تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{فَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلۡحَقُّ مِنۡ عِندِنَا قَالُواْ لَوۡلَآ أُوتِيَ مِثۡلَ مَآ أُوتِيَ مُوسَىٰٓۚ أَوَلَمۡ يَكۡفُرُواْ بِمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ مِن قَبۡلُۖ قَالُواْ سِحۡرَانِ تَظَٰهَرَا وَقَالُوٓاْ إِنَّا بِكُلّٖ كَٰفِرُونَ} (48)

{ فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى أو لم يكفروا بما أوتي موسى من قبل قالوا سحران تظاهرا وقالوا إنا بكل كافرون( 48 ) قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه إن كنتم صادقين( 49 ) فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين( 50 ) }

المفردات :

الحق : القرآن المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ، أو الرسول المصدق بالقرآن .

سحران : أي : ما أوتيه موسى ، وما أوتيه محمد صلى الله عليه وسلم .

تظاهرا : تعاونا بتصديق كل منهما الآخر .

48

التفسير :

48-{ فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى أو لم يكفروا بما أوتي موسى من قبل قالوا سحران تظاهرا وقالوا إنا بكل كافرون }

بعد فترة من الرسل أرسل الله محمدا صلى الله عليه وسلم ، فلما جاءهم بالحق : بالرسالة الحق ، وبالقرآن الحق ، وبالقول الحق والصدق ، والدعوة إلى الإيمان والإسلام : أنكروا رسالة محمد صلى الله عليه وسلم ، وقالوا في أسباب كفرهم : هلا أوتي محمد صلى الله عليه وسلم معجزات مادية ملحوظة مثل ما أوتي موسى ، " يعنون مثل العصا واليد والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم ، وتنقيص الزروع والثمار مما يضيق على أعداء الله ، وكفلق البحر ، وتظليل الغمام ، وإنزال المن والسلوى ، إلى غير ذلك من الآيات الباهرة ، والحجج القاهرة على يدي موسى عليه السلام حجة وبرهانا له على فرعون وملئه )xvii .

وقريب من هذا المعنى ما حكاه القرآن عنهم حين قالوا : { لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا*أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها . . } [ الفرقان : 7 ، 8 ] .

{ أو لم يكفروا بما أوتي موسى من قبل . . }

أو لم يكفر أمثالهم في الكفر والعناد بما أوتي موسى ؟ حيث كذبوا موسى ، وكفروا برسالته ، كما قالوا : { أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا . . } [ يونس : 78 ] .

وقال تعالى : { فكذبوهما فكانوا من المهلكين } [ المؤمنون : 48 ] .

قال ابن كثير :

{ أو لم يكفروا بما أوتي موسى من قبل . . }

أي : أو لم يكفر البشر بما أوتي موسى من تلك الآيات العظيمة } .

{ قالوا سحران تظاهرا . . }

أي : سحر موسى وسحر هارون تعاونا .

{ وقالوا إنا بكل كافرون }

أي : بكل منهما كافرون . اه .

أي : إن التكذيب لم يكن في أهل مكة وحدهم ، بل سبقهم قوم فرعون ، حيث أيد الله موسى بآيات باهرة منها تسع آيات بينات ، لكنهم كذبوا موسى وهارون ، وقالوا : ساحران تعاونا وإنا كافرون بهما ، فالكفر والعناد كانا طبيعة في المكذبين بالرسل على مختلف العصور ، كأنما وصى السابق منهم اللاحق .

قال تعالى : { أتواصوا به بل هم قوم طاغون } [ الذاريات : 53 ] .

رأي آخر في تفسير الآية

روى أن أهل مكة بعثوا رهطا إلى رؤساء اليهود ، فسألوهم عن شأن محمد صلى الله عليه وسلم فقالوا : إنا نجده في التوراة بنعته وصفته ، فلما رجع الرهط وأخبروهم بما قالت اليهود ، قال كفار مكة : { سحران تظاهرا . . } أي : سحر موسى وسحر محمد { وقالوا إنا بكل كافرون } أي : بكل من الكتابين –التوراة والقرآن- كافرون ، قالوا ذلك تأكيدا لكفرهم وعتوهم وتماديهم في العناد والطغيان .

قال الآلوسي :

وقرأ الأكثرون : { قالوا سحران تظاهرا . . } وأرادوا بهما محمدا وموسى عليهما الصلاة والسلام .

وجاء في ظلال القرآن ما يأتي :

لقد كان في الجزيرة يهود ، وكان معهم التوراة ، فلم يؤمن لهم العرب ، ولم يصدقوا بما بين أيديهم من التوراة ، ولقد علموا أن صفة محمد صلى الله عليه وسلم مكتوبة في التوراة ، واستفتوا بعض أهل الكتاب فيما جاءهم به فأفتوهم بما يفيد أنه الحق ، وأنه مطابق لما بين أيديهم من الكتاب ، فلم يذعنوا لهذا كله ، وادعوا أن التوراة سحر ، وأن القرآن سحر ، وأنهما من أجل هذا يتطابقان ، ويصدق أحدهما الآخر ، { قالوا سحران تظاهرا وقالوا إنا بكل كافرون } .

فهو المراء إذن واللجاجة ، لا طلب الحق ولا نقصان البراهين ، ولا ضعف الدليل .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{فَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلۡحَقُّ مِنۡ عِندِنَا قَالُواْ لَوۡلَآ أُوتِيَ مِثۡلَ مَآ أُوتِيَ مُوسَىٰٓۚ أَوَلَمۡ يَكۡفُرُواْ بِمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ مِن قَبۡلُۖ قَالُواْ سِحۡرَانِ تَظَٰهَرَا وَقَالُوٓاْ إِنَّا بِكُلّٖ كَٰفِرُونَ} (48)

ثم بين - سبحانه - بعد ذلك موقفهم بعد مجىء الرسول صلى الله عليه وسلم إليهم فقال : { فَلَمَّا جَآءَهُمُ الحق مِنْ عِندِنَا } متمثلا فى رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم وفيما أيدناه به من معجزات دالة على صدقه ، وعلى رأسها القرآن الكريم .

لما جاءهم هذا الرسول الكريم { قَالُواْ } على سبيل التعنت والجحود : هلا أوتى هذا الرسول مثل ما أوتى موسى ، من توراة أنزلت عليه جملة واحدة ومن معجزات حسية منها العصا واليد والطوفان ، والجراد . . . إلخ .

وقوله - عز وجل - { أَوَلَمْ يَكْفُرُواْ بِمَآ أُوتِيَ موسى مِن قَبْلُ . . } رد عليهم لبيان أن ما قالوه هو من باب العناد والتعنت ، والاستفهام لتقرير كفرهم وتأكيده .

أى : قالوا ما قالوا على سبيل الجحود ، والحال أن هؤلاء المشركين كفروا كفرا صريحا بما أعطاه الله - تعالى - لموسى من قبلك - يا محمد - من معجزات ، كما كفروا بالمعجزات التى جئت بها من عند ربك ، فهم ديدنهم الكفر بكل حق .

ثم حكى - سبحانه - بعض أقوالهم الباطلة فقال : { قَالُواْ سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُواْ إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ } .

وقوله : { سِحْرَانِ } خبر لمبتدأ محذوف . أى : قالوا ما يقوله كل مجادل بغير علم : هما - أى ما اء به موسى وما جاء به محمد - عليهما الصلاة والسلام ، { سِحْرَانِ تَظَاهَرَا } أى : تعاونا على إضلالنا ، وإخراجنا عن ديننا ، وقالوا - أيضا - { إِنَّا بِكُلٍّ } أى بكل واحد مما جاءوا به { كَافِرُونَ } كفرا لا رجوع معه إلى ما جاء به هذان النبيان - عليهما الصلاة والسلام - .

قال الآلوسى : وقوله : { قَالُواْ } استئناف مسوق لتقرير كفرهم المستفاد من الإنكار السابق ، وبيان كيفيته ، و { سِحْرَانِ } ، يعنون بهما ما أوتى نبينا وما أوتى موسى . . { تَظَاهَرَا } أى : تعاونا بتصديق كل واحد منهما الآخر ، وتأييده إياه ، وذلك أن أهل مكة بعثوا رهطا منهم إلى رؤساء اليهود فى عيد لهم ، فسألوهم عن شأنه صلى الله عليه وسلم فقالوا : إنا نجده فى التوارة بنعته وصفته ، فلما رجع الرهط وأخبروهم بما قالت اليهود . قالوا ذلك .

وقرأ الأكثرون { قَالُواْ ساحْرَانِ تَظَاهَرَا } وأرادوا بهما محمد وموسى - عليهما الصلاة والسلام - .