مطالبه {[126]} .
وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا . . . وإن تحسنوا- أيها الرجال- في أفعالكم إلى نسائكم إذا كرهتم منهن دمامة أو خلقا ، أو بعض ما تكرهون منهن بالصبر عليهن ، وإيفائهن حقوقهن وعشرتهن بالمعروف {[127]} .
وتتقوا . الله فيهن بترك الجور منكم عليهن وعدم إكراههن على ترك شيء من حقوقهن .
قال ابن كثير : وإن تتجشموا مشقة الصبر على ما تكرهون منهن ، وتقسموا لهن أسوة بأمثالهن فإن الله عالم بذلك وسيجزيكم على ذلك أوفر الجزاء .
{ وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ْ }
أي : إذا خافت المرأة نشوز زوجها أي : ترفعه عنها وعدم رغبته فيها وإعراضه عنها ، فالأحسن في هذه الحالة أن يصلحا بينهما صلحا بأن تسمح المرأة عن بعض حقوقها اللازمة لزوجها على وجه تبقى مع زوجها ، إما أن ترضى بأقل من الواجب لها من النفقة أو الكسوة أو المسكن ، أو القسم بأن تسقط حقها منه ، أو تهب يومها وليلتها لزوجها أو لضرتها .
فإذا اتفقا على هذه الحالة فلا جناح ولا بأس عليهما فيها ، لا عليها ولا على الزوج ، فيجوز حينئذ لزوجها البقاء معها على هذه الحال ، وهي خير من الفرقة ، ولهذا قال : { وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ْ }
ويؤخذ من عموم هذا اللفظ والمعنى أن الصلح بين مَن بينهما حق أو منازعة في جميع الأشياء أنه خير من استقصاء كل منهما على كل حقه ، لما فيها من الإصلاح وبقاء الألفة والاتصاف بصفة السماح .
وهو جائز في جميع الأشياء إلا إذا أحلّ حراما أو حرّم حلالا ، فإنه لا يكون صلحا وإنما يكون جورا .
واعلم أن كل حكم من الأحكام لا يتم ولا يكمل إلا بوجود مقتضيه وانتفاء موانعه ، فمن ذلك هذا الحكم الكبير الذي هو الصلح ، فذكر تعالى المقتضي لذلك ونبه على أنه خير ، والخير كل عاقل يطلبه ويرغب فيه ، فإن كان -مع ذلك- قد أمر الله به وحثّ عليه ازداد المؤمن طلبا له ورغبة فيه .
وذكر المانع بقوله : { وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحّ ْ } أي : جبلت النفوس على الشح ، وهو : عدم الرغبة في بذل ما على الإنسان ، والحرص على الحق الذي له ، فالنفوس مجبولة على ذلك طبعا ، أي : فينبغي لكم أن تحرصوا على قلع هذا الخُلُق الدنيء من نفوسكم ، وتستبدلوا به ضده وهو السماحة ، وهو بذل الحق الذي عليك ؛ والاقتناع ببعض الحق الذي لك .
فمتى وفق الإنسان لهذا الخُلُق الحسن سهل حينئذ عليه الصلح بينه وبين خصمه ومعامله ، وتسهلت الطريق للوصول إلى المطلوب . بخلاف من لم يجتهد في إزالة الشح من نفسه ، فإنه يعسر عليه الصلح والموافقة ، لأنه لا يرضيه إلا جميع ماله ، ولا يرضى أن يؤدي ما عليه ، فإن كان خصمه مثله اشتد الأمر .
ثم قال : { وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا ْ } أي : تحسنوا في عبادة الخالق بأن يعبد العبد ربه كأنه يراه فإن لم يكن يراه فإنه يراه ، وتحسنوا إلى المخلوقين بجميع طرق الإحسان ، من نفع بمال ، أو علم ، أو جاه ، أو غير ذلك . { وَتَتَّقُوا ْ } الله بفعل جميع المأمورات ، وترك جميع المحظورات . أو تحسنوا بفعل المأمور ، وتتقوا بترك المحظور { فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ْ } قد أحاط به علما وخبرا ، بظاهره وباطنه ، فيحفظه لكم ، ويجازيكم عليه أتم الجزاء .