فتح الرحمن في تفسير القرآن لتعيلب - تعيلب  
{وَإِنِّي مُرۡسِلَةٌ إِلَيۡهِم بِهَدِيَّةٖ فَنَاظِرَةُۢ بِمَ يَرۡجِعُ ٱلۡمُرۡسَلُونَ} (35)

{ قالت يا أيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم29 إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمان الرحيم30 ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين31 قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون32 قالوا نحن أولوا قوة وأولوا بأس شديد والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين33 قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون34 وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون35 }

فاستجاب الهدهد لأمر مولاه سليمان ، وحمل الكتاب إلى بلقيس وقومها ، فلما وصلها ألقاه إليها ففتحته وقرأت ما فيه فأكبرته ، إما لإحساسها أنه من ملك ، أو لكرمه وحسن ما فيه ، أو لأنه كان مختوما ، إنه من سليمان ، وإن ما فيه : بسم الله الرحمان الرحيم ، أي لا تتكبروا علي كما فعل المكابرون المغترون ، وتعالوا إلي منقادين لما جاء من ربنا من وحي ، [ وأنه مع وجازته مشتمل على تمام المقصود لأن قوله{ بسم الله الرحمان الرحيم } مشتمل على إثبات الصانع وصفاته ، والباقي نهى عن الترفع والتكبر وأمر بالانقياد للتكاليف ، كل ذلك بعد إظهار المعجزة برسالة الهدهد ]{[2853]} ، وأتبعت حديثها عن الكتاب بطلب الرأي والمشورة من أشراف قومها ورؤسائهم ، والإفتاء بالإشارة على المستفتي فيما حدث له من الحادثة بما عند المفتي من الرأي والتدبير ، وقد تكون جوابا في حادثة أو إحداث حكم أو تقوية لبيان مشكل ، ولعلها أرادت باستشارتهم استعطافهم وتطييب نفوسهم ليساعدوا ويقوموا معها ، وأكدت أنها لن تقطع أمرا يتصل بالملك إلا بحضورهم ، ووفق آرائهم ، فأجابوها : نحن رجال حرب ونزال ، ولسنا بأصحاب فكر وجدال ، ومنك نتلقى الأوامر فقرري ما ترين ، ووجهي إلينا ما شئت من أمر ، قال الحسن البصري- رحمه الله- فوضوا أمرهم إلى علجة تضطرب ثدياها ، فلما قالوا ما قالوا كانت هي أحزم رأيا منهم وأعلم بأمر سليمان ، وأنه لا قبل لها بجنوده وجيوشه وما سخر له من الجن والإنس والطير ، وقد شاهدت من قضية الكتاب مع الهدهد أمرا عجيبا بديعا ، فقالت لهم : إني أخشى أن نحاربه ونمتنع عليه فيقصدنا بجنوده ويهلكنا بمن معه ، ويخلص إلي وإليكم الهلاك والدمار دون غيرنا . اه ، ثم عدلت إلى المصالحة والمصانعة فقالت : وإني سأرسل إلى سليمان بهدية حتى أتبين أملك هو ؟ أم رسول ؟ قال قتادة رحمه الله : ما كان أعقلها في إسلامها وشركها علمت أن الهدية تقع موقعا من الناس ، وقال ابن عباس . . قالت لقومها : إن قبل الهدية فهو ملك فقاتلوه ، وإن لم يقبلها فهو نبي فاتبعوه{[2854]} .


[2853]:مما أورد النيسابوري.
[2854]:نقل هذا صاحب تفسير القرآن العظيم.