{ ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر وأرسلنا له عين القطر ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير } .
ولسليمان الريح : وسخرنا لسليمان الريح .
غدوها شهر : جريها بالغداة مسيرة شهر .
ورواحها شهر : وجريها بالعشي كذلك .
وأرسلنا له عين القطر : أجرينا معدن النحاس سائلا كما ينبع الماء من العين .
يزغ : يعدل ويخالف ما أمرناه به .
وسخرنا لسليمان الريح تسير بأمره وتثقله حيث يشاء مسرعة بحيث تقطع في نصف النهار الأول مسيرة شهر وتقطع في نصف النهار الآخر مسيرة شهر ثان .
قال تعالى : { ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها وكنا بكل شيء عالمين ومن الشياطين من يغوصون له ويعملون عملا دون ذلك وكنا لهم حافظين } . ( الأنبياء : 81-82 ) .
{ وأسلنا له عين القطر . . . } .
وأجرينا له معدن النحاس بعد إذابته فسال ونبع كما ينبع الماء من العين فلذلك سمى عين القطر باسم مال آل إليه وكانت الأعمال تتأتى به وهو بارد ولم يلن ولا ذاب لأحد قبله .
لقد ألان الله الحديد لداود فصنع منه الدروع السابغات وألان لسليمان النحاس ينبع ويسيل كما يسيل الماء ، ويتشكل إلى الأدوات التي يحتاج إليها سليمان كالقصاع الكبيرة والقدور الكبيرة .
{ ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه . . . }
وسخرنا له الجن يخدمونه ويعملون له الأعمال الشاقة والأبنية العظيمة ويغوصون في البحر يستخرجون منه الأحجار الكريمة كالدر والياقوت .
{ ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير } .
ومن يخرج من الجن عن طاعة سليمان أو عن الخضوع لأمرنا يتعرض لأشد ألوان العذاب في الدنيا والآخرة .
هذا ما أعطاه الله - تعالى - لنبيه داود من فضل ، أما نبيه سليمان بن داود ، فقد أعطاه - سبحانه - أفضالا أخرى ، عبر عنها فى قوله - تعالى - : { وَلِسُلَيْمَانَ الريح غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ } .
والغدوة والغداة : أول النهار إلى الزوال . والرواح من الزوال إلى الغروب .
والمعنى : وسخرنا لنبينا سليمان بن داود - عليهما السلام - الريح ، تجرى بأمره فى الغدوة الواحدة مسيرة شهر ، وتعود بأمره فى الروحة الواحدة مسيرة شهر . أى : أنها لسرعتها تقطع فى مقدار الغدوة الواحدة ما يقطعه الناس فى شهر من الزامن ، وكذلك الحال بالنسبة للروحة الواحدة ، وهى فى كل مرة تسير بأمر سليمان ، ووفق إرادته التى منحه الله - تعالى - إياها .
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : { وَلِسُلَيْمَانَ الريح عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الأرض التي بَارَكْنَا فِيهَا } وقوله - سبحانه - : { فَسَخَّرْنَا لَهُ الريح تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ } ثم بين - تعالى - نعمة ثانية من النعم التى أنعم بها على سليمان فقال : { وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ القطر } .
والقطر : هو النحاس المذاب . مأخوذ من قطَر الشئ يَقْطُر قَطْراً وقطَرانا ، إذا سال .
أى : كما ألنا لداود الحديد ، أسلنا لابنه سليمان النحاس وجعلناه مذابا ، فكان يستعمله فى قضاء مصالحه ، كما يستعمل الماء ، وهذا كله بفضلنا وقدرتنا .
ثم بين - سبحانه - نعمة ثالثة أنعم بها على سليمان - عليه السلام - فقال : { وَمِنَ الجن مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ } .
أى : وسخرنا له من الجن من يكونون فى خدمته ، ومن يعملون بين يديه ما يريده منهم ، وهذا كله بأمرنا ومشيئتنا وقدرتنا .
{ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا } أى : من ينحرف من هؤلاء الجن عما أمرناه به من طاعة سليمان ، { نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السعير } أى : ننزل به عذابنا الأليم ، الذى يذله ويخزيه فى الدنيا والآخرة .
قوله تعالى : { وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ ( 12 ) يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ } .
تقرأ سليمان بالنصب والرفع . فبالنصب ، بفعل مقدر وتقديره : وسخرنا لسليمان الريح . وتقرأ بالرفع على الابتداء . والمعنى : له تسخيرُ الريح{[3790]} وعامة القراء على نصب سليمان . فهذه الآية يعطف الله فيها بذكر سليمان وما أوتي من معجزة وتكريم على ما أوتي أبوه داود عليهما الصلاة والسلام وهو قوله : { وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ } أي وسخرنا الريح لسليمان تحمل بساطه { غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ } أي تغدو الريح مسيرة شهر وتروح مسيرة شهر . قال الحسن البصري : كان يغدو على بساطه من دمشق إلى اصطخر ويذهب رائحا من اصطخر فيبيت بكابل وبين دمشق واصطخر مسيرة شهر كامل للمسرع ، وبين اصطخر وكابل شهر كامل للمسرع . وبساط سليمان عبارة عن مَرْكب من خشب تركب فيه الجن والإنس ، وترفعه الشياطين المسخرة لسليمان . فإذا ارتفع المركب أتت الريح الرخاء فسارت به وساروا معه إلى حيث يريد .
قوله : { وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ } { الْقِطْرِ } معناه النحاس المذاب{[3791]} أي أسأل الله له النحاس كما ألان الحديد لأبيه داود فكان كما ينبع الماء من العين . ولذلك سماه عين القطر باسم ما آل إليه ، وذلك كقوله : { إني أراني أعصر خمرا } والمعنى : أذبنا له عين النحاس وأخرجناها له .
قوله : { وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ } يعني من الجن من سخرنا لسليمان فيطيعونه ويأتمرون بأمره وينتهون لنهيه ويعملون بين يديه بأمر الله وتسخيره – ما يشاء من البنايات وغيرها .
قوله : { وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ } أي من يعْدِلْ من الجن { عَنْ أَمْرِنَا } أي عن طاعة سليمان نصله النار المستعرة والحريق المتوقد اللاهب وذلك في الآخرة وهو قول أكثر المفسرين . وقيل : المراد بذلك عذاب الدنيا .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.