الهداية إلى بلوغ النهاية لمكي بن ابي طالب - مكي ابن أبي طالب  
{وَإِنِّي مُرۡسِلَةٌ إِلَيۡهِم بِهَدِيَّةٖ فَنَاظِرَةُۢ بِمَ يَرۡجِعُ ٱلۡمُرۡسَلُونَ} (35)

ثم قال تعالى عنها : أنها قالت لهم : { وإني مرسلة إليهم بهدية }[ 36 ] ، أي إني مرسلة إلى سليمان بهدية ، لنختبر بذلك سليمان ونعرف أملك أم نبي ؟ فإن يكن{[52370]} نبيا لم يقبل الهدية ، ولم يرضه منا إلا أن نتبعه{[52371]} على دينه ، وإن يكن ملكا قبل الهدية وانصرف . قال ذلك ابن عباس{[52372]} .

قيل : إنها لما{[52373]} لم يشر عليها قومها برأي رجعت إلى{[52374]} رأيها فأرسلت الهدية .

قال ابن عباس : بعثت إليه بوصائف ووصف ألبستهم لباسا واحدا حتى لا يعرف ذكر{[52375]} من أنثى ، فقالت : إن زيل{[52376]} بينهم حتى يعرف الذكر من الأنثى ، ثم رد الهدية فإنه{[52377]} نبي ، وينبغي لنا أن نترك{[52378]} ملكنا ، ونتبع{[52379]} دينه ونلحق{[52380]} به . وكذلك قال ابن جريج ، ومجاهد ، والضحاك{[52381]} .

وروي عن ابن عباس أنه قال{[52382]} : أهدت إليه اثني عشر غلاما فيهم تأنيث مخضبة أيديهم قد مشطتهم ، وألبستهم الجواري ، وقالت لهم : إذا كلمكم فردوا عليه كلاما فيه تأنيث ، وأهدت إليه اثني عشر جارية فيهن غلظ ، واستأصلت رؤوسهن وأزرتهن{[52383]} ، وألبستهن النعال ، وقالت لهن : إذا كلمكن فردوا عليه كلاما صحيحا{[52384]} وأرسلت إليه بعود يخرج{[52385]} بالمسك والعبير{[52386]} والحرير في الأطباق على{[52387]} أيدي الوصفاء والوصائف ، وأرسلت إليه اثني عشر بختية ، كل بختية{[52388]} تحلب كذا وكذا من اللبن . وأرسلت إليه بخرزتين{[52389]} إحداهما{[52390]} مثقوبة ملتوية الثقب ، والأخرى غير مثقوبة ، وأرسلت إليه بقدح ليس فيه شيء ، وأرسلت ذلك كله مع امرأة ، وتقدمت إليها أن تحفظ جميع أمره وكلامه حتى تخبرها عنه ، وقالت لهم : قوموا بين يديه قياما ، ولا تجلسوا حتى يأمركم ، فإنه إن كان جبارا لم يأمركم بالجلوس وأرضيناه بالمال فيسكت عنا ، وإن كان نبيا أمركم بالجلوس ، وأمرتها أن تقول له أن يثقب{[52391]} الخرزة الصحيحة بغير حديدة ، ولا علاج إنس ولا جان ، وأمرتها أن تقول له : أن يميز الغلمان من الجواري ، وأمرتها أن تقول له : يدخل في الخرزة المثقوبة المعوجة / خيطا بغير علاج إنس ولا جان ، وأمرتها أن تقول له أن يملأ القدح ماء مزبدا{[52392]} ليس من الأرض ولا من السماء . قال : وكتبت إليه تسأله عن{[52393]} ألف باب فانطلقت المرأة بهديتها ، حتى أتت بها سليمان ، فوضعتها بين يديه ، وقاموا قياما ولم{[52394]} يجلسوا ، فنظر إليهم سليمان لحظا{[52395]} لم يحرك يدا ولا رجلا ، ثم رفع رأسه إلى رسولها فقال : أن الله رفع السماء{[52396]} ووضع الأرض ، فمن شاء قام ومن شاء جلس ، فجلسوا{[52397]} ، فقدمت إليه الخرزتين وقالت : إنها تقول لك : أدخل في هذه الخرزة المثقوبة خيطا ينفذ إلى الجانب الآخر من غير علاج إنس ولا جان ، وأن{[52398]} تثقب الأخرى ثقبانا فذا من غير علاج إنس ولا جان ، ثم قربت إليه القدح ، وقالت{[52399]} : تقول لك أن تملأ{[52400]} هذا القدح من ماء مزبد رواء{[52401]} ليس من الأرض ولا من السماء ، ثم قربت إليه الوصفاء والوصائف ، وقالت : تقول لك : أن تفرق بين الغلمان والجواري ففرق بينهم بالوضوء{[52402]} فبدأ الجواري بالمرافق ، وبدأ الغلمان بالأيدي ، وملأ لهما{[52403]} القدح من عرق الخيل ، ودخلت دودة الثمرة بالخيط في الخرزة حتى خرجته{[52404]} من الجانب الآخر{[52405]} ، وتولت دودة الخشب ثقب{[52406]} الخرزة الأخرى حتى نفذتها ، ورد الهدية عليها .

وقال ثابت{[52407]} البُناني : أهدت{[52408]} إليه صفائح الذهب في أوعية الديباج ، فلما بلغ سليمان ذلك أمر{[52409]} الجن فموهوا له{[52410]} الآجر{[52411]} بالذهب ، ثم أمر به فألقي في الطرق{[52412]}فلما{[52413]} جاءوا رأوه{[52414]} ملقى{[52415]} لا يلتفت إليه ، صغر{[52416]} في أعينهم ما جاءوا به{[52417]} .

قال ابن زيد : قالت : إن هذا الرجل إن كانت{[52418]} همته الدنيا فسنرضيه{[52419]} ، وإن كان إنما يريد الدين فلن يقبل غيره{[52420]} .

و{[52421]}قال ابن جبير{[52422]} : أرسلت بمأتي{[52423]} وصيف ووصيفة{[52424]} وقالت{[52425]} : إن كان نبيا فسيعلم الذكر من الأنثى{[52426]} ، فأمرهم فتوضأوا ، فمن توضأ منهم ، فبدأ بمرفقه قبل كفه قال : هو من الإناث ، ومن بدأ بكفه قبل مرفقه قال{[52427]} : هو{[52428]} من الذكور .

وروى أنها : وجهت إليه بمائة وصيف ، ومائة وصيفة ، وألبست الجواري ثياب الغلمان ، وألبست{[52429]} الغلمان ثياب الجواري ، وقالت : إن كان ملكا لم يعرف حتى يعريهم ، وإن كان نبيا علم ولم يعريهم{[52430]} ، فلما قدموا على سليمان أمر فوضع{[52431]} لهم ماء يتوضأون ، فكل من بدأ بالمرفق فغسله إلى اليد علم أنها جارية ، وكل من بدأ باليد إلى المرفق علم أنه غلام ، فأمر بنزع ثياب الغلمان فردها على الجواري ، ونزع ثياب الجواري وردها على الغلمان ، ثم رد{[52432]} ما أهدت إليه{[52433]} .

وقوله : " إليهم " تريد{[52434]} به سليمان وحده لأن الملوك يخاطبون مخاطبة{[52435]} الجماعة ، كما يخبرون عن أنفسهم بلفظ الجماعة .

وقوله : { فناظرة بم يرجع المرسلون }[ 36 ] ، أي فأنظر بأي شيء يرجع رسلي بقبول{[52436]} الهدية أم يردها{[52437]} ؟


[52370]:ز: كان.
[52371]:ز: يتبعه.
[52372]:انظر: ابن كثير 5/233، وانظر: الدر19/356.
[52373]:"لما" سقطت من ز.
[52374]:"إلى" سقطت من ز.
[52375]:ز: تعرف ذكرا.
[52376]:ز: أنزل.
[52377]:ز: "فهو".
[52378]:ز: تترك.
[52379]:ز: وتتبع.
[52380]:ز: وتتبع.
[52381]:ابن جرير19/155-156.
[52382]:انظر: ابن كثير 5/233-234، وقد ذكر أن هذا الكلام جله مأخوذ من الإسرائيليات.
[52383]:"وأزرتهن" سقط من ز.
[52384]:ز: غنجا.
[52385]:ع: "أنخرج".
[52386]:ز: والعنبر.
[52387]:ز: وعلى.
[52388]:"كل بختية" سقطت من ز.
[52389]:ز: بخرزتين.
[52390]:ز: أحدهما.
[52391]:"ز: يثقب.
[52392]:ز: من ماء روا.
[52393]:من ألف يأتي.
[52394]:"الواو" من "ولم" سقطت من ز.
[52395]:"لحظا" سقطت من ز.
[52396]:ز: السماوات.
[52397]:"فجلسوا" سقطت من ز.
[52398]:من "وأن تثقب...ولا جان" سقطت من ز.
[52399]:ز: فقالت.
[52400]:ز: املأ.
[52401]:ز: مديد روا.
[52402]:ز: بالوضوء بينهم.
[52403]:"لها" سقطت من ز.
[52404]:ز: أخرجته.
[52405]:ز: الأخرى.
[52406]:ز: تثقب.
[52407]:انظر: الدر19/357.
[52408]:ز: أمدت.
[52409]:ز: من.
[52410]:ز: فموهوا له الأثر.
[52411]:انظر: اللسان 4/10، مادة أجر.
[52412]:ز: الطريق.
[52413]:ز: فلك.
[52414]:ز: حاوه رواه.
[52415]:ز: ملغا.
[52416]:ز: صغر عندهم.
[52417]:ابن جرير19/155.
[52418]:ز: كان.
[52419]:ز: فسيرضيه.
[52420]:ابن جرير19/155-156.
[52421]:"الواو" من "وقال" سقطت من ز.
[52422]:انظر: الدر19/358.
[52423]:ز: "بثمانين" كذلك في الدر. انظر: 19/358.
[52424]:ز: وصيفة ووصيفة.
[52425]:ز: فقالت.
[52426]:ز: الذكور من الإناث.
[52427]:"قال" سقط من ز.
[52428]:ز: فهو.
[52429]:ز: وألبس.
[52430]:ز: يعرفهم.
[52431]:ز: يموضع.
[52432]:ز: ردت.
[52433]:قال الحافظ ابن كثير معلقا على هذه الآثار: والله أعلم أكان ذلك أم لا؟ وأكثره مأخوذ من الإسرائيليات، والظاهر أن سليمان عليه السلام، لم ينظر إلى ما جاءوا به بالكلية، ولا اعتنى به، بل أعرض عنه. انظر: 5/234.
[52434]:ز: يريد.
[52435]:ز: يخاطب بمخاطبة.
[52436]:ز: أيقبل.
[52437]:ز: يردها.