ضالا : غافلا عن أحكام الشرائع ، أو متحيرا فيما تراه من أحوال قومك .
فهدى : فهداك إلى أسباب الهداية بما أوحى إليك .
ووجدك غافلا عن الشرائع ، فأنزل عليك الوحي والتشريع .
قال تعالى : وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون* بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم . . . ( العنكبوت : 48 ، 49 ) .
وقيل : المعنى : وجدك في حيرة مما عليك قومك ، فاليهودية قد عبث بها الرؤساء ورجال الدين ، والمسيحية كذلك ، عبث بها القساوسة والشمامسة والبطارقة ، وكان العرب يدّعون أنهم على دين إبراهيم ، ومع ذلك كانوا يئدون البنات ، ويشربون الخمر ، ويرتكبون الزنا ، ويعبدون الأوثان ، ويبطش القوي بالضعيف ، ويستمسك الأغنياء والأقوياء بمالهم وجاههم ، فلا ينفقون منه على الفقراء والمحتاجين ، وكان الله قد منح محمدا صلى الله عليه وسلم فطرة سليمة ، فلم يسجد لصنم ، ولم يشرب الخمر ، ولم يرتكب الفواحش ، وكان يخلو بنفسه في غار حراء ، عابدا لله متأملا في هذا الكون ، متحيرا مما عليه الناس ، حتى اجتباه الله وأنزل عليه الوحي ، وهداه إلى طريق الرسالة وإحياء دين الإسلام .
وجمهور العلماء على أنه صلى الله عليه وسلم قد فطر على الإيمان بالله ، وما كان صلى الله عليه وسلم على دين قومه لحظة واحدة ، بدليل قوله تعالى : ما ضل صاحبكم وما غوى . ( النجم : 2 ) .
وقد كان هناك متحنثون من العرب ، زهدوا فيما عليه القوم ، وانصرفوا إلى التحنث وتوحيد الله ، أي ترك الحنث والإثم ، والزهد في الدنيا ، والرغبة في السموّ الروحي ، وكان قس بن ساعدة الإيادي يخطب في الناس ، ويقول : البعرة تدل على البعير ، وخط السير يدل على المسير ، سماء ذات أبراج ، وبحار ذات أمواج ، وأرض ذات فجاج ، الا يدل ذلك كله على اللطيف الخبير ، يقسم قسّ بالله قسما لا إثم فيه ، إن لله دينا هو أرضى من دينكم هذا .
وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد استمع إليه ، ثم قال صلى الله عليه وسلم لمن حوله : ( أيكم يحفظ شعره ) ؟ فقال أبو بكر الصديق : أنا أحفظ شعره ، وهو :
في الذاهبين الأولين *** من القرون بصائر
لم رأيت موارد للموت *** ليس لها مصادر
ورأيت قومي نحوها *** تمضي الأكابر والأصاغر
أيقنت أنّي لا محالة *** حيث صار القوم صائر
وقد ذكر الأستاذ الدكتور حسين مؤنس في كتابه ( دراسات في السيرة النبوية ) أن محمدا صلى الله عليه وسلم كان قبل أن يدخل في مراحل النبوة قد اتجه بقله ونفسه إلى البحث عن الحق ، أنفة من الأوثان ، وبصيرة منه بأنها عبث لا طائل وراءها ، أي أنه سار في طريق من عرفنا من الحنيفية ، دون أن يكون في جملتهم ، إنما هو كان يبحث وحده عن ملة إبراهيم عليه السلام ، وهذا بدوره مرتبط أشد الارتباط بما كان محمد صلى الله عليه وسلم عليه طوال ما مضى من حياته كلها ، فقد وجهه الله سبحانه في طريق الفضائل والكمالات ، لما سبق في تقديره سبحانه من أنه مصطفيه للرسالة الكبرى ، فكان مثالا في الفضل والخير والعصمة من الزلل ، حتى تستقيم معه الرسالة .
وقد كانت في بلاد العرب يهودية لكنها كانت سلبية لا تدعو الناس إليها ، وكانت تؤمن بالله ، وكانت في بلاد العرب مسيحية لكنها كانت محدودة جدا في بعض الصوامع أو الأديرة ، وكانت تؤمن بالله .
وفكرة الله خالق الكون ظلت في أذهن العرب ، لكنهم أشركوا معه معبوداتهم الوثنية ، وقالوا إنهم يتقربون بعبادتها إلى الله زلفى .
قال تعالى على لسانهم : ما نعبدهم إلا ليقرّبونا إلى الله زلفى . . . ( الزمر : 3 ) .
وكان من الحنيفيين ورقة بن نوفل ، وهو عم خديجة بنت خويلدi . اه .
كان صلى الله عليه وسلم في حيرة من أمر نفسه ، ومن أمر قومه ، فهداه الله برسالته الخاتمة ، وجعله هاديا ومبشرا ونذيرا ، وداعيا إلى الله وسراجا منيرا .
وقيل : إن معنى الآية : أن النبي ضلّ عن جده في شعاب مكة ، فرآه أبو جهل منصرفا عن أغنامه ، فرده إلى جده وهو متعلق بأستار الكعبة ، يضرع إلى الله تعالى ويقول :
وقوله - تعالى - { وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فهدى } بيان لنعمة أخرى أنعم - سبحانه - بها على نبيه صلى الله عليه وسلم :
وللمفسرين فى معنى هذه الآية كلام طويل ، نختار منه قولين : أولهما : أن المراد بالضلال هنا الحيرة فى الوصول إلى الحق ، والغفلة عما أوحاه الله - تعالى - إليه بعد ذلك من قرآن كريم ، ومن تشريعات حكيمة . . مع اعتقاده صلى الله عليه وسلم قبل النبوة أن قومه ليسوا على الدين الحق ، بدليل أنه لم يشاركهم فى عبادتهم للأصنام ، ولا فى السلوك الذى يتنافى من مكارم الأخلاق .
وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله : { ضالا } معناه : الضلال عن علم الشرائع وما طريقه السمع . .
وقال الإِمام الشيخ محمد عبده - رحمه الله - : عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه : نشأ صلى الله عليه وسلم موحدا ، لم يسجد لصنم ، وطاهر الخلق ، لم يرتكب فاحشة ، حتى عرف بين قومه بالصادق الأمين ، فضلال الشرك ، وضلال الهوى فى العمل ، كانا بعيدين عن ذاته الكريمة .
ولكن الضلال أنواع أخر ، منها : اشتباه المآخذ على النفس ، حتى تأخذها الحيرة فيما ينبغى أن تختار . . وهذا هو الذى عناه الله - تعالى - بالضلال فى هذه الآية الكريمة .
وقد هداه - سبحانه - إلى الحق بعد هذه الحيرة ، بأن اختار له دينا قويما وعلمه كيف يرشد قومه . هذا هو معنى قوله - تعالى - : { وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فهدى } ، وهو معنى قوله - تعالى - فى سورة الشورى : { وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الكتاب وَلاَ الإيمان . . . } وليس فى وصف النبى صلى الله عليه وسلم بالضال على هذا المعنى شين له ، أو حط من شأنه ، بل هذا فخره وإكليل مجده صلى الله عليه وسلم حيث كان على غير علم فعلمه الله ، ولم يكن مطلعا على الغيب ، فأطلعه الله على ما يريد إطلاعه عليه ، وبهذا التفسير نستغنى عن خلط المفسرين فى التأويل . .
أما القول الثانى فى معنى الآية الكريمة ، فهو أنه صلى الله عليه وسلم كان بين قوم مشركين ، وكان بعرضه أن يضل معهم ، ولكن الله - تعالى - حبب إليه الانفراد عنهم ، واعتزال شركهم وسوء أخلاقهم . . فكان بذلك كالشجرة المنفردة فى الصحراء ، والعرب تسمى الشجرة التى بهذه الصفة ضالة .
قال القرطبى : قوله - تعالى - : { وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فهدى } أى : غافلا عما يراد بك من أمر النبوة ، فهداك ، أى : أرشدك . والضلال هنا بمعنى الغفلة .
وقال قوم : { ضالا } أى : لم تكن تدرى القرآن الكريم والشرائع ، فهداك الله إليهما .
وقال قوم { ضالا } أى : وجدك فى قوم ضلال فهداهم الله - تعالى - بك ، والعرب إذا وجدت شجرة منفردة فى فلاة من الأرض ، لا شجر معها ، سموها ضالة ، فيهتدى بها إلى الطريق ، فقال - سبحانه - لنبيه { وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فهدى } أى : لا أحد على دينك ، وأنت وحيد ليس معك أحد ، فهَدَيْتُ بك الخلق إلى دينى . .
هذا هما القولان اللذان نرتاح إليهما ، وارتياحنا إلى أولهما أشد وأقوى ؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد نشأ فى بيئة منحرفة فى عقائدها وأخلاقها ، لم تطمئن نفسه الكريمة إليها ، إلا أنه كا نحائرا فى الوصول إلى الدين الحق ، فهداه الله - تعالى - إليه ، والهداية إلى الحق بعد الحيرة والضلال عنه ، منة عظمى ، ونعمة كبرى .
وهناك أقوال أخرى ضعيفة كقولهم : { ضالا } أى : عن القبلة فهداك الله إليها ، أو { ضالا } فى شعاب مكة ، فهداك الله وردك إلى عمك أو { ضالا } فى سفرك مع عمك إلى الشام ، فردك الله - تعالى - إليه .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.