البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي - أبو حيان  
{وَإِنِّي مُرۡسِلَةٌ إِلَيۡهِم بِهَدِيَّةٖ فَنَاظِرَةُۢ بِمَ يَرۡجِعُ ٱلۡمُرۡسَلُونَ} (35)

الهدية : ما سيق إلى الإنسان مما يتحف به على سبيل التكرمة .

ولما كانت عادة الملوك قبول الهدايا ، وأن قبولها يدل على الرضا والإلفة ، قالت : { وإني مرسلة إليهم } ، أي إلى سليمان ومن معه ، رسلاً { بهدية } ، وجاء لفظ الهدية مبهماً .

وقد ذكروا في تعيينها أقوالاً مضطربة متعارضة ، وذكروا من حيلها ومن حال سليمان حين وصلت إليه الهدية ، وكلامه مع رسلها ما الله أعلم به .

و { فناظرة } معطوف على { مرسلة } .

و { بم } متعلق بيرجع .

ووقع للحوفي أن الباء متعلقة بناظرة ، وهو وهم فاحش ، والنظر هنا معلق أيضاً .

والجملة في موضع مفعول به ، وفيه دلالة على أنها لم تثق بقبول الهدية ، بل جوزت الرد ، وأرادت بذلك أن ينكشف لها غرض سليمان .

والهدية : اسم لما يهدى ، كالعطية هي اسم لما يعطى .

وروي أنها قالت لقومها : إن كان ملكاً دنياوياً ، أرضاه المال وعملنا معه بحسب ذلك ، وإن كان نبياً ، لم يرضه المال وينبغي أن نتبعه على دينه ، وفي الكلام حذف تقديره : فأرسلت الهدية ، فلما جاء ، أي الرسول سليمان ، والمراد بالرسول الجنس لا حقيقة المفرد ، وكذلك الضمير في ارجع والرسول يقع على الجمع والمفرد والمذكر والمؤنث .

وقرأ عبد الله : فلما جاءوا ، وقرأ : ارجعوا ، جعله عائداً على قوله : { المرسلون } .