اللباب في علوم الكتاب لابن عادل - ابن عادل  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلۡمُزَّمِّلُ} (1)

مقدمة السورة:

سورة المزمل

مكية في قول الحسن رضي الله عنه وعكرمة وعطاء وجابر ، وقال ابن عباس وقتادة : إلا آيتين منها :{ واصبر على ما يقولون } ، والتي تليها{[1]} [ الآية :10 ، 11 ] ، ذكره الماوردي وغيره .

وقال الثعلبي :{ إن ربك يعلم أنك تقوم }[ المزمل : 10 ، 11 ] ، إلى آخر السورة ، فإنه نزل بالمدينة{[2]} . وهي سبع وعشرون آية ، ومائتان وخمس وثمانون كلمة ، وثماني مائة وثمانية وثلاثون حرفا .

بسم الله الرحمن الرحيم

قوله تعالى : { يا أيها المزمل } ، أصله «المُتزمِّلُ » فأدغمت التاء في الزاي ، يقال : تزمَّل يتزمل تزملاً ، فإذا أريد الإدغام : اجتلبت همزة الوصل ، وبهذا الأصل قرأ أبي بن{[58256]} كعب .

وقرأ عكرمة{[58257]} : «المُزمِّل » - بتخفيف الزاي وتشديد الميم - اسم فاعل ، وعلى هذا فيكون فيه وجهان :

أحدهما : أن أصله «المُزتمِل » بوزن «مفتعل » فأبدلت التاء ميماً وأدغمت ، قاله أبو البقاء ، وهو ضعيف .

والثاني : أنه اسم فاعل من «زمل » مشدداً ، وعلى هذا ، فيكون المفعول محذوفاً ، أي : المزمل جسمه . وقرئ{[58258]} كذلك إلا أنه بفتح الميم اسم مفعول منه أي : «المُلفَّفُ ، والتزمل : التلفف ، يقال : تزمل زيد بكساء ، أي : الفت به ؛ وقال ذو الرُّمَّة : [ الطويل ]

4918 - وكَائِنْ تَخطَّت نَاقتِي مِنْ مفَازةٍ*** ومِنْ نَائِمٍ عَنْ ليْلِهَا مُتزمِّلِ{[58259]}

وقال امرؤ القيس : [ الطويل ]

4919 - كَأنَّ ثَبِيراً فِي أفَانينِ ودقِهِ*** كَبِيرُ أنَاسٍ في بجَادٍ مُزمَّلِ{[58260]}

وهو كقراءة بعضهم المتقدمة

فصل في بيان لمن الخطاب في الآية

هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وفيه ثلاثةُ أقوالٍ :

الأول : قال عكرمة : { يا أيها المزمل } بالنبوة المتزمل بالرسالة{[58261]} ، وعنه : يا أيها الذي زمل هذا الأمر{[58262]} ، أي : حمله ثم فتر ، وكان يقرأ : { يا أيها المزمل } - بتخفيف الزاي وفتح الميم وتشديدها ، على حذف المفعول ، وكذلك : " المدثر " ، والمعنى : المزمل نفسه والمدثر نفسه ، والذي زمله غيره .

الثاني : قال ابن عباس : يا أيها المزمل بالقرآن{[58263]} .

الثالث : قال قتادة : يا أيها المزمل بثيابه{[58264]} .

قال النخعيُّ : كان متزملاً بقطيفة عائشة رضي الله عنها بمرط طوله أربعة عشر ذراعاً نصفه عليّ ، وأنا نائمة ونصفه على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي ، والله ما كان خزاً ولا قزاً ولا مرعزاء ولا إبريسم ولا صوفاً ، كان سداه شعراً ولحمته وبراً{[58265]} ، ذكره الثعلبي .

قال القرطبيُّ{[58266]} : " وهذا القول من عائشة يدل على أنَّ السورة مدنية ، فإنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لم يبنِ بها إلاَّ بالمدينة ، والقول بأنها مكية لا يصح " .

وقال الضحاكُ : تزمل لمنامه .

وقيل : بلغه من المشركين سوء قول فيه ، فاشتد عليه فتزمل ، وتدثر ، فنزل : { يا أيها المزمل } { يا أيها المدثر } .

وقيل : كان هذا في ابتداء أمر ما أوحي إليه فإنه لما سمع صوت الملك ، ونظر إليه أخذته الرعدة ، فأتى أهله ، وقال : زمِّلوني ، دثِّرُونِي .

روي معناه عن ابن عباس ، قال : أول ما جاءه جبريل خافه ، وظن أن به مساً من الجنِّ ، فناداه ، فرجل من الجبل مرتعداً وقال : زمِّلُوني ، زمِّلُونِي{[58267]} .

وقال الكلبيُّ : إنما تزمل النبي بثيابه ليتهيأ للصلاة{[58268]} ، وهو اختيار الفراءِ .

وقيل : إنه - عليه الصلاة والسلام - كان نائماً بالليل متزملاً في قطيفة فنودي بما يهجر تلك الحالة ، فقيل له : { يا أيها المزمل } قم واشتغل بالعبودية .

وقيل : معناه يا من تحمل أمراً عظيماً ، والزمل : الحمل .

قال البغويُّ : قال الحكماء : كان هذا الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم في أول الوحي قبل تبليغ الرسالة ، ثم خوطب بعد بالنبي ، والرسول .

فصل في نفي كون «المزمل » اسماً للنبي صلى الله عليه وسلم

قال السهيليُّ : ليس المزمل باسم من أسماء النبي صلى الله عليه وسلم كما ذهب إليه بعض الناس ، وعدوه في أسمائه صلى الله عليه وسلم وإنما «المُزمِّلُ » اسم مشتق من حالته التي كان عليها حين الخطاب ، وكذلك كان المُدثِّرُ .

وفي خطابه بهذا الاسم فائدتان : إحداهما : الملاطفة ، فإن العرب إذا قصدت ملاطفة المخاطب وترك المعاتبة ، سموه باسم مشتق من حالته التي هو عليها «لقول النبي صلى الله عليه وسلم لعلي - رضي الله عنه - حين غاضب فاطمة - رضي الله عنها - فأتاه وهو نائم وقد لصق جنبه بالتراب ، فقال له : " قُمْ أبَا تُرابٍ " ، إشعاراً له بأنه غير عاتب عليه ، وملاطفة له وإشعاراً بترك العتب ، [ وملاطفاً له وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام لحذيفة : قم يا نومان ملاطفة له ، وإشعاراً بترك العتب والتأنيب ] - وكان نائماً - فقول الله تعالى لمحمد - عليه الصلاة والسلام - : { يا أيها المزمل قُمِ } فيه تأنيس له ، وملاطفة ليستشعر أنه غير عاتب عليه .

والفائدة الثانية : التنبيه لكل متزمل راقد ليله ليتنبه إلى قيام الليل ، وذكر الله تعالى فيه لأن الاسم المشتق من الفعل يشترك فيه مع المخاطب كل من عمل ذلك العمل ، واتصف بتلك الصفة .


[1]:في النسختين تقدم. وندم تصحيح من الرازي. وانظر تصحيح ذلك وغيره في تفسير الإمام 28/117.
[2]:ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (6/605) وعزاه إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.
[58256]:ينظر: المحرر الوجيز 5/386، والبحر المحيط 8/353، والدر المصون 6/401.
[58257]:ينظر: السابق.
[58258]:ينظر: الكشاف 4/634، والبحر المحيط 8/353، والدر المصون 6/401.
[58259]:ينظر: ديوانه (1600) والكشاف 4/634، والبحر 8/352 والدر المصون 6/401.
[58260]:ينظر: ديوانه ص 25، وتذكرة النحاة ص 308، 346، وخزانة الأدب 5/98، 99، 100، 102، 9/37، وشرح شواهد المغني 2/833، واللسان (زمل)، (خزم)، ومغني اللبيب 2/515، والأشباه والنظائر 2/10، والمحتسب 2/135.
[58261]:ينظر: القرطبي (19/22).
[58262]:أخرجه الطبري في "تفسيره" (12/278) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (6/441) وعزاه إلى ابن أبي شيبة وابن نصر.
[58263]:ذكره الماوردي في "تفسيره" (6/125) والقرطبي (19/22).
[58264]:أخرجه الطبري في "تفسيره" (12/278) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (6/441) وزاد نسبته إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن نصر.
[58265]:ذكره القرطبي في "تفسيره" (19/22) عن النخعي.
[58266]:ينظر: الجامع لأحكام القرآن (19/23).
[58267]:ينظر: القرطبي (19/22) عن النخعي.
[58268]:ينظر المصدر السابق.