{ وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذّر تبذيرا ( 26 ) إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا27 )
26- { وآت ذا القربى حقه . . . }
يفيد : أن للقريب حقا في مال قريبه كما أن صلة الرحم سبب في سعة الرزق وكثرة العدد والبركة والنماء ففي الحديث الشريف ( من أحب أن يبسط له في رزقه ويسأله في أجله ؛ فليصل رحمه ){[375]} .
وقال عليه السلام : الصدقة على المساكين صدقة وعلى ذي الرحم ثنتان ){[376]} .
ولما أراد أبو طلحة أن يتصدق بحائط كان له ؛ عملا بقوله تعالى : { لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون } ( أل عمران : 92 ) . قال : يا رسول الله ، هو في سبيل الله والفقراء والمساكين فقال عليه السلام : ( وجب أجرك على الله فاقسمه في أقاربك ){[377]} وإيتاء ذي القربى حقه يكون بالصدقة وصلة الرحم وحسن المعاشرة والإنفاق عليه .
والمسكين أي : الفقير من الأباعد ، فالصدقة على المسكين القريب صدقة وصلة رحم ، وعلى المسكين البعيد صدقة فقط .
وابن السبيل أي : المسافر الذي انقطع به الطريق فيجب إعانته ومساعدته على سفره حتى يصل إلى مقصده .
ولا تبذر تبذيرا أي : بوجه من الوجوه بالإنفاق في محرم أو مكروه أو على من لا يستحق .
كانت الجاهلية تنحر إبلها وتتياسر{[378]} عليها وتبذر أموالها في الفخر والسمعة ، وتذكر ذلك في أشعارها ، فأمر الله بالنفقة في وجوهها مما يقرب منه ويزلف .
والتبذير هو إنفاق المال في وجوه الملذات والشهوات فهو تبذير النعمة وتوجيهها في غير الوجه السليم أما إنفاق المال في الخير والبر ومساعدة المحتاجين . فهو نعمة محمودة ، فنعم المال الصالح للرجل الصالح .
قال عثمان بن الأسود : كنت أطوف في المساجد مع مجاهد حول الكعبة فرفع رأسه إلى أبي قبيس ( جبل بمكة ) وقال : لو أن رجلا أنفق مثل هذا في الله لم يكن من المسرفين ، ولو أنفق درهما واحدا في معصية الله كان من المسرفين ، وأنفق بعضهم نفقة في خير وأكثر فقيل له : لا خير في الإسراف فقال : لا إسراف في الخير .
وروى أحمد عن أنس بن مالك : أنه قال : أتى رجل من تميم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، إني ذو مال كثير وذو أهل وولد وحاضرة فأخبرني كيف أنفق وكيف أصنع ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( تخرج الزكاة من مالك إن كان فإنها طهرة تطهرك ، وتصل أقرباءك وتعرف ح الجار والمسكين ) .
فقال : يا رسول الله ، أقلل لي ، قال : { فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا } ، فقال : حسبي يا رسول الله إذا أديت الزكاة إلى رسولك فقد برأت منها إلى الله ورسوله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( نعم إذا أديتها إلى رسولي فقد برأت منها ولك أجرها وإثمها على من بدلها ) .
وقال ابن مسعود : التبذير : الإنفاق في غير حق .
وعن علي كرم الله وجهه قال : ما أنفقت على نفسي وأهل بيتك في غير سرف ولا تبذير وما تصدقت ؛ فلك ، وما أنفقت رياء وسمعة ؛ فذلك حظ الشيطان .
قال أبو حيان فى البحر : " لما أمر الله - تعالى - ببر الوالدين ، أمر بصلة القرابة . قال الحسن : نزلت فى قرابة النبى صلى الله عليه وسلم . والظاهر أنه خطاب لمن خوطب بقوله : { إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الكبر . . . } وألحق هنا ما يتعين له من صلة الرحم ، وسد الخلة ، والمواساة عند الحاجة بالمال والمعونة بكل وجه . قال نحوه : ابن عباس وعكرمة والحسن وغيرهم " .
والمراد بذوى القربى : من تربطك بهم صلة القرابة سواء أكانوا من المحارم أم لا .
والمسكين : هو من لا يملك شيئا من المال ، أو يملك ما لا يسد حاجته ، وهذا النوع من الناس فى حاجة إلى العناية والرعاية ، لأنهم فى الغالب يفضلون الاكتفاء بالقليل ، على إراقة ماء وجوههم بالسؤال .
وفى الصحيحين عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ليس المسكين الذى يطوف على الناس فترده اللقمة واللقمتان ، والتمرة والتمرتان ، قالوا : فما المسكين يا رسول الله ؟ قال الذى لا يجد غنى يغنيه ، ولا يفطن له فيتصدق عليه ، ولا يسأل الناس شيئا " .
وابن السبيل : هو المسافر المنقطع عن ماله سمى بذلك - كما يقول الآلوسى - لملازمته السبيل - أى : الطريق - فى السفر . أو لأن الطريق تبرزه فكأنها ولدته .
وهذا النوع من الناس - أيضا - فى حاجة إلى المساعدة والمعاونة ، حتى يستطيع الوصول إلى بلده .
وفى هذا الامر تنبيه إلى أن المسلمين وإن اختلفت أوطانهم ينبغى أن يكونوا فى التعاطف والتعاون على متاعب الحياة كالأسرة الواحدة .
والمعنى : وأعط - أيها العاقل - ذوى قرباك حقوقهم الثابتة لهم من البر ، وصلة الرحم ، والمعاونة ، والزيارة ، وحسن المعاشرة ، والوقوف إلى جانبهم فى السراء والضراء ، ونحو ذلك مما توجبه تعاليم دينك الحنيف .
وأعط - كذلك - المسكين وابن السبيل حقوقهما التى شرعها الله - تعالى - لهما ، من الإِحسان إليهما ، ومعاونتهما على ما يسد حاجتهما .
وقدم - سبحانه - الأقارب على غيرهم ، لأنهم أولى بالمعروف ، ولأن إعطاءهم إحسان وصلة رحم .
روى الإِمام أحمد والترمذى والنسائى وغيرهم ، عن سليمان بن عامر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الصدقة على المسكين صدقة . وعلى ذى الرحم اثنتان : صدقة وصلة " .
وقوله - سبحانه - : { وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيراً } نهى عن وضع المال فى غير موضعه الذى شرعه الله - تعالى - مأخوذ من تفريق البذر وإلقائه فى الأرض كيفما كان من غير تعهد لمواقعه ، ثم استعير لتضييع المال فى غير وجوهه .
قال صاحب الكشاف : التبذير تفريق المال فيما لا ينبغى ، وإنفاقه على وجه الإِسراف ، وكانت الجاهلية تنحر إبلها وتتياسر عليها ، وتبذر أموالها فى الفخر والسمعة ، وتذكر ذلك فى أشعارها ، فأمر الله - تعالى - بالنفقة فى وجوهها ، مما يقرب منه ويزلف .
وقال ابن كثير : وقوله { وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيراً } : لما أمر بالإِنفاق نهى عن الإِسراف فيه ، بل يكون وسطا ، كما قال - تعالى - : { والذين إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً } وقال ابن مسعود : التبذير : الإنفاق فى غير حق . وكذا قال ابن عباس .
وقال مجاهد : لو أنفق إنسان ماله كله فى الحق لم يكن مبذرا . ولو أنفق مُدا فى غير حقه كان تبذيرا .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.