تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{۞وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا دَاوُۥدَ مِنَّا فَضۡلٗاۖ يَٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُۥ وَٱلطَّيۡرَۖ وَأَلَنَّا لَهُ ٱلۡحَدِيدَ} (10)

{ ولقد ءاتينا داود فضلا يا جبال أوبي معه والطير وألنا له الحديد( 10 ) أن اعمل سابغات وقدر في السرد واعملوا صالحا إني بما تعملون بصير( 11 ) ولسليمان الرياح غدوها شهر ورواحها شهر وأرسلنا له عين القطر ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير( 12 ) يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات اعملوا ءال داود شكرا وقليل من عبادي الشكور( 13 ) فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين( 14 ) }

المفردات :

فضلا : نبوة وملكا .

أوبي معه : رجعي معه بالتسبيح .

والطير : والطير تسبح أيضا .

ألنا له الحديد : جعلناه له في اللين كالعجينة يعجنها من غير نار ولا مطرقة .

***

10

التفسير :

{ لقد ءاتينا داود منا فضلا يا جبال أوبي معه والطير وألنا له الحديد . . . }

ذكر الله تعالى هنا ما أنعم الله على عبده داود حيث حباه بالنبوة والملك والفضل وأعطاه المعجزات والجنود الكثيرة والصوت الجميل الحسن الشجي حيث كان إذا سبح الله وذكره بصوته الجميل رددت الجبال معه التسبيح والنشيد ، وكذلك الطير تصدح بذكره ونشيده ، وألان الله الحديد في يده فكان مثل العجين لينا سهل التشكيل فكان يصنع منه دروع الحرب وآلاتها ويأكل من عمل يده .

وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن خير ما أكل المرء من عمل يده وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده " . iii

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{۞وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا دَاوُۥدَ مِنَّا فَضۡلٗاۖ يَٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُۥ وَٱلطَّيۡرَۖ وَأَلَنَّا لَهُ ٱلۡحَدِيدَ} (10)

أما النموذج الأول فنراه فى شخص النبيين الكريمين داود وسليمان - عليهما السلام - فقد قال - سبحانه - فى شأنهما : { وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً . . . العذاب المهين } .

وقوله - سبحانه - : { وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً } بيان لما مَنّ الله - تعالى - به على عبده داود - عليه السلام - من خير وبركة .

أى : ولقد آتينا عبدنا فضلا عظيما ، وخيرا وفيرا ، وملكا كبيرا ، بسبب إنابته إلينا ، وطاعته لنا .

ثم فصل - سبحانه - مظاهر هذا الفضل فقال : { ياجبال أَوِّبِي مَعَهُ } والتأويب الترديد والترجيع . يقال : أوَّب فلان تأويبا إذا رَجَّع مع غيره ما يقوله .

والجملة مقول لقول محذوف : أى : وقلنا يا جبال رددى ورجعى مع عبدنا داود تسبيحه لنا ، وتقديسه لذاتنا ، وثناءه علينا ، كما قال - تعالى - : { إِنَّا سَخَّرْنَا الجبال مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بالعشي والإشراق } وقوله : { والطير } بالنصب عطفا على قوله { فَضْلاً } أى : وسخرنا له الطير لتسبح معه بحمدنا . أو معطوف على محل { ياجبال } أى : ودعونا الجبال والطير إلى التسبيح معه .

قال الإِمام ابن كثير - رحمه الله : يخبر - تعالى - عما به على عبده ورسوله داود - عليه السلام - مما آتاه من الفضل المبين ، وجمع له بين الانبوة والملك المتكن ، والجنود ذوى العَدَد والعُدَد ، وما أعطاه ومنحه من الصوت العظيم ، الذى كان إذا سبح به ، تسبح معه الجبال الراسيات ، الصم الشامخات ، وتقف له الطيور السارحات . والغاديات الرائحات ، وتجاوبه بأنواع اللغات .

وفى الصحيح " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع صوت أبى موسى الأشعرى يقرأ من الليل ، فوقف فاستمع لقراءته ثم قال : " لقد أوتى هذا مزمارا من مزامير آل داود " " .

وقال صاحب الكشاف : فإن قلت : أى فريق بين هذا النظم وبين أن يقال : { آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً } تأويب الجبال معه والطير ؟

قلت : كم بينهما من الفرق ؟ ألا ترى إلى ما فيه من الفخامة التى لا تخفى ، من الدلالة على عزة الربوبية وكبرياء الألوهية ، حيث جعلت الجبال مُنَزْلَةَّ مَنزِلَةَ العقلاء ، الذين إذا أمرهم أطاعوا وأذعنوا ، وإذا دعاهم سمعوا وأجابوا ، إشعارا بأنه ما من حيوان وجماد وناطق وصامت إلا وهو منقاد لمشيئته ، غير ممتنع على إرادته .

وقوله - تعالى - : { وَأَلَنَّا لَهُ الحديد } ، بيان لنعمة أخرى من النعم التى أنعم بها - سبحانه - عليه .

أى : وصيرنا الحديد لينا فى يده ، بحيث يصبح - مع صلابته وقوته - كالعجيبن فى يده ، يشسكله كيف يشاء ، من غير أن يدخله فى نار ، أو أن يطرقه بمطرقة .

فالجملة الكريمة معطوفة على قوله { آتَيْنَا } ، وهى من جملة الفضل الذى منحه - سبحانه - لنبيه داود - عليه السلام - .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{۞وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا دَاوُۥدَ مِنَّا فَضۡلٗاۖ يَٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُۥ وَٱلطَّيۡرَۖ وَأَلَنَّا لَهُ ٱلۡحَدِيدَ} (10)

قوله تعالى : { وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ ( 10 ) أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } .

لقد منَّ الله على نبيه داود عليه الصلاة والسلام بفضل منه . واختلفوا في المراد بهذا الفضل على عدة أقوال ، منها : أن المراد به النبوة . وقيل : الملك والتمكين في الأرض . وقيل : تسخير الجبال والناس . وقيل : إلانة الحديد . وقيل : حُسن الصوت . فكان إذا سبَّح سبَّحَتْ معه الجبال الرواسي . وفي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع صوت أبي موسى الأشعري يقرأ من الليل ، فوقف فاستمع لقراءته ثم قال صلى الله عليه وسلم : " لقد أوتي هذا مزمارا من مزامير آل داود " .

قوله : { يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ } { أَوِّبِي } ، بتشديد الواو ، من التأويب وهو التسبيح والترجيع ؛ أي قال الله للجبال : رجِّعي معه مسبِّحة .

قوله : { وَالطَّيْرَ } معطوف على { فَضْلاً } أي آتيناه فضلا وتسبيح الطير . وقيل : منصوب بفعل مضمر . أي وسخرنا له الطير .

قوله : { وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ } أي جعل الله له الحديد ليّنا طريّا حتى كان في يده كالطين فيصرفه كيف يشاء من غير نار ولا ضرب بمطرقة .