تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{إِلَّا بَلَٰغٗا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِسَٰلَٰتِهِۦۚ وَمَن يَعۡصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَإِنَّ لَهُۥ نَارَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا} (23)

المفردات :

ملتحدا : ملجأ يركن إليه ، قال الشاعر :

يا لهف نفسي ونفسي غير مجدية *** عنّي وما من قضاء ملتحدا

بلاغا من الله : تبليغا لرسالاته ، أي : لا أملك لكم إلا البلاغ ، أي : تبليغ الرسالات .

التفسير :

22 ، 23- قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا* إلا بلاغا من الله ورسالاته ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا .

قل يا محمد : إنني رسول الله ، أبلّغ رسالته ، ولا أتأخّر عما أمرني به ربي ، ولا يملك أحد أن يجيرني من عذاب الله ، ولا تملكون أنتم ذلك ، بل ولا تملك الدنيا كلها أن تحميني من عذاب الله إن أرادني بسوء ، فلا رادّ لما يريده ، ولن أجد من دون الله ملجأ أو مهربا أو ملتحدا أركن إليه ، فما من قضاء الله مهرب ، وليس من أمر الله مفرّ .

وفي هذا المعنى يقول الله عز وجل : وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال . ( الرعد : 11 ) .

إلا بلاغا من الله ورسالاته . . .

إن المخلص والنجاة لي من عذاب الله لا يكمن إلا في أن أبلّغ رسالة ربي إليكم ، فليس عليّ إلا البلاغ ، وأنا لا أملك هدايتكم ، فالله وحده هو الذي يملك ذلك ، فأنا متجرد لتبليغ الرسالة ، ولا يحميني من عذاب الله إلا تبليغ ما أرسلت به إليكم ، وحمل الرسالة والقرآن إلى مسامعكم .

كما قال تعالى : يا أيها الرسول بلّغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلّغت رسالته . . . ( المائدة : 67 ) .

قال ابن كثير : أي لا يجيرني منه ويخلّصني إلا إبلاغي الرسالة التي أوجب الله عليّ أداءها .

ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا .

أي : أنا أبلغكم رسالة الله ودعوته إلى التوحيد ، والإيمان بالله ربّا ، وبالإسلام دينا ، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا ، ومن يعص الله ورسوله فجزاؤه نار جهنم خالدين فيها ، أي ماكثين فيها أبدا على الدوام ، ولا محيد لهم عنها ولا خروج لهم منها ، فقد كانوا عازمين على الشرك بالله أبدا مدة حياتهم ، فعاقبهم الله بالخلود في النار أبدا مدة آخرتهم .

وقوله : أبدا . دليل على أن العصيان هنا هو الشرك ، وإنما جمع خالدين . حملا على معنى من . لأن لفظها مفرد ومعناها جمع .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{إِلَّا بَلَٰغٗا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِسَٰلَٰتِهِۦۚ وَمَن يَعۡصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَإِنَّ لَهُۥ نَارَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا} (23)

وقوله - سبحانه - : { إِلاَّ بَلاَغاً مِّنَ الله وَرِسَالاَتِهِ . . . } استثناء من مفعول { لاَ أَمْلِكُ } ، وهما قوله قبل ذلك : { لَكُمْ ضَرّاً وَلاَ رَشَداً } وما يليهما اعتراض مؤكد لنفى الاستطاعة . أى : قل لهم - أيها الرسول الكريم - إنى لا أملك ما يضركم ولا أملك ما ينفعكم ، وإنما الذى أملكه هو تبليغ رسالات ربى إليكم ، بأمانة واجتهاد .

والبلاغ : مصدر بلَّغ ، وهو إيصال الكلام أو الحديث إلى الغير ، ويطلق على الكلام المبلغ من إطلاق المصدر على المفعول ، مثل : " هذا خلق الله " ، و " من " ابتدائية صفة لقوله : " بلاغا " أى : بلاغا كائنا من جهة الله - تعالى - وأمره . والرسالات : جمع رسالة ، وهى ما يرسل إلى الغير من كلام أو كتاب . والمراد بها هنا : تبليغ ما أوحاه الله - تعالى - إلى نبيه للناس .

قال الآلوسى ما ملخصه وقوله : { إِلاَّ بَلاَغاً مِّنَ الله . . . } استثناء من مفعول لا أملك . . وما بينهما اعتراض . . فإن كان المعنى : لا أملك أن أضركم ولا أن أنفعكم ، كان استثناء متصلا ، كأنه قيل : لا أملك شيئا إلا بلاغا ، وإن كان المعنى : لا أملك أن أقسركم على الغى والرشد ، كان منقطعا ، أو من باب : لا عيب فيهم غير أن سيوفنا . . أى : أنه من أسلوب تأكيد الشئ بما يشبه ضده ، وقوله { وَرِسَالاَتِهِ } عطف على قوله { بَلاَغاً } وقوله : { مِّنَ الله } متعلق بمحذوف وقع صفه له . أى : بلاغا كائنا من الله . .

ثم بين - سبحانه - بعد ذلك سوء عاقبة من يخالف أمره فقال : { وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ } فيما أمرا به ، أو نهيا عنه .

{ فَإِنَّ لَهُ } أى : لهذا العاصى { نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً } أى : فحكمه أن له نار جهنم ، وجمع - سبحانه - خالدين باعتبار معنى " من " ، كما أن الإِفراد فى قوله { فَإِنَّ لَهُ } باعتبار لفظها .

وقوله : " أبدا " مؤكد لمعنى الخلود . أى : خالدين فيها خلودا أبديا لا نهاية له .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{إِلَّا بَلَٰغٗا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِسَٰلَٰتِهِۦۚ وَمَن يَعۡصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَإِنَّ لَهُۥ نَارَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا} (23)

قوله : { إلا بلاغا من الله ورسالاته } بلاغا ، في نصبه وجهان . أحدهما : أن يكون منصوبا على المصدر ويكون الاستثناء متصلا . أي إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا ، إن لم أبلّغ رسالات ربي بلاغا ، وثانيهما : أن يكون منصوبا ، لأنه استثناء منقطع من قوله : { لا أملك لكم ضرّا ولا رشدا } إلا أن أبلغكم دعوة ربي وإلا رسالاته التي أرسلني بها إليكم{[4661]} .

قوله : { ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خلدين فيها أبدا } يقول النبي صلى الله عليه وسلم للمشركين منذرا ومحذرا : من يعص الله منكم فيما أمره به أو نهاه عنه أو يعص رسوله فيما جاءكم به من الحق فكذب به وجحد رسالات الله فإن مرده إلى جهنم يصلاها { خالدين فيها أبدا } أي ما كثين فيها آبدين لا يخرجون ولا يبرحون .


[4661]:البيان لابن الأنباري جـ 2 ص 467.