تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{أَمَّن جَعَلَ ٱلۡأَرۡضَ قَرَارٗا وَجَعَلَ خِلَٰلَهَآ أَنۡهَٰرٗا وَجَعَلَ لَهَا رَوَٰسِيَ وَجَعَلَ بَيۡنَ ٱلۡبَحۡرَيۡنِ حَاجِزًاۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ} (61)

59

المفردات :

قرارا : مكانا يقر عليه الإنسان وغيره ، بمعنى يستقرّ .

خلالها : بين جهاتها المختلفة .

حاجزا : مانعا بين العذب والملح حتى لا يبغي أحدهما على الآخر .

التفسير :

61- { أمن جعل الأرض قرارا وجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزا أإله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون }

من الذي جعل الأرض مستقرة ليتمكن الإنسان من الحياة عليها ، والاستفادة بخيراتها ، إن موقع الأرض ودورانها حول نفسها ، ودورانها حول الشمس ، وموقعها من القمر ، وحركة الشمس التي ترسل أشعتها على المحيطات فيتصاعد البخر ويتشكل السحاب والرياح ، والأمطار التي تصبّ بقدرة الله في مكان ، وتصرف عن مكان : كل هذا الإعمار والتقدير والتكامل في الكون لابد أن يلفت أنظاركم وعقولكم وتأملكم لتسألوا أنفسكم : من الذي بسط الأرض وجعلها قرارا ؟ من الذي سخر خلالها أنهارا ليشرب منها الإنسان والحيوان والنبات ؟ من الذي خلق الجبال الرواسي بحكمة عالية ، ونشرها على سطح الأرض لحفظ توازنها ، واحتباس الأمطار في رءوس الجبال في الشتاء ، ليستفيد منها الإنسان في الصيف ، وللجبال منافع عدة ، ففوق رءوسها هبطت الرسالات ، وفيها ملجأ للهارب ، وأمطارها وسيلة للسقي والريّ لوديان لا تصعد إليها المياه ، وغير ذلك من المنافع .

{ وجعل بين البحرين حاجزا . . }

أي : خلق المحيطات وفيها مياه مالحة لحياة السمك والمعادن واللآلئ والحيتان ، وسفر البواخر والبوارج ، ولو كانت مياهها عذبة لأنتنت وتلوث الهواء ، وجعل أنهار النيل ودجلة والفرات وغيرها من الأنهار للسقيا ونفع البلاد والعباد .

وهناك حاجز من قدرة الله بين العذب والملح ، فلا يطغى أحدهما على الآخر ، بل بينهما تكامل نظمته يد القدرة الإلهية ، قال تعالى : { مرج البحرين يلتقيان*بينهما برزخ لا يبغيان } [ الرحمان : 19 ، 20 ] أي خلق البحرين العذب والملح ، وجعل بينهما حاجزا من القدرة الإلهية ، فلا يطغى أحدهما على الآخر .

{ أإله مع الله . . . }

أي : أبعد كل هذه الأعمال الجليلة التي أبدعها الله وحده ، تعتقدون أن معه آلهة أخرى كالأصنام والأوثان ؟ والاستفهام هنا إنكاري لعبادتهم غير الله .

{ بل أكثرهم لا يعلمون }

أي : أكثر هؤلاء الكافرين لا يعلمون ما يتحتم عليهم معرفته من العلم الحق ، الذي يوجب عليهم إخلاص عبوديتهم لله سبحانه وتعالى .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{أَمَّن جَعَلَ ٱلۡأَرۡضَ قَرَارٗا وَجَعَلَ خِلَٰلَهَآ أَنۡهَٰرٗا وَجَعَلَ لَهَا رَوَٰسِيَ وَجَعَلَ بَيۡنَ ٱلۡبَحۡرَيۡنِ حَاجِزًاۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ} (61)

ثم انتقلت السورة الكريمة إلى لفت أنظارهم إلى حقائق كونية أخرى يشاهدونها بأعينهم ، ويحسونها بحواسهم . فقال - تعالى - : { أَمَّن جَعَلَ الأرض قَرَاراً } والقرار : المكان الذى يستقر فيه الإنسان ، ويصلح لبناء حياته عليه .

أى : بل قولوا لنا - أيها المشركون : من الذى جعل هذه بالأرض التى تعيشون عليها ، مكانا صالحا لاستقراركم ، ولحرثكم ، ولتبادل المنافع فيما بينكم ، ومن الذى دحاها وسواها وجعلها بهذه الطريقة البديعة .

ومن الذى { وَجَعَلَ خِلاَلَهَآ } أى : جعل فيما بينها { أَنْهَاراً } تجرى بين أجزائها ، لتنتفعوا بمياه هذه الأنهار فى شربكم ، وفى غير ذلك من شئون حياتكم . ومن الذى { وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ } أى : جعل لصلاح حالها جبالا ثوابت ، تحفظها من أن تضطرب بكم .

ومن الذى : { جَعَلَ بَيْنَ البحرين } أى : جعل بين البحر العذب والبحر الملح { حَاجِزاً } يجعلهما لا يختلطان ولا يمتزجان .

ثم يأتى الاستفهام الإنكارى { أإله مَّعَ الله } ؟ أى : أإله مع الله - تعالى - هو الذى فعل ذلك ؟ كلا ، ليس مع الله - تعالى - آلهة أخرى فعلت ذلك .

{ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } أى : بل أكثر هؤلاء المشركين ، لا يعلمون الأمور على وجهها الصحيح ، لجهلهم ، وعكوفهم على ما ورثوه عن آبائهم بدون تفكير أو تدبر .

وعبر بأكثرهم ، لأن هناك قلة منهم تعلم الحق ، لكنها تنكره جحودا وعنادا .