( سورة المزمل مكية ، وآياتها 20 آية ، نزلت بعد سورة القلم )
وهي سورة تحمل النداء الإلهي للنبي الكريم بقيام الليل ، وقد جعله الله فريضة في حقه ، نافلة في حق أمته .
قال تعالى : ومن الليل فتهجّد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا . ( الإسراء : 79 ) .
وفي كتب السنة ما يفيد أن هذه السورة من أوائل ما نزل من القرآن الكريم ، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعيش بين قومه في الجاهلية ، ثم حبب الله إليه الخلوة ليتأمل في ملكوت السماوات والأرض ، وليعده الله لتحمل أعباء الرسالة ، ثم فجأة الوحي وهو في غار حراء ، حيث قال له جبريل : اقرأ ، قال النبي : ( ما أنا بقارئ ) ثلاث مرات ، فقال جبريل : اقرأ باسم ربك الذي خلق* خلق الإنسان من علق* اقرأ وربك الأكرم* الذي علّم بالقلم* علّم الإنسان ما لم يعلم . ( العلق : 1-5 ) .
وقد عاد النبي صلى الله عليه وسلم إلى خديجة وأخبرها الخبر ، فقالت له : أبشر يا ابن عمّ واثبت ، فو الذي نفس خديجة بيده ، إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة .
ثم فتر الوحي مدة عن النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن كان بالجبل مرة أخرى ، فنظر فإذا جبريل ، فأدركته منه رجفة ، حتى جثا وهوى إلى الأرض ، وانطلق إلى أهله يرجف يقول : ( زملوني ، دثروني ) ، ففعلوا ، وظل يرتجف مما به من الروع ، وإذا جبريل يناديه : يا أيها المزمل ، يا أيها المدثر .
وسورة المزمل تعرض صفحة من تاريخ الدعوة الإسلامية ، إنها تنادي النبي الكريم ، وتأمره بقيام الليل ، والصلاة وترتيل القرآن ، والذكر الخاشع المتبتل ، والاتكال على الله وحده ، والصبر على الأذى ، والهجر الجميل للمكذبين ، والتخلية بينهم وبين الجبار القهار .
وتنتهي السورة بلمسة الرفق والرحمة ، والتخفيف والتيسير ، والتوجيه للطاعات والقربات ، والتلويح برحمة الله مغفرته . إن الله غفور رحيم . ( المزمل : 20 ) .
والسورة تمثل صفحة من جهاد النبي الكريم ، وصحبه الأبرار في سبيل الدعوة إلى الله ، وحشد جميع الطاقات من أجل هذه الدعوة ، فقد قام النبي صلى الله عليه وسلم في مكة والمدينة داعيا إلى الله ، صابرا محتسبا ، مهاجرا ومجاهدا ومربيا ، وناشرا لدعوة الله بكل ما يملك ، منذ قال له القرآن : قم الليل إلا قليلا . ( المزمل : 2 ) .
وكان قيام الليل هو الزاد الروحي ، والتعبئة الإلهية لهذا القلب الكريم ، حتى يصدع بالدعوة ، ويتحمل في سبيلها كل بلاء ، وليصبر ويصابر ، وليحتسب كل جهد في سبيل الله : واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا . ( المزمل : 10 ) .
1-4- أمر الله رسوله أن يقوم من الليل ثلثه أو نصفه أو ثلثيه ، فهو مخير في ذلك ، وأن يقرأ القرآن الكريم على مهل وتؤدة ، مع حضور القلب لتدبر معانيه وفهم مقاصده .
5- والقرآن يسره الله للقراءة ، ولكنه ثقيل في ميزان الحق ، ثقيل في أثره في القلوب ، ثقيل في قيمته الراجحة ، ومعانيه الراقية ، وما فيه من تكاليف وأعباء .
6- إن قيام الليل هو أكبر موافقة بين القلب واللسان ، وأعدل قولا .
7- وفي النهار متسع لشئون المعاش ، ولك فيه تصرف في مهام أمورك ، واشتغال بمشاغلك .
8-9- واتجه إلى الله بالعبادة وحضور القلب ، واذكره وتضرع إليه ، في إنابة وطاعة وإخلاص ، فهو رب الكون كله ، والتوكل عليه هو التوكل على القوة الوحيدة في هذا الوجود .
10- واصبر على ما يقولون في حقك ربك ، واهجرهم هجرا جميلا ، بأن تجانبهم وتغضى عن زلاتهم ولا تعاتبهم .
11- ثم توعد المشركين وتهددهم ، وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم : اترك عقابهم لي وحدي ، فأنا كفيل بهم ، هؤلاء الذين تنعموا في نعمائي ، أمهلهم وقتا قليلا من الزمن ، وسترى ما يحل بهم .
12 ، 13- إن لدينا أنكالا . أي : قيودا ثقيلة توضع في أرجلهم ، كلما أرادوا أن يرتفعوا جذبتهم إلى أسفل ، ثم هناك الجحيم ، والطعام ذو الغصة ، الذي يمزق الحلوق ، والعذاب الأليم ، وكلها جزاء مناسب لمن كفر بنعمة الله .
14- ويمتد الهول في يوم القيامة إلى الأرض فتضطرب وتهتز ، وإلى الجبال فتتمزق أجزاؤها ، وتصير كالصوف المنفوش أو كومة الرمل المهيلة ، بعد أن كانت حجارة صماء متماسكة .
15 ، 16- ويلتفت القرآن إلى أهل مكة فيخاطبهم ، ويهز قلوبهم هزّا ، ويخلعها خلعا ، بعد مشهد الأرض والجبال وهي ترتجف وتنهار ، فيحذرهم مما أصاب فرعون الجبار ، وقد أخذه الله أخذ عزيز مقتدر ، ومضمون القول : لقد أرسلنا إلى فرعون رسولا فعصاه ، فأخذناه أخذا وبيلا ، وأرسلنا إليكم رسولا شاهدا عليكم ، فاحذروا أن تعصوه فيصيبكم مثل ما أصابه .
17 ، 18- وهبوا أنكم لا تؤخذون في الدنيا كما أخذ فرعون ، فكيف تتقون عذاب يوم القيامة ، وهو هول يشيب الولدان ، وتنشق السماء من شدته ، وكان وعد الله ثابتا مؤكدا لا خلف فيه ، وهو سبحانه فعال لما يريد .
19- وأمام هول الآخرة لهم : إن هذه الآيات تذكرة وعبرة ، فمن شاء اعتبر بها ، واتخذ طريقا إلى الله وهو آمن سالم ، قبل مجيء هذا الهول العصيب .
20- وفي الآية الأخيرة من السورة نجد لمسة التخفيف الندية ، ودعوة التيسير الإلهي ، فقد لبى النبي صلى الله عليه وسلم الدعوة إلى قيام الليل ، ولبى المسلمون الدعوة ، وتجافت جنوبهم عن المضاجع ، وقاموا الليل حتى تورمت أقدامهم من طول القيام ، فقال القرآن : إن ربك يعلم أنك تقوم الليل ، ويرى تقلبك في الساجدين ، والله يعلم أنكم لن تحصوا ساعات الليل إحصاء تاما ، فإذا زدتم على المفروض ثقل ذلك عليكم وكلفتم ما ليس بفرض ، وإن نقصتم شق هذا عليكم ، فتاب عليكم ورجع بكم من تثقيل إلى تخفيف ، ومن عسر إلى يسر ، وطلب إليكم أن تصلّوا ما تيسر من الليل على قدر طاقتكم .
وإن لهذا التخفيف حكمة أخرى ، وهي أنه علم أن سيكون منكم مرضى ، وآخرون يسيحون في الأرض يطلبون من فضل الله بالتجارة أو العلم ، وآخرون يقاتلون في سبيل الله ، فقد علم الله أن سيأذن لكم في الانتصار ممن ظلمكم بالقتال ، فصلوا ما تيسر لكم من صلاة الليل بدون تقيد بقدر محدد ، وأقيموا الصلاة المفروضة ، وآتوا الزكاة الواجبة ، وتصدقوا بعد ذلك قرضا لله ، يبق لكم خيره ، ويرده الله إليكم أضعافا مضاعفة ، وما تقدموا لأنفسكم من صدقة أو عمل صالح في الدنيا ، تجدوا ثوابه عند الله يوم القيامة ، خيرا مما أوتيتم في دار الدنيا ، وأعظم منه أجرا ، واتجهوا إلى الله مستغفرين ، إن الله غفور رحيم .
إنها لمسة الرحمة والتخفيف بعد عام من الدعوة إلى القيام ، وقد خفف الله عن المسلمين فجعل قيام الليل لهم تطوعا لا فريضة .
أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد مضى نهجه مع ربه ، لا يقل قيامه عن ثلث الليل ، يناجي ربه ويستمد منه العون والتوفيق في أداء رسالته . وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب . ( هود : 88 ) .
أمر الله عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم بما يأتي :
1- قيام ثلث الليل أو نصفه أو ثلثيه .
3- ذكر ربه ليلا ونهارا بالتحميد والتسبيح والصلاة .
4- التوكل على الله والاعتماد عليه .
5- الصبر على ما يقول الكفار عنه من أنه ساحر أو شاعر ، وأن يهجرهم هجرا جميلا بمجانبتهم ومداراتهم ، وأن يكل أمرهم إلى ربهم فهو الذي يجازيهم ، وسيرى عاقبة أمرهم .
6- التخفيف من صلاة الليل ، بعد أن شق ذلك عليهم لأعذار كثيرة ، والاكتفاء بما تيسر من صلاة الليل ، ففي الصلاة المفروضة غنية للأمة ، مع إيتاء الزكاة ودوام الاستغفار .
{ يا أيها المزّمل 1 قم الليل إلا قليلا 2 نصفه أو انقص منه قليلا 3 أو زد عليه ورتّل القرآن ترتيلا 4 إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا 5 إن ناشئة الليل هي أشدّ وطئا وأقوم قيلا 6 إن لك في النهار سبحا طويلا 7 واذكر اسم ربك وتبتّل إليه تبتيلا 8 رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا 9 }
المزمل : المتلفّف بثيابه ( النبي صلى الله عليه وسلم ) .
الليل : من غروب الشمس إلى طلوع الفجر .
نصفه وانقص منه قليلا : انقص من النصف قليلا إلى الثلث .
أو زد عليه : إلى الثلثين ، والمراد به التخيير بين قيام النصف ، والناقص منه ، والزائد عليه ، فهو صلى الله عليه وسلم مخيّر بين قيام ثلث الليل أو نصفه أو ثلثيه .
رتّل القرآن : اقرأه بتمهّل وتبيين حروف .
1 ، 2 ، 3 ، 4- يا أيها المزّمل* قل الليل إلا قليلا* نصفه أو انقص منه قليلا* أو زد عليه ورتّل القرآن ترتيلا .
أول ما بدئ به صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم ، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ، ثم حبب إليه الخلاء ، فكان يخلو في غار حراء ، يتعبد فيه الليالي ذوات العدد ، ثم يعود إلى خديجة فيتزود لمثلها ، حتى فجأه الوحي وهو في غار حراء ، حيث ضمّه الملك ضمّا شديدا حتى بلغ منه صلى الله عليه وسلم الجهد ، وأرسله فقال : اقرأ . قال صلى الله عليه وسلم : ما أنا بقارئ ، أي لا يعرف القراءة ، وتكرر ذلك ثلاث مرات .
ثم قال له : اقرأ باسم ربك الذي خلق . ( العلق : 1 ) .
وعاد صلى الله عليه وسلم إلى مكة فدخل على خديجة ، وأخبرها الخبر ، ثم قال : ( زمّلوني ، دثّروني ) . أي : غطوني ولفّوني في ثياب ، ليهدأ روعه صلى الله عليه وسلمi .
وسورة المزمّل هي السورة الرابعة في النزول ، سبقتها سورة العلق ، ثم ن ، ثم المدّثر ، ثم نزلت المزمّل .
وقيل : كان ذلك تذكيرا له باللحظة التي كان فيها بعد نزول الوحي أوّل مرة ، وناداه الله بذلك تأنيسا لقلبه ، وملاطفة له .
وقيل : يا أيها المزمّل بالنبوة ، والملتزم بالرسالة .
شمّر عن ساعد الجدّ ، واهجر المنام ، واستعدّ للقيام بين يدي الملك العلام ، إنها فترة الإعداد لتلقي الوحي ، والجهاد في سبيل تبليغ الرسالة ، وهذه المهمة تحتاج إلى تعبئة روحية ، وشدة اتصال بين المخلوق والخالق ، أي : استعدّ لقيام الليل ، إلا القليل منه تقضيه في النوم والراحة ، للاستعانة بذلك على تبليغ الرسالة .
أي : قم نصف الليل ، أو أقل من النصف قليلا ، وهو الثلث .
أو زد عليه ورتّل القرآن ترتيلا .
أو زد على النصف إلى الثلثين ، فخيّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين قيام نصف الليل ، أو أقل منه قليلا وهو الثلث ، أو أزيد من النصف وهو الثلثان .
وقيل : خيّر بين قيام نصف الليل ، أو ربعه ، أو ثلاثة أرباعه ، والرأي الأوّل أولى .
اقرأ القرآن في عناية وترتيل وتبيين ، وتجميل للصوت ، وأداء حسن ، فإن ذلك أعون على تبيّن المعاني ، وانشغال القلب مع اللسان .
روى الحاكم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( زينوا القرآن بأصواتكم ) .
وروى البخاري ومسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم : ( ليس منا من لم يتغنّ بالقرآن )ii .
أي : يحسّن صوته ويجمّله ، ويهذّبه ويجوّده ، ليعظّم تأثير القرآن في قلوب سامعيه .
وروى البخاري ومسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي موسى الأشعري : ( لقد أعطيت مزمارا من مزامير آل داود ) . iii . فقال أبو موسى الأشعري : يا رسول الله ، لو كنت أعلم أنك تسمع لحبّرته لك تحبيرا .
1- سورة " المزمل " هي السورة الثالثة والسبعون في ترتيب المصحف ، أما ترتيبها في النزول على النبي صلى الله عليه وسلم فهي السورة الثالثة أو الرابعة ، إذ يرى بعضهم أنه لم يسبقها في النزول سوى سورتي العلق والمدثر ، بينما يرى آخرون أنه لم يسبقها سوى سور العلق ، ونون ، والمدثر .
وعدد آياتها عشرون آية عند الكوفيين ، وتسع عشرة آية عند البصريين وثماني عشرة آية عند الحجازيين .
2- وجمهور العلماء على أن سورة " المزمل " من السور المكية الخالصة ، فابن كثير –مثلا- عند تفسيره لها قال : تفسير سورة " المزمل " ، وهي مكية .
وحكى بعضهم أنها مكية سوى آيتين ، فقد قال القرطبي : مكية كلها في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر ، وقال ابن عباس وقتادة : هي مكية إلا آيتين منها ، وهما قوله –تعالى- : [ واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا ، وذرني والمكذبين . . . ] .
وقال الثعلبي : هي مكية إلا الآية الأخيرة منها وهي قوله –تعالى- : [ إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه . . . ] فإنها نزلت بالمدينة( {[1]} ) .
وقال الشيخ ابن عاشور ما ملخصه : وقال في الإتقان : إن استثناء قوله –تعالى- : [ إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل . . . ] إلى آخر السورة ، يرده ما أخرجه الحاكم عن عائشة أنها قالت : نزلت هذه الآية بعد نزول صدر السورة بسنة . .
ثم قال الشيخ ابن عاشور : وهذا يعني أن السورة كلها مكية ، والروايات تظاهرت على أن هذه الآية قد نزلت منفصلة عما قبلها ، بمدة مختلف في قدرها ، فعن عائشة أنها سنة . . ومن قال بأن هذه الآية مدنية ، يكون نزولها بعد نزول ما قبلها بسنين . .
والظاهر أن هذه الآية مدنية ، لقوله –تعالى- : [ . . . وآخرون يقاتلون في سبيل الله ] ومن المعروف أن القتال لم يفرض إلا في المدينة –إن لم يكن ذلك إنباء بمغيب على وجه المعجزة( {[2]} ) .
والسورة الكريمة : زاخرة بالحديث الذي يدخل التسلية والصبر على قلب النبي صلى الله عليه وسلم ، ويعلي من شأن القرآن الكريم ، ويرشد المؤمنين إلى ما يسعدهم ويصلح بالهم ، ويهدد الكافرين بسوء المصير إذا ما استمروا في طغيانهم ، ويذكّر الناس بأهوال يوم القيامة . . ويسوق لهم ألوانا من يسر شريعته ورأفته –عز وجل- بعباده ، وإثابتهم بأجزل الثواب على أعمالهم الصالحة .
وقد ذكرالمفسرون عند تفسيرهم لهذه السورة الكريمة روايات منها ما رواه البزار والطبرانى فى الأوسط ، وأبو نعيم فى الدلائل عن جابر - رضى الله عنه - قال : اجتمعت قريش فى دار الندوة فقالوا : سموا هذا الرجل اسما تصدوا الناس عنه فقالوا : كاهن . قالوا : ليس بكاهن . قالوا : مجنون . قالوا : ليس بمجنون . قالوا : ساحر . قالوا : ليس بساحر . . فتفرق المشركون على ذلك . فبلغ ذلك النبى صلى الله عليه وسلم فتزمل فى ثيابه وتدثر فيها ، فأتاه جبريل فقرأ عليه : { ياأيها المزمل } { ياأيها المدثر . . . } وقيل : إنه صلى الله عليه وسلم كان نائما بالليل متزملا فى قطيفة . . فجاءه جبريل بقوله - تعالى - { ياأيها المزمل . قُمِ الليل إِلاَّ قَلِيلاً . . } .
وقيل : إن سبب نزول هذه الآيات ما رواه الشيخان وغيرهما من حديث جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " جاورت بحراء ، فلما قضيت جوارى ، هبطت ، فنوديت فنظرت عن يمينى فلم أر شيئا ، ونظرت عن شمالى فلم أر شيئا . . فرفعت رأسى فإذا الذى جاءنى بحراء ، جالس على كرسى بين السماء والأرض . . فرجعت فقلت : دثرونى دثرونى " ، وفى رواية : " فجئت أهلى فقلت : زملونى زملونى ، فأنزل الله - تعالى - : { ياأيها المدثر . . . } " .
وجمهور العلماء يقولون : وعلى أثرها نزلت : { ياأيها المزمل . . . } .
و { المزمل } : اسم فاعل من تزمل فلان بثيابه ، إذا تلفف فيها ، وأصله المتزمل ، فأدغمت التاء فى الزاى والميم .
وافتتح الكلام بالنداء للتنبيه على أهمية ما يلقى على المخاطب من أوامر أو نواه .
وفى ندائه صلى الله عليه وسلم بلفظ " المزمل " تلطف معه ، وإيناس لنفسه ، وتحبب إليه ، حتى يزداد نشاطا ، وهو يبلغ رسالة ربه .
والمعنى : يأيها المزمل بثيابه ، المتلفف فيه ، رهبة مما رآه من عبدنا جبريل . او هما وغما مما سمعه من المشركين ، من وصفهم له بصفات هو برئ منها .